منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

أكملت فاتن:

— يعني إنت كنت عارف نتيجة الفحص قبل ما تنهي جوازك منها، وكنت عارف إن المشكلة ممكن تكون عندك، ومع ذلك فضلت تلومها؟!

حاول جلال أخذ الورقة، لكن فاتن رفضت.

وبعد لحظات قالت:

— في حاجة تانية لازم أعرفها. التقرير ده فيه توصية بإعادة الفحص، وإنت ماعملتش كده!

ظل جلال صامتًا.

أما أنا، فكنت أشعر أن الحقيقة بدأت تظهر أخيرًا، لكن بقي سؤال واحد لم أجد له إجابة:

لماذا أصر جلال على إقناعي بأن المشكلة عندي، رغم علمه بوجود احتمال أن تكون لديه مشكلة من البداية؟

والإجابة التي ستظهر خلال الساعات القادمة ستجعل فاتن تعيد التفكير في كل ما تعرفه عن زوجها، خصوصًا عندما تكتشف أن شخصًا من العائلة كان يعرف الحقيقة منذ وقت طويل وساعده على إخفائها.

يتبع في الجزء الثالث والأخير…


الجزء الثالث والأخير: الحقيقة التي كشفت جلال أمام الجميع

ظلت فاتن واقفة وهي تمسك بالتقرير الطبي، وعيناها ممتلئتان بالحزن والغضب.

كان جلال يحاول تبرير موقفه، لكنه لم يجد كلمات مناسبة.

وفجأة، نظرت فاتن إلى والدته وسألتها:

— طنط، إنتِ كنتِ تعرفي إن جلال عنده مشكلة ممكن تأثر على الإنجاب؟

ارتبكت والدة جلال، وصمتت قليلًا قبل أن تقول:

— أنا عرفت من زمان إنه عمل فحوصات، لكنه قالي إن الدكتور طمّنه وإن مفيش أي مشكلة.

ردت فاتن بسرعة:

— يعني إنتِ كمان كنتِ عارفة إنه عمل تحاليل، ومع ذلك كنتوا بتلوموا سهام؟

بدأت والدته تتأثر وقالت:

— والله يا بنتي أنا ماكنتش أعرف إنه بيخبي النتيجة عنها. أنا كنت نفسي أشوف أحفادي، وكنت فاكرة إن سهام هي اللي محتاجة متابعة.

نظرت إليها وقلت:

— أنا مش جاية النهارده ألوم حد، ولا أحرج حد. أنا بس مش هقبل إن حد يفضل يظلمني بعد كل السنين دي.

اقترب جلال مني وقال:

— سهام، أنا غلطت، وعارف إني ظلمتك. بس أنا عايز أصلح كل حاجة. دول ولادي، ومن حقي أشوفهم وأكون موجود في حياتهم.

نظرت إليه وقلت:

— من حقك تعرف ولادك، لكن مش من حقك تدخل حياتهم فجأة وتتصرف كأن السنين اللي فاتت ماحصلتش.

رد بسرعة:

— أنا مستعد أعمل أي حاجة علشانهم.

قلت له:

— كان المفروض تفكر في الكلام ده من زمان. أنا لما عرفت إني حامل كنت لوحدي، ولما كنت بتعب كنت لوحدي، ولما كنت بقلق على ولادي كنت لوحدي. محدش فيكم كان موجود.

كانت فاتن تستمع إلينا، وفجأة قالت:

— وأنا كمان مش عارفة أقدر أكمل معاك إزاي بعد اللي عرفته النهارده.

نظر إليها جلال وقال:

— إنتِ مالك دلوقتي؟ إحنا بنتكلم عن ولادي.

ردت عليه:

— أنا مالي؟ أنا مراتك يا جلال، والست اللي إنت كنت بتقولها إنك استنيت سنين علشان تبقى أب. طلعت بتخبي عني الحقيقة زي ما خبيتها عن سهام!

ثم نظرت إلى نفسها وقالت:

— أنا كنت فاكرة إننا بنبدأ حياة جديدة مبنية على الصراحة، لكن اكتشفت إنك لسه بتخبي عني أمور مهمة.

حاول جلال الاقتراب منها، لكنها أشارت إليه أن يتوقف وقالت:

— مش عايزة أسمع منك أي تبرير دلوقتي.

في تلك اللحظة، شد ابني الكبير يدي وسألني:

— ماما، إحنا هنروح البيت؟

انحنيت لمستواه وابتسمت:

— أيوه يا حبيبي، هنروح حالًا.

لكن جلال وقف أمامنا وقال:

— استني يا سهام، أنا عايز أتكلم مع الولاد.

أجبته:

— مش دلوقتي. لما نتفق على طريقة مناسبة يتعرفوا بيها عليك، وتكون مريحة ليهم.

قال بصوت متأثر:

— يعني هتمنعيني عنهم؟

رددت بهدوء:

— أنا مش بمنعك من حد، لكن مش هسمح إنك تكرر معاهم نفس الأخطاء اللي عملتها معايا. الأبوة مش مجرد اسم، الأبوة مسؤولية ووجود واهتمام وأمان.

ثم أخذت طفليّ وغادرت المكان.

بعد الحفل بيومين، حاول جلال الاتصال بي أكثر من مرة. لم أجب في البداية، لكن عندما أرسل رسالة أوضح فيها أنه يريد رؤية الطفلين، وأنه مستعد للذهاب معي إلى مختص لتنظيم الأمر بما يحافظ على استقرارهما، وافقت على مقابلته.

التقينا في مكان هادئ بعيدًا عن تدخلات العائلة.

حضر جلال ومعه بعض الهدايا للطفلين، وكان واضحًا عليه أنه لا يعرف كيف يبدأ الحديث.

قال لي:

— سهام، أنا مش هطلب منك تسامحيني بسهولة. أنا عارف إن اللي عملته مش قليل. أنا كنت خايف أواجه نفسي بالحقيقة، فبدل ما أعترف بمشكلتي، خليتك إنتِ تتحملي المسؤولية كلها.

سألته:

— وإيه اللي خلاك تعمل كده؟

صمت قليلًا ثم أجاب:

— كنت خايف من كلام الناس، وخايف صورتي قدام أهلي تتغير. وبدل ما أواجه الحقيقة وأتحمل مسؤوليتي، اخترت الطريق الأسهل بالنسبة لي.

أنزلت عينيه وقلت:

— بس الطريق السهل بالنسبالك كان أصعب طريق في حياتي أنا.

قال بهدوء:

— عارف.

بعدها اتفقنا على أن يكون التعارف بينه وبين الطفلين تدريجيًا، وأن يتم تنظيم الزيارات والمسؤوليات بطريقة واضحة تحافظ على راحتهما واستقرارهما.

ومع مرور الوقت، بدأ الطفلان يعتادان وجوده، وأصبح يراهما في مواعيد متفق عليها.

لكن علاقتي بجلال ظلت في حدود الاحترام والتعامل من أجل مصلحة الأطفال فقط.

أما فاتن، فقد قررت الابتعاد قليلًا وإعادة التفكير في مستقبل زواجها. وبعد فترة، طلبت منهما التوجه إلى مختص أسري ومناقشة كل ما حدث بصراحة، خصوصًا مع اقتراب موعد قدوم طفلهما.

ولأول مرة، بدأ جلال يواجه أخطاءه بدلًا من إلقاء المسؤولية على الآخرين.

وبعد عدة أشهر، كنت أجلس في بيتي والطفلان يلعبان أمامي، عندما سألني ابني الصغير:

— ماما، هو بابا كان بعيد عننا ليه وإحنا صغيرين؟

نظرت إليه وابتسمت وقلت:

— أحيانًا الكبار بيغلطوا يا حبيبي، وبيحتاجوا وقت علشان يفهموا غلطهم ويحاولوا يصلحوه.

سألني:

— طب هو بيحبنا؟

احتضنته وقلت:

— إن شاء الله يحبكم ويكون أب كويس ليكم، وإنتوا مالكوش أي ذنب في اللي حصل بين الكبار.

في تلك اللحظة، ركض ابني الكبير نحوي واحتضنني من الجانب الآخر.

شعرت أن كل ما مررت به علمني درسًا مهمًا، وأن أجمل ما خرجت به من هذه التجربة هما طفلاي اللذان ملآ حياتي حبًا وفرحة.

أما جلال، فقد خسر سنوات كان من الممكن أن يقضيها مع طفليه، لأنه اختار إخفاء الحقيقة بدلًا من مواجهتها.

وفي النهاية، فهم أن الإنسان قد يؤجل مواجهة الحقيقة لفترة، لكنه لا يستطيع تغييرها أو إخفاء نتائجها إلى الأبد.

أما أنا، فتعلمت درسًا لن أنساه: ليس كل من يخرج من حياتنا يكون رحيله خسارة، فأحيانًا تكون بداية الحياة الجديدة فرصة لاستعادة الثقة بالنفس والعيش بكرامة وهدوء.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أشعر أنني مطالبة بإثبات أنني كنت أستحق أن أكون أمًا.

أنا أم بالفعل، وفخورة بنفسي وبطفليّ، وهذا وحده كان كافيًا بالنسبة لي.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى