
مجدي اتجمد مكانه.
نورا العاصم؟ مجموعة استثمارية؟ صاحبة شركات؟
هو كان فاكر إنها مجرد ست فقيرة بتحاول تعيش يوم بيوم!
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية، لأن الرجل أضاف جملة خلت مجدي يحس إن كل اللي بناه في حياته ممكن ينهار في لحظة:
“وعلى فكرة يا أستاذ مجدي، حضرتك لازم تكون عارف إن الأستاذة نورا هي صاحبة الحصة الأكبر في الشركة اللي حضرتك بتحاول تدخل معاها شراكة من شهور.”
مجدي بص لنورا، وبدأ يفهم إن الست اللي دعاها عشان يذلها قدام الناس، ممكن تكون هي نفسها صاحبة القرار في مستقبله كله!
مجدي حس إن الكلام اللي سمعه مش حقيقي، وبص للرجل اللي واقف قدامه وقال بعصبية:
“إنت متأكد من الكلام اللي بتقوله؟ نورا صاحبة مجموعة العاصم؟!”
الرجل ابتسم باحترام وقال:
“طبعًا يا فندم، دي من أكبر المستثمرين في مجال التصميم والتطوير العقاري، واسمها معروف في السوق.”
مجدي بلع ريقه، وحاول يخفي ارتباكه.
أما نورا، فكانت واقفة بهدوء.
داليا قربت منها وقالت بابتسامة متكلفة:
“بصراحة يا نورا، أنا مكنتش أعرف إنك ناجحة بالشكل ده. مجدي عمره ما حكالي عن شغلك.”
نورا ردت بابتسامة هادية:
“يمكن لأنه مكنش مهتم يعرف أنا بعمل إيه.”
الجملة كانت بسيطة، لكنها خلت مجدي يحس بالإحراج.
حاول يغير الموضوع وقال:
“نورا، ممكن نتكلم لوحدنا شوية؟”
ردت:
“مفيش حاجة بينا تستدعي إننا نتكلم لوحدنا.”
قال بسرعة:
“الموضوع مهم، وخصوصًا بخصوص الأولاد.”
نورا بصت له بجدية وقالت:
“الأولاد؟ إنت افتكرت إن ليك أولاد دلوقتي؟”
مجدي اتنهد وقال:
“أنا مكنتش أعرف إنك حامل، ولو كنت أعرف، عمري ما كنت هسيبك.”
ضحكت نورا ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
“غريبة يا مجدي! إنت سبتني وأنا محتاجة لك، وكنت شايف إني عبء على حياتك. دلوقتي لما عرفت إني بقيت ناجحة، افتكرت إنك كنت ممكن تفضل جنبي؟”
مجدي حاول يمسك إيدها، لكنها سحبتها بهدوء:
“نورا، أنا عايز أصلح كل حاجة. دول ولادي، ومن حقي أعرفهم.”
نورا بصت له وقالت:
“من حقك تعرف إنهم موجودين، لكن مش من حقك تدخل حياتهم فجأة وتلخبطها. الأطفال دول كبروا من غيرك، وأنا اللي سهرت عليهم وربيتهم.”
في اللحظة دي، الولد الصغير قرب من مجدي وسأله ببراءة:
“إنت زعلان يا عمو؟”
مجدي نزل لمستواه وحاول يبتسم:
“لأ يا حبيبي، أنا بس متفاجئ.”
الولد بص له شوية وقال:
“ماما بتقول إن الإنسان لازم يتحمل نتيجة قراراته.”
أما داليا، فكانت بدأت تفقد أعصابها، شدت مجدي من ذراعه وقالت:
“أنا عايزة أفهم! إنت كنت متجوزها قبل كده، وعندك منها تلات أطفال، ومخبي كل ده عني؟”
رد مجدي: “أنا قلتلك إني مكنتش أعرف.”
قالت بغضب: “حتى لو مكنتش تعرف بالحمل، إزاي ما قلتليش إنك كنت متجوز؟”
وفجأة، وصل رجل أنيق في أواخر الخمسينات، واتجه مباشرة ناحية نورا وقال:
“أهلًا ببنتي، كنت مستنيكي من بدري.”
الأطفال جريوا عليه وهم بيقولوا: “جدو سامح!”
انحنى الرجل واحتضنهم بحب، وبعدها بص لمجدي وقال:
“إنت مجدي السويفي، صح؟”
مجدي رد بتوتر: “أيوه يا فندم.”
سامح بص له لحظات وقال: “أنا سمعت عنك كتير.”
مجدي حاول يستغل الفرصة وقال: “ده شرف كبير ليا يا فندم. أنا من زمان نفسي أقابل حضرتك، وكنت بحاول أوصل لفرصة شراكة مع مجموعة العاصم.”
سامح ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
“عارف، وسمعت إنك بقالك شهور بتحاول تقابل مجلس الإدارة.”
مجدي هز رأسه بحماس: “بالضبط يا فندم، وعندي مشروع كبير جدًا.”
سامح بص ناحية نورا وقال: “طيب، بما إننا اتجمعنا النهارده، تحبي نوضح للأستاذ مجدي موقف الشراكة؟”
نورا ردت بهدوء: “مفيش مانع.”
لكن سامح قال جملة قلبت فرحته لخوف:
“للأسف يا أستاذ مجدي، مجلس الإدارة رفض عرضك من أسبوعين.”
مجدي اتصدم وقال: “رفضه؟! ليه؟ المشروع مدروس وكل الأرقام واضحة!”
نورا اتكلمت بجدية: “لأننا بنراجع تاريخ الشركات اللي بنتعامل معاها، مش الأرقام بس. النجاح مش معناه إني أشارك أي حد عنده فلوس، فيه فرق بين إنك تكون ناجح في شغلك، وبين إنك تكون إنسان جدير بالثقة.”
داليا خلعت باقة الورد من إيدها وحطتها على الترابيزة بعصبية وقالت لمجدي:
“أنا مش قادرة أكمل اليوم ده قبل ما أفهم كل حاجة.”
ونورا طلبت من أحد العاملين كوباية مياه، واهتمت بأطفالها.
مجدي قرب منها مرة تانية وقال: “نورا، أنا عارف إني غلطت. بس اديني فرصة أكون أب لأولادي.”
نورا بصت له طويلًا، وبعدها قالت:
“الأبوة مش كلمة بتتقال لما الإنسان يكتشف إنه خسر. الأبوة مسؤولية، ووجود، وتعب، واهتمام. إنت كنت فين لما التلاتة دول كانوا بيعيطوا بالليل من السخونية؟”
ثم قالت: “أنا مش همنعك من إنك تسلك الطريق القانوني عشان تعرف أولادك، لكن أي خطوة هتكون لمصلحتهم هما، مش لمصلحتك إنت.”
وقبل ما تمشي، مسكت إيد بنتها الصغيرة وقالت:
“يلا يا حبايبي، إحنا عندنا مناسبة تانية مستنيانا.”
مجدي استغرب وسألها: “مناسبة إيه؟”
ابتسمت نورا وقالت: “افتتاح أكبر مشروع لينا في القاهرة، والنهارده كنت جاية من هناك على طول.”
استدارت ومشيت وسط نظرات الإعجاب والدهشة، بينما فضل مجدي واقف مكانه حاسس إن اليوم اتحول لأكبر مواجهة مع نفسه.
الجزء الأخير: الحقيقة اللي خلت مجدي يندم على كل لحظة ضيّعها من عمره!
فضل مجدي واقف قدام ابنه، مش عارف يقول إيه، والولد عينيه مليانة دموع.
نزل مجدي على ركبته وقال بصوت مكسور:
“أيوه يا حبيبي، أنا بابا… وأنا آسف إني ما كنتش موجود جنبكم.”
الولد بص له وسأله ببراءة: “طب إنت كنت فين كل السنين دي؟”
مجدي حاول يتكلم، لكن الكلمات وقفت في حلقه.
نورا قربت من ابنها واحتضنته وقالت:
“يا حبيبي، إنت وإخواتك ملكوش ذنب في أي حاجة حصلت بين الكبار.”
مرت أيام، ومجدي بدأ يحاول يتواصل مع أولاده بالطرق القانونية وبالاتفاق مع نورا، وتبنى المحامي خطوات تسفظ حقوق الأولاد والترتيب لرؤيتهم بالتدريج.
وفي نفس الوقت، استمرت مراجعة المستندات الخاصة بالشركة القديمة، وثبت أن لنورا حقوق مالية وشراكة موثقة في المشروع الذي ساعدت مجدي يبدأه في بداياته حين باعت ذهبها لأجله.
اتفق الطرفان على تسوية تحفظ حقوق نورا بالكامل، وخسر مجدي جزءًا من الأرباح لأنه أدرك أن المستندات كانت واضحة وصحيحة.
أما داليا، خطيبته، فطلبت تأجيل الزفاف ثم قررت تنهي العلاقة نهائيًا قائلة:
“الشخص اللي يقدر يقسُو على أم أولاده بالطريقة دي، ممكن يعمل أي حاجة مع أي حد.”
وبعد شهور، افتتحت نورا مشروعها الجديد وسط حضور كبير، ووقف الأطفال الثلاثة بجانبها يفتخرون بها.
في نهاية الحفل، وصل مجدي بهدايا بسيطة لكل طفل، وقال لنورا:
“شكرًا لأنك ربيتي أولادي كويس، وشكرًا لأنك ما خليتيهمش يكرهوني رغم غيابي.”
ردت نورا بهدوء:
“أنا ربيتهم عشان يكونوا ناس كويسة، مش عشان يكرهوا حد.. أنا عرفت قيمتي يوم ما قررت أكمل من غيرك.”
الأطفال اقتربوا منه، وسألته البنت الصغيرة:
“بابا، ممكن تيجي حفلة المدرسة الأسبوع الجاي؟”
ابتسم مجدي وعينيه دمعت:
“طبعًا يا حبيبتي، لو ماما موافقة.”
نورا قالت: “لو هتلتزم بكلامك ومواعيدك، مفيش مانع.”
مرت سنة كاملة، أصبحت فيها نورا من أنجح سيدات الأعمال، وتربى أطفالها في بيئة مليئة بالحب والأمان. أما مجدي فبدأ يتغير فعلًا، وتعلم ألا يستهين أبدًا بالإنسان الذي يقف بجانبه وقت الضعف، لأن الأيام تتغير، والأصل والوفاء هما ما يكشفان حقيقة الناس حقًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




