
طول الطريق، كنت بفكر في جدي، وفي أخويا اللي عشت عمري كله من غير ما أعرف إنه موجود.
كنت بسأل نفسي: هو يوسف عاش إزاي؟ ومين اللي ربّاه؟ وليه محدش حاول يوصل ليه؟
وصلنا للعنوان اللي الأستاذ فؤاد كان محتفظ بيه.
كان بيت قديم في مصر الجديدة، محاط بسور حديد، والجنينة اللي قدامه كانت مهملة بشكل واضح.
خبطنا على الباب أكتر من مرة، لكن محدش رد.
الأستاذ فؤاد طلع مفتاح قديم من جيبه وقال:
“اللواء حسن اداني المفتاح ده من سنين، وطلب مني أحتفظ بيه لو حصل أي ظرف.”
فتحنا الباب ودخلنا.
البيت كان هادي بشكل غريب، وفيه صور قديمة معلقة على الحيطان.
وأول ما دخلت الصالة، عيني وقعت على صورة طفل صغير.
قربت منها.
كان نفس الطفل اللي شفته في صورة جدي!
يوسف!
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصورة اللي جنبها.
كانت صورة لأبويا، واقف مع اللواء حسن البدري، وقدامهم طفل صغير.
سألت الأستاذ فؤاد:
“إيه اللي بيجمع أبويا بالراجل ده؟ مش المفروض إن حسن كان بيحمي يوسف من أبويا؟”
قبل ما يرد، سمعنا صوت باب بيتفتح من آخر الطرقة.
ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، وبيتحرك بصعوبة، لكنه أول ما شافني وقف مكانه.
قال بصوت مبحوح:
“نور؟!”
قلت باستغراب:
“حضرتك تعرفني؟”
قرب مني خطوة، وبص للصورة اللي في إيدي.
وبعدين قال:
“كنت مستني اليوم ده من أكتر من عشرين سنة.”
جلست قدامه وقلت:
“أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها. يوسف فين؟ وليه أبويا قال لنا إنه مات؟”
اللواء حسن سكت شوية، وبعدها طلب مننا نقفل الشبابيك ونتأكد إن مفيش حد بره.
وبدأ يحكي.
قال إن يوسف اتولد بصحة كويسة، لكن بعد فترة قصيرة من ولادته، اكتشف جدي إن مجدي كان بيحاول يستغل وجود الطفل علشان يستولي على جزء من ممتلكات العيلة.
ولما جدي رفض، أبويا دخل في خلافات كبيرة معاه.
وفي ليلة من الليالي، حصلت واقعة اختفاء يوسف.
مجدي قال للجميع إن الطفل مات، لكن الحقيقة إنه أخده بعيد عن العيلة، وسلمه لأسرة تانية تعيش في محافظة تانية.
وأضاف اللواء حسن:
“أنا عرفت الحقيقة بعد فترة، ولما واجهت مجدي، هددني إني لو اتكلمت هيتسبب في أذى للطفل. علشان كده فضلت أراقب يوسف من بعيد وأحاول أحميه.”
سألته بلهفة:
“طيب هو فين دلوقتي؟”
رد:
“يوسف كبر، وبقى راجل، وعنده حياته وشغله. لكن من حوالي سنة، بدأ يسأل عن عيلته الحقيقية.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“يعني هو عارف إن عنده أخت؟”
هز رأسه وقال:
“أيوه… وعارف كمان إن أبوه بيحاول يستولي على الميراث.”
فجأة، رن جرس الباب.
اللواء حسن قام بسرعة، وبص من العين السحرية، وبعدها رجع خطوتين لورا.
وشه اتغير تمامًا.
قال بصوت واطي:
“مجدي!”
بصيت للأستاذ فؤاد، وبعدها رجعت أبص للباب.
أبويا كان واقف بره، ومعاه راجلين.
خبط بقوة وقال:
“يا حسن! افتح الباب. أنا عارف إن نور عندك!”
اللواء حسن أشار لنا نسكت.
لكن أبويا كمل بصوت عالي:
“اسمع يا حسن، أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا عايز الورق اللي معاك، وبعدها كل واحد يروح لحاله.”
قمت من مكاني وقلت:
“مش هينفع تفضل تهرب من الحقيقة يا بابا.”
سمع صوتي، فسكت لحظات.
وبعدين قال:
“نور… افتحي الباب. إنتِ مش فاهمة اللي بتعمليه.”
رديت عليه:
“أنا فاهمة أكتر مما تتخيل. وعرفت إن يوسف عايش.”
فجأة، سمعت صوت حاجة وقعت بره.
وبعدين أبويا صرخ:
“مين قالك الاسم ده؟!”
اللواء حسن بص لي بقلق وقال:
“دلوقتي اتأكدنا إن يوسف هو نقطة ضعفه.”
في اللحظة دي، طلع صوت موبايل من جيب اللواء حسن.
فتح الرسالة، وقرأها، وبعدها مد إيده بالموبايل ناحيتي.
كانت رسالة من رقم مجهول:
“أنا يوسف… أختي نور، لو إنتِ فعلًا عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي بكرة الساعة 12 ظهرًا لمحطة مصر. لكن لازم تيجي لوحدك، لأن فيه سر أخير لو أبوكي عرف إنك عرفتيه، مش هيقدر يسيبك تكملي حياتك بشكل طبيعي.”
وتحت الرسالة كان فيه تسجيل صوتي قصير.
ضغطت تشغيل…
وسمعت صوت شاب بيقول:
“أختي نور… أنا مش بس أخوكي اللي أبوكي خبّى وجوده عنك. أنا كمان الشخص اللي كان موجود ليلة الحادث اللي مات فيها العقيد سامح الديب.”
اتجمدت مكاني!
العقيد سامح… الرجل اللي مات بين إيديا سنة 2019!
إزاي يوسف يعرف عنه؟ وإيه علاقته بالحادث العسكري اللي فضلت سنين بحاول أنساه؟
لكن قبل ما أقدر أسأل، اللواء حسن قال جملة خلتني أحس إن الكابوس لسه في أوله:
“يا نور… فيه حاجة لازم تعرفيها. أبوكي ماكانش بيزوّر مستند الميراث علشان الفلوس بس… هو كان بيحاول يمنعك من الوصول لحقيقة الحادث اللي مات فيه سامح!”
والحقيقة إن اللي حصل في الليلة دي كان أخطر بكتير مما تخيلت…
يتبع…
### الجزء التالي: السر اللي اتدفن سبع سنين
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب الكلام اللي سمعته.
بصيت للواء حسن وقلت:
“إنت بتقول إيه؟ إيه علاقة أبويا بموت العقيد سامح؟ وإزاي يوسف كان موجود في نفس الليلة؟”
اللواء حسن قعد على الكرسي، ومرر إيده على وشه، وبعدها قال:
“يا نور، قبل ما أجاوبك، لازم تعرفي إن أبوكي كان على علاقة بشبكة من رجال الأعمال اللي كانوا بيحاولوا يستولوا على أراضي وممتلكات عن طريق التزوير والتلاعب في الأوراق الرسمية.”
قلت بغضب:
“وده إيه علاقته بالمهمة العسكرية اللي كنت فيها؟”
رد:
“العقيد سامح الديب اكتشف إن فيه مستندات سرية بتكشف تحويلات مالية مشبوهة، وإن بعض الأشخاص بيستخدموا شركات وهمية لإخفاء ملكيات وأموال.”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
“قبل الحادث بأيام، سامح عرف إن فيه شخص من خارج المؤسسة العسكرية بيسعى للحصول على معلومات عن تحركات بعض الضباط.”
حسيت إن ركبتي المصابة بدأت توجعني أكتر.
قلت:
“يعني الانفجار اللي حصل للقافلة كان مدبّر؟”
اللواء حسن ما ردش مباشرة، لكنه قال:
“ده احتمال كبير، وكان فيه تحقيقات اتفتحت وقتها، لكن بعض الأدلة اختفت قبل ما توصل للجهات المسؤولة.”
افتكرت الليلة دي بالتفصيل.
صوت الانفجار.
الدخان اللي غطى المكان.
صراخ زملائي.
وسامح، اللي كنت بحاول أساعده وسط الحطام، وهو بيطلب مني ما أسيبش الملف اللي كان معاه.
فضلت سنين أفتكر إنه كان بيتكلم عن ملف المهمة.
لكن دلوقتي بدأت أشك إن الموضوع كان أكبر من كده.
سألت اللواء حسن:
“ويوسف دخل في الموضوع إزاي؟”
قال:
“لأن يوسف كان شغال في شركة محاسبة، وبالصدفة اكتشف تحويلات مرتبطة بنفس الشركات اللي كان سامح بيدور وراها. ولما حاول يبلغ عن الموضوع، عرف إن فيه ناس بتراقبه.”
قلت:
“طيب هو فين دلوقتي؟”
رد:
“هو اللي هيقدر يحكيلك الباقي بنفسه.”
في صباح اليوم التالي، وصلت محطة مصر قبل الموعد بنص ساعة.
كنت متفقة مع العقيد كريم الشاذلي إني أبلغه بمكان اللقاء، لكن ماكنتش عارفة إذا كان يوسف هيظهر فعلًا ولا لأ.
وقفت بعيد عن الزحام، وبراقب الناس اللي داخلة وخارجة.
الساعة قربت من 12 ظهرًا.
وفجأة، شفت شاب طويل لابس جاكيت أسود، وماسك ملف أزرق.
كان واقف على مسافة، وبيبص ناحيتي بتردد.
قرب خطوة، وبعدها قال:
“نور؟”
بصيت له.
كان فيه شبه كبير من جدي في ملامحه، خصوصًا العينين.
قلت بصوت واطي:
“يوسف؟”
هز رأسه.
فضلنا نبص لبعض ثواني طويلة، من غير ما حد فينا يعرف يبدأ الكلام إزاي.
وبعدين قال:
“أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إن اللي حصل مش سهل عليكي.”
قلت له:
“أنا مش عايزة منك تبريرات. أنا عايزة أعرف ليه عشت عمري كله وأنا فاكرة إني بنت وحيدة، وليه أبويا أخفى وجودك.”
نزل عينه للأرض وقال:
“لأن أبويا كان خايف إن وجودي يكشف حاجة عملها من زمان.”
وبعدين فتح الملف الأزرق وطلع صورة قديمة.
كانت صورة لجدي، وأبويا، والعقيد سامح الديب، ومعاهم شخص رابع.
قربت الصورة من عيني.
وسألته:
“مين الراجل اللي واقف في النص؟”
قال:
“ده شريف منصور، رجل الأعمال اللي كان بيدير الشركة اللي جدي كان شريك فيها.”
وبعدين أضاف:
“الشخص ده كان حلقة الوصل بين أبويا وبعض الناس اللي كانوا عايزين يستولوا على أموال الصندوق.”
حسيت إن الصورة بدأت تتضح.
لكن يوسف قال حاجة تانية قلبت كل حساباتي.
“أنا قابلت العقيد سامح قبل وفاته بيومين، واداني نسخة من مستندات كان مخبيها.”
سألته بسرعة:
“المستندات دي فين؟”
أشار للملف الأزرق.
“هنا… لكن فيه ورقة واحدة أهم من كل اللي موجود.”
طلع ورقة مطوية بعناية، وفتحها قدامي.
كانت عبارة عن صورة من سجل تحويلات مالية، وعليها توقيع أبويا.
وتحت التوقيع كان فيه تاريخ التحويل:
14 أكتوبر 2019.
نفس يوم وفاة العقيد سامح!
بصيت ليوسف وقلت:
“إنت متأكد إن التوقيع ده صحيح؟”
قال:
“اتأكدت منه عن طريق خبير مستندات، وكمان فيه تسجيل صوتي لأبويا وهو بيتكلم عن التحويل.”
قبل ما أقدر أرد، يوسف مسك إيدي وقال:
“بس فيه حاجة أخطر… أبويا عرف إني هقابلك النهارده.”
في اللحظة دي، لاحظت راجل واقف بعيد بيراقبنا، ولما عيني جت في عينه، لف بسرعة ومشي.
قلت ليوسف:
“لازم نمشي من هنا.”
لكن قبل ما نتحرك، موبايلي رن.
كان رقم محامي أبويا.
رديت، فسمعت صوته بيقول:
“رائد نور، والدك مستعد يسحب القضية ويتنازل عن كل مطالبه، بشرط واحد بس.”
سألته:
“إيه هو؟”
قال:
“تسلّمي الملف الأزرق، وتوقّعي على تنازلك عن الميراث.”
ضحكت بمرارة وقلت:
“واضح إن الملف ده فيه حاجة مخوفاكم جدًا.”
رد بصوت جاد:
“إنتِ مش متخيلة حجم الناس اللي ممكن تتأذى بسبب اللي بتعمليه.”
قفلت المكالمة وبصيت ليوسف.
لكنه ماكانش باصص لي.
كان مركز عينيه على الورقة اللي في إيده، ووشه شاحب.
سألته:
“فيه إيه؟”
رفع عينه وقال:
“نور… فيه اسم تاني في سجل التحويلات. اسم الشخص اللي استلم الفلوس بعد وفاة سامح.”
قربت منه.
ولما شفت الاسم، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
الاسم كان اسم شخص من عيلتنا… شخص كنت بثق فيه أكتر من أي حد!
وقبل ما يوسف ينطق بالحقيقة، وصلت رسالة جديدة على موبايله:
“بلاش تقول لأختك مين اللي سلّم سامح للموت… لأنها لو عرفت، مش هتسامحك إنت كمان!”
يتبع…
### الجزء الأخير: الحقيقة اللي دمّرت إمبراطورية أبويا
فضلت باصة للرسالة اللي وصلت لموبايل يوسف، وبعدين رفعت عيني ليه وقلت:
“إنت مخبي عني إيه يا يوسف؟ وإيه معنى إنّي مش هسامحك لو عرفت الحقيقة؟”
يوسف نزل عينه، وسكت فترة طويلة، وبعدها قال:
“الاسم اللي شفتيه في سجل التحويلات مش اسم شخص غريب… ده اسم عمي، أخو أبويا، عماد المنياوي.”
اتصدمت.
عمي عماد!




