منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

— الأطفال مش وسيلة نصلح بيها أخطاء الماضي. لو عايزة تكوني جزءًا من حياتهم، لازم تفهمي إن ده هيحصل بالتدريج، وبالطريقة اللي تحافظ على راحتهم وأمانهم.

نادية هزت راسها، والدموع بدأت تنزل من عينيها.

— أنا موافقة.

ما وعدتهاش بحاجة.

لأن الثقة مش كلمة بتتقال، ولا باب بيتفتح في يوم واحد.

الثقة محتاجة وقت، ومواقف، وإثبات إن اللي حصل زمان مش هيتكرر.

وفي اللحظة دي، نوح شد طرف فستاني وسألني:

— ماما، إحنا هنرجع البيت دلوقتي؟

ابتسمت له ومسحت على شعره.

— أيوه يا حبيبي. هنرجع بيتنا.

لكن قبل ما نتحرك، مروان ناداني.

— كيشا، استني. فيه حاجة لازم تعرفيها.

وقفت مكاني.

كان صوته مختلفًا، وفيه تردد واضح.

قرب مني وقال:

— أنا ما بعتلكيش الدعوة عشان أحرجك بس.

بصيت له من غير ما أرد.

كمل كلامه:

— قبل ما أبعت الرسالة، عرفت إنك بقيتي صاحبة شركة كبيرة، وإنك نجحتي في شغلك. وكنت عايز أشوفك بعيني… كنت عايز أعرف إزاي قدرتي تعملي كل ده بعد اللي حصل بينا.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن ما كانش فيها أي فرحة.

— يعني دعوتني لأنك عرفت إني نجحت؟

نزل عينيه.

— في البداية، أيوه.

سألته:

— وكنت ناوي تعمل إيه لما أوصل لوحدي، زي ما كنت متخيل؟

ما ردش.

لكن سكوته كان كفاية.

هزيت راسي وقلت:

— عارفة يا مروان؟ يمكن دي أول مرة في حياتك تواجه نتيجة قرارك من غير ما تقدر تهرب منها.

وبعدين مسكت إيد أوليفيا، وناديت على إخواتها.

خرجنا من الفيلا وسط نظرات العيلة كلها.

لكن قبل ما أركب الهليكوبتر، سمعت صوت مروان ورايا.

— كيشا! أنا عايز فرصة أعرف أولادي.

وقفت، وبصيت له للمرة الأخيرة.

— الأولاد مش جايزة بتتاخد لمجرد إنك ندمت. لو عايز تعرفهم، لازم تثبت إنك تقدر تكون أب حقيقي، مش مجرد راجل اكتشف فجأة إن عنده أربعة أطفال.

ما وعدتوش بحاجة.

وما رفضتش بشكل نهائي.

سيبت له الباب مفتوحًا، لكن مش على حساب راحة أولادي.

ركبت الهليكوبتر، وقعدت جنب أطفالي الأربعة.

نوح مسك إيدي، وصوفيا حطت راسها على كتفي، وإيثان وأوليفيا بدأوا يتكلموا بحماس عن الرحلة.

بصيت من الشباك على الفيلا وهي بتصغر تدريجيًا تحتنا.

ولأول مرة من تمان سنين، حسيت إن الماضي بقى فعلًا ورايا.

لكنني ماكنتش أعرف إن مروان، بعد ما رجع البيت في الليلة دي، هيكتشف ورقة قديمة وسط مستنداته، ورقة هتخليه يفهم إن اللي حصل زمان ماكانش مجرد سوء تفاهم بين اتنين…

كان فيه شخص تالت تدخل في حياتنا، وغيّر كل حاجة، وخبّى حقيقة كان ممكن تمنع عيلة كاملة من التفكك!

والأخطر من كده، إن الشخص ده كان لسه موجودًا في حياتهم لحد النهارده…
الجزء الثالث والأخير: رسالة واحدة كشفت اللي حصل من 8 سنين!

في الليلة نفسها اللي رجعت فيها من بيت عيلة مروان، كنت قاعدة في الصالة مع أولادي الأربعة، بحاول أرجّع الأمور لطبيعتها بعد اليوم الطويل اللي عشناه.

نوح وإيثان كانوا بيتكلموا عن الهليكوبتر، وصوفيا وأوليفيا كانوا بيختلفوا على مين فيهم هتحكي لصحابها عن المفاجأة اللي حصلت.

كنت بسمع ضحكهم، لكن عقلي كان لسه عند باب الفيلا، عند اللحظة اللي شفت فيها وش مروان وهو بيكتشف إنه أب لأربعة أطفال.

ما كنتش عارفة إذا كان ندمه حقيقي، ولا مجرد صدمة من حاجة ماكانش متوقعها.

لكنني كنت متأكدة من حاجة واحدة: مش هسمح للماضي يرجع يوجعني من جديد.

في الوقت نفسه، كان مروان قاعد لوحده في مكتبه داخل الفيلا.

قدامه كانت علبة خاتم الخطوبة اللي سارة سابتها على الطاولة، وعلى المكتب صورة قديمة لينا من يوم فرحنا.

مسك الصورة بين إيديه، وفضل يبص لها فترة طويلة.

كان فاكر إنه نسي كل حاجة.

لكن ظهور الأطفال الأربعة رجّع له تفاصيل حاول يدفنها جواه سنين.

افتكر يوم ما قلت له إني حامل.

افتكر الخلاف اللي حصل بينا، واتهاماته اللي مالهاش أساس.

وافتكر كمان اليوم اللي راح فيه لمحامي العيلة عشان يخلص إجراءات الطلاق بأسرع وقت.

لكن وسط الذكريات دي كلها، افتكر حاجة غريبة.

قبل ما يقرر يطلقني بأيام، أمه نادية اتصلت بيه وقالت له إنها اكتشفت إنني بتواصل مع رجل تاني، وإن الحمل ممكن يكون وسيلة عشان أحتفظ بيه.

وقتها، كان غاضبًا ومش مستعد يسمع أي تفسير.

والنهارده، لأول مرة، بدأ يسأل نفسه:

ماذا لو كانت أمه هي السبب في كل اللي حصل؟

فتح درج مكتبه، وبدأ يقلب في الملفات القديمة.

كان بيدور على أوراق الطلاق، لكنه لقى ظرفًا بنيًا قديمًا، مكتوبًا عليه بخط أمه:

«أوراق كيشا — مهم جدًا».

اتجمد مكانه.

فتح الظرف، وبدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.

لقى نسخة من رسالة كنت باعتاها لأمه قبل الطلاق، ونسخة من تقرير طبي يؤكد حملي، ومعاهم ورقة مطبوعة من إيميل قديم.

كانت الرسالة موجهة لنادية، وكنت بقول فيها إني حاولت أتواصل مع مروان أكثر من مرة، وإنني مستعدة أعمل أي فحص طبي يثبت إن الطفل ابنه.

لكن اللي صدمه فعلًا، كان الرد الموجود في نهاية الملف.

رد من أمه نفسها، كانت كاتباه لشخص اسمه سامح، المحامي اللي كان بيتابع بعض شؤون العيلة.

«مروان لازم يبعد عنها قبل ما الموضوع يكبر. مش عايزة الطفل ده يكون سببًا في تعطيل مستقبله. خلّصوا إجراءات الطلاق بسرعة، وخلي كل واحد في طريقه».

مروان حس إن الأرض بتتحرك من تحته.

قرأ الرسالة مرة.

وبعدين مرة تانية.

وبعدها اتصل بالمحامي سامح، رغم إن الساعة كانت متأخرة.

رد سامح بعد عدة رنات.

— أيوه يا مروان، فيه حاجة؟

قال مروان بصوت متوتر:

— محتاج أسألك عن أوراق الطلاق القديمة. ومحتاجك تقول لي الحقيقة، حتى لو كانت هتدمر كل حاجة.

سكت سامح للحظات.

وبعدين قال:

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

—

في صباح اليوم التالي، وصل مروان إلى مكتب سامح.

كان المحامي رجلًا في أواخر الخمسينيات، اشتغل مع عيلة الشاذلي سنين طويلة، وكان معروفًا إنه ما بيحبش يدخل نفسه في الخلافات العائلية.

لكن المرة دي، قرر يتكلم.

حط قدام مروان ملفًا قديمًا وقال:

— قبل ما أقول لك أي حاجة، لازم تعرف إن كيشا حاولت توصل لك أكتر من مرة.

مروان شد إيده على حافة المكتب.

— ليه محدش قال لي؟

— لأن والدتك كانت مصممة إنك ما تسمعش منها. كانت بتقول إن العلاقة انتهت، وإنك لو رجعت لها هتخسر مستقبلك.

— وإنت وافقت تساعدها؟

سامح نزل عينيه.

— أنا وافقت أجهز أوراق الطلاق، لكنني ماكنتش أعرف كل التفاصيل وقتها. ولما عرفت إن كيشا حامل، طلبت من والدتك تتأكد من الحقيقة بدل ما تتهمها. لكنها رفضت.

مروان ضرب المكتب بكفه.

— يعني كل السنين دي، أنا كنت فاكر إنها كذبت عليّا!

سامح رد بهدوء:

— إنت كنت غاضبًا، وما حاولتش تتأكد بنفسك. والدتك استغلت غضبك، لكن القرار النهائي كان قرارك أنت.

الكلمات كانت قاسية، لكنها كانت الحقيقة اللي مروان حاول يهرب منها.

أمه أخفت عنه الرسائل، وشجعت شكوكه، لكنها ما أجبرتهوش إنه يتركني.

هو اللي اختار يمشي.

وهو اللي رفض يسمع.

وهو اللي اختفى.

سأل مروان بصوت منخفض:

— هل كيشا كانت بتحاول توصل لي فعلًا؟

فتح سامح درجًا وأخرج مجموعة من الخطابات القديمة.

— دي نسخ من الرسائل اللي وصلتنا. بعضها كان فيه طلب واضح إنك تتواصل معاها، وبعضها كان فيه تقارير طبية عن الحمل.

مسك مروان الخطابات، وبدأ يقرأها.

في واحدة منها، كنت كاتبة:

«مروان، أنا مش بطلب منك ترجع لي عشان خاطرنا. أنا بس عايزاك تعرف إنك هتبقى أب، وإن الطفل مالوش ذنب في أي خلاف بينا. لو مش عايز تكمل حياتك معايا، ده قرارك، لكن أتمنى ما تحرمنيش من فرصة إنك تسمع الحقيقة».

انهمرت دموعه.

كان فاكر إنني حاولت أحتفظ بيه عن طريق الحمل.

لكن الحقيقة كانت إني كنت بحاول أحافظ على حق طفلنا في إنه يعرف أبوه.

والنهارده، اكتشف إنه حرم نفسه من معرفة أربعة أطفال، مش طفل واحد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى