روايات وقصص

الجزء الرابع بقلم محمد عبده

قال لي:

— راجعنا السجلات المتاحة، وظهر اسم مدير الشركة اللي كانت بتستقبل بعض الأموال. الاسم مش غريب علينا.

سألته:

— مين؟

رد:

— الأستاذ سامح، المحاسب اللي كان مسؤولًا عن حسابات مشروع والدك في آخر سنة قبل وفاته.

افتكرت الراجل كويس.

كان بيزور الشركة بشكل منتظم، وكان عنده صلاحية الاطلاع على عدد من الحسابات والمستندات، لكنه ترك العمل بعد وفاة أبويا بفترة قصيرة.

قلت للمحامي:

— هل عندنا دليل إنه شارك في أي مخالفة؟

رد بحذر:

— لسه لأ. وجود اسمه في السجلات معناه إننا محتاجين نعرف طبيعة دوره، مش إنه ارتكب مخالفة. هنطلب مراجعة المعاملات المتعلقة بالشركة، ونتأكد من كل التوقيعات والتفويضات.

قفلت المكالمة، وبدأت أفكر.

هل سامح كان مجرد موظف نفّذ تعليمات؟ ولا كان عنده معلومات عن اللي حصل، وقرر يخبيها؟

وقبل ما أقدر أوصل لأي نتيجة، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

كانت الرسالة قصيرة جدًا:

«لو عايز تعرف مين أخد النسخة الأصلية من عقد أبوك، راجع كاميرات الجراج يوم الخميس الساعة 8:40 مساءً. لكن ماتثقش في الشخص اللي هتشوفه».

حسيت بقلق شديد.

ورّيت الرسالة للمحامي، فقال لي إن الأفضل نحتفظ بيها، ونتعامل معاها كخيط للتحقيق، من غير ما نفترض صحتها قبل التحقق منها.

وبالفعل، طلبنا مراجعة التسجيلات المتاحة بالطريقة القانونية.

بعد يومين، وصلنا مقطع واضح من إحدى الكاميرات.

كان فيه شخص دخل المكان اللي اتخزنت فيه المستندات، وخرج بعد دقائق حاملًا حقيبة صغيرة.

الصورة ماكانتش واضحة تمامًا، لكن المحامي قدر يلاحظ تفصيلة مهمة.

الشخص كان لابس خاتمًا مميزًا في إيده اليمين.

خاتم فضة عليه نقش قديم.

لما شفت الصورة، حسيت إن قلبي وقع.

أنا أعرف الخاتم ده.

كنت شفته مئات المرات في إيد شخص من عيلتي.

شخص كنت فاكر إنه واقف في صفي من أول يوم.

طلبت من شريف يكبّر الصورة، وبعدها بصيت له وقلت:

— مستحيل… مش معقول يكون هو!

شريف رد بهدوء:

— ما نستعجلش يا إبراهيم. الخاتم ممكن يكون دليلًا يساعدنا نحدد هوية الشخص، لكنه مش كفاية لوحده. لازم نتحقق من التسجيلات وأي أدلة أخرى.

رجعت البيت وأنا مش قادر أبطل تفكير.

وفي نفس الليلة، قررت أزور عمّي حسن وأسأله عن الخاتم.

لكنه أول ما شاف الصورة، اتغير لون وشه.

قعد على الكرسي ببطء، وقال:

— كنت خايف إن اليوم ده ييجي.

سألته:

— إنت تعرف الخاتم ده؟

عمّي هز راسه.

— أيوه. ده خاتم قديم كان عند أبوك، وبعد وفاته اختفى من مكتبه. وبعد فترة، شفته في إيد شخص ماكنتش أتخيل إنه ممكن يكون له علاقة بالموضوع.

قلت له:

— مين الشخص ده؟

عمّي رفع عينيه ناحيتي، وقال بصوت متقطع:

**— الخاتم كان مع خالد فعلًا… لكن اللي أخد المستند من المكان مش خالد. أنا شفت الخاتم في إيد شخص تاني قبل كده، وكان الشخص ده بيزور أبوك في آخر أيامه.**

حسيت إننا رجعنا لنقطة البداية.

سألته:

— مين كان بيزور أبويا؟

عمّي سكت، وبعدها فتح درج مكتبه وطلع صورة قديمة.

كانت صورة لأبويا وهو قاعد في مكتبه، وبجانبه ثلاثة أشخاص: خالد، وسامح المحاسب، وشخص ثالث وشه كان ظاهر بوضوح.

لما شفت الصورة، اتجمدت مكاني.

الشخص الثالث كان **الأستاذ شريف، محامي العيلة نفسه!**

***

في اللحظة دي، كل حاجة اتلخبطت في دماغي.

هل المحامي اللي ساعدني في كشف التحويلات كان عارف أسرارًا من الماضي؟ وهل وجوده في الصورة مع أبويا وخالد وسامح له علاقة بالمستندات المفقودة؟

رجعت مكتبه في اليوم التالي، لكني ماواجهتوش باتهام.

حطيت الصورة قدامه وقلت:

— محتاج أفهم الصورة دي. إنت كنت تعرف أبويا من قبل ما تبقى محاميّ؟

شريف بص للصورة فترة طويلة، وبعدها قال:

— أيوه. أنا كنت مستشارًا قانونيًا لبعض مشروعات والدك قبل ما أتولى شؤونك. لكن وجودي في الصورة مش معناه إني شاركت في أي مخالفة.

قلت له:

— طيب، ليه ماقلتش لي إنك كنت تعرف خالد وسامح من زمان؟

رد بهدوء:

— لأن علاقتي بيهم كانت مهنية، وده مش سر. لكن فيه تفاصيل عن مشروعات قديمة ممكن تكون مهمة دلوقتي، وكنت ناوي أشرحها لك بعد ما نراجع المستندات.

سألته:

— وإيه علاقتك بعقد الأسهم الأصلي؟

فتح درج مكتبه، وطلع نسخة من خطاب قديم.

— والدك طلب مني أراجع مسودة اتفاق تخص إدارة الشركة، لكنه لم يطلب مني نقل ملكية أسهم من غير إجراءات واضحة. ولما ظهرت النسخة المختلف عليها، بدأت أراجع ملف القضية علشان نعرف إذا كانت المسودة اتغيرت أو اتستخدمت بطريقة غير صحيحة.

كنت لسه متردد، لكن شريف اقترح نطلب من محامٍ مستقل مراجعة الملف بالكامل، علشان نتأكد إن مفيش تعارض مصالح وإن كل الإجراءات ماشية بشكل سليم.

وافقت.

وفي نهاية اللقاء، سلّمني ورقة صغيرة كانت موجودة داخل ملف أبويا.

قال:

— فيه خطاب تاني اتسلم لي بعد وفاة والدك، وطلب مني أحتفظ بيه لحد ما تظهر مشكلة في ملكية الشركة. أعتقد إن الوقت جه إنك تقراه.

فتحت الخطاب.

كان مكتوبًا بخط أبويا:

«يا إبراهيم،

لو وصلت للمرحلة دي، فاعرف إن الخلاف مش كله على الفلوس أو الأسهم.

فيه شخص قريب منك جدًا يعرف الحقيقة عن آخر اتفاق عملته، لكنه ساكت لأنه خايف يخسر حاجة مهمة.

ما تتهمش حد قبل ما تسمع منه، وما تخليش الغضب يعميك عن الدليل.

وأهم حاجة: حافظ على بنتك. هي مش طرف في صراعات الكبار، ومش من حق حد يستخدمها وسيلة للضغط عليك».

قرأت الخطاب مرتين.

أبويا كان عارف إن فيه احتمال إن الخلافات تتحول لمعركة عائلية، وكان بيحذرني من إني أظلم حد من غير دليل.

لكن مين الشخص اللي كان ساكت خوفًا من خسارة حاجة مهمة؟

وهل كان هو نفسه الشخص اللي أخد النسخة الأصلية؟

قبل ما أخرج من المكتب، رن تليفوني.

كانت ندى.

صوتها كان متوترًا جدًا.

— إبراهيم، لازم تيجي بسرعة. فيه حد بعت لي رسالة، ومعاها صورة لسلمى وهي خارجة من المدرسة.

حسيت بقلبي بينقبض.

— إيه؟! مين بعتها؟

— رقم مجهول. والرسالة بتقول: «لو عايزة بنتك تفضل في أمان، وقفي البحث عن عقد الشركة».

مسكت الموبايل بقوة، لكني افتكرت كلام المحامي.

ماينفعش نتصرف بعشوائية، ولازم نحافظ على الرسالة والصورة ونبلغ الجهات المختصة.

قلت لندى:

— اسمعيني كويس. متقابليش أي حد، ومترديش على الرقم ده. أنا جاي لك، وهنتصرف بالطريقة القانونية. سلمى مش هتكون لوحدها، ومش هنسمح لأي حد يستخدم خوفك عليها علشان يضغط علينا.

قفلت المكالمة، واتصلت بالمحامي المستقل اللي بدأ يراجع الملف.

وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول.

كانت فيها صورة لمستند قديم، وتحتها جملة واحدة:

**«النسخة الأصلية مش مع خالد ولا مع أمك… النسخة عند الشخص اللي إنت بتثق فيه أكتر من أي حد».**

فضلت باصص للشاشة، وأنا بحاول أفهم مين المقصود.

لكن المفاجأة كانت إن الصورة نفسها أظهرت جزءًا من توقيع أبويا، وتحته تاريخ مختلف تمامًا عن التاريخ الموجود في كل النسخ اللي شوفناها.

تاريخ يرجع لليوم اللي سبق وفاته مباشرة.

وده معناه إن المستند ممكن يكون اتكتب أو اتعدل في وقت حساس جدًا، وإن الشخص اللي معاه النسخة الأصلية يعرف تفاصيل ماحدش غيره يقدر يفسرها.

**يتبع في الجزء الخامس…**

مين الشخص اللي بيهدد ندى؟ وهل شريف فعلًا عنده معلومات ماقالهاش؟ وليه المستند الأصلي اختفى في نفس الوقت اللي بدأت فيه الحقيقة تظهر؟

المرة دي، الإجابة مش هتكشف بس مصير الشركة والفلوس… دي ممكن تكشف مين كان آخر شخص قابل أبو إبراهيم قبل وفاته، وإيه اللي حصل في الساعات الأخيرة قبل ما يسيب عيلته كلها ويمشي!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى