منوعات

الجزء الرابع والاخير

لكنها ما سمحتش لنفسها تفرح بسرعة.

بعد ما البنات دخلوا يلعبوا، قعد كريم قدام سلمى وقال:

«أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية. وعارف إنك مش مطالبة تسامحيني، لكن أنا عايز فرصة أكون أب ليهم».

ردت سلمى بهدوء:

«الأبوة مش فلوس ولا هدايا يا كريم. البنات محتاجين حد يطمنهم، ويكون موجود وقت ما يحتاجوه. مش حد يظهر أسبوع ويختفي شهور».

«أنا مستعد أعمل اللي تطلبيه».

«مش اللي أطلبه أنا. اللي يحتاجوه هم».

وبعد لحظات من الصمت، قالت:

«هنبدأ خطوة خطوة. وهتكون فيه حدود واضحة، وأي قرار يخصهم هيتاخد لمصلحتهم. ولو احتجنا مساعدة متخصصة علشان نسهّل عليهم التغيير، هنعمل كده».

كريم وافق من غير اعتراض.

ولأول مرة، ماحاولش يشتري طريقه لقلب حد بفلوسه.

لكنه قبل ما يمشي، سألها عن الظرف اللي كانت خالته نادية محتفظة بيه.

سلمى اتغيرت ملامحها.

«خالتي قالت لك عنه؟»

«أيوه. قالت إنه فيه آخر جزء من الحقيقة».

سلمى سكتت طويلًا، وبعدها قامت ودخلت أوضتها.

رجعت وهي شايلة صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

فتحته، وأخرجت منه رسالة قديمة، ومعاها صورة لطفلة رضيعة.

حطت الصورة قدامه وقالت:

«دي أول صورة للبنات بعد ولادتهم. وأنا احتفظت بيها لأن دي كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن حياتي اتغيرت للأبد».

كريم مسك الصورة بحذر.

لكن لما قلبها على ضهرها، لقى جملة مكتوبة بخط إيد سلمى:

«إلى كريم… لو جه يوم وعرفت فيه الحقيقة، افتكر إن البنات ماكانوش السبب في بُعدنا، وإنهم ما يستحقوش يدفعوا تمن أخطاء الكبار».

رفع عينيه لها، والدموع بدأت تتجمع في عينيه.

«ليه ما بعتتيليش الصورة دي؟»

سلمى ردت:

«بعتها فعلًا يا كريم».

اتجمد مكانه.

«إيه؟!»

«بعت لك جواب قبل ولادة البنات. كان فيه صورة ليهم، ورسالة بقول لك فيها إني حامل، وإنك لو عايز تكون موجود في حياتهم، أنا مستعدة نتكلم».

كريم بدأ يهز رأسه.

«أنا ماوصلنيش أي جواب».

سلمى بصت له بحزن.

«أنا عارفة دلوقتي إنك يمكن ماوصلتلكش الرسالة. لكن وقتها، ماكنتش أعرف غير إنك ما رديتش».

وفي اللحظة دي، فهم كريم إن فيه دليل أخير لازم يوصل له.

دليل ممكن يوضح إذا كانت الرسالة ضاعت فعلًا، ولا حد منعها توصل إليه عمدًا.

### الجزء السادس: الرسالة اللي اختفت ست سنين

رجع كريم لبيت عيلته في نفس اليوم، وطلب من والدته تقعد معاه لوحدهم.

حط الصورة القديمة على الترابيزة، وقال:

«سلمى بعتت لي رسالة قبل ولادة البنات. كانت بتقول فيها إنها حامل، وإنها مستعدة نتكلم. الرسالة دي راحت فين؟»

مدام فريدة بصت للصورة، وبعدها غطت وشها بإيديها.

«أنا ماكنتش عايزة الأمور توصل لكده».

كريم رد بصوت حاسم:

«أنا مش عايز تبريرات. عايز أعرف الحقيقة».

بعد صمت طويل، اعترفت إنها استلمت خطابًا من سلمى في الفترة اللي كان كريم فيها مسافرًا في شغل خارج مصر.

كانت قد قرأت الخطاب، وعرفت منه إن سلمى حامل، لكنها خافت إن رجوعها لحياة ابنها يفتح الخلافات القديمة من جديد.

وبدل ما تسلمه الخطاب، احتفظت به.

كانت مقتنعة وقتها إن سلمى مش مناسبة لعيلتهم، وإن كريم هيقدر يبدأ حياة جديدة من غيرها.

لكنها ما توقعتش إن قرارها هيحرم ابنها من بناته لسنين طويلة.

كريم وقف من مكانه، وملامحه مليانة ألم.

«إنتِ ماخدتِش قرار يخصني أنا بس. إنتِ خدتِ قرار يخص حياة تلات أطفال كمان».

والدته بدأت تبكي.

«أنا غلطت يا كريم. كنت فاكرة إني بحميك».

«حماية مين اللي تخلي أم تبعد عن بناتها، وأب مايعرفش إن عنده أطفال؟»

ماكانش عنده إجابة.

طلب منها ترجع كل الأوراق اللي احتفظت بيها، وأكد لها إن أي علاقة مستقبلية بينها وبين البنات لازم تكون مبنية على الصراحة واحترام حدود سلمى.

وبعدها خرج من البيت.

كان ممكن ينتقم، أو يفضح أمه قدام العيلة كلها، لكنه اختار يركز على الأهم: إصلاح الضرر اللي حصل.

في الأيام اللي بعدها، بدأ يقضي وقتًا منتظمًا مع البنات، بعد اتفاق واضح مع سلمى.

كان يروح معاهم الحديقة، ويساعدهم في واجباتهم البسيطة، ويقرأ لهم القصص قبل ما يرجع بيته.

في البداية، كانوا بينادوه «عمو كريم».

لكنه ما استعجلش يطلب منهم ينادوه بابا.

كان عارف إن الثقة ما بتتفرضش، وإن الأطفال محتاجين وقت علشان يطمئنوا.

أما سلمى، فبدأت تشوف جانبًا مختلفًا منه.

مش لأنها نسيت اللي حصل، ولا لأنها قررت ترجع له، لكن لأنها لاحظت إنه بدأ يسمع من غير ما يقاطع، ويعتذر من غير ما يبرر، ويحترم قراراتها حتى لما تكون مش على مزاجه.

وفي يوم، وهي بتجهز البنات للنوم، سألتها ليلى:

«ماما، هو عمو كريم هييجي بكرة؟»

سلمى ابتسمت وقالت:

«أيوه يا حبيبتي، هو قال إنه هييجي».

ليلى فرحت، وبعدها سألت:

«طب هو هيبقى بابا بتاعنا؟»

سلمى سكتت لحظة، ثم ردت:

«هو باباكم، لكن أهم حاجة إنه يفضل موجود ويحبكم ويحترمكم. والكلام ده لازم يثبت بالأفعال، مش بالوعود».

ليلى هزت رأسها كأنها فهمت، وبعدها حضنت أمها ونامت.

لكن كريم كان لسه قدامه أصعب اختبار.

لأن استعادة علاقة مع بناته كانت خطوة، أما مواجهة العواقب الكاملة لأخطاء عيلته، فكانت حكاية تانية.

### الجزء السابع: المواجهة الأخيرة والحقيقة الكاملة

بعد شهرين، قرر كريم يجمع عيلته في بيته، بحضور سلمى وخالتها نادية، بعد موافقة سلمى.

ماكانش الهدف إنه يجبرها على المصالحة، ولا إنه يضغط عليها ترجع له.

كان عايز ينهي سنوات من الأكاذيب، ويخلي كل شخص يتحمل مسؤولية قراراته.

بدأ الكلام وهو واقف قدام والده ووالدته وأخوه ياسين، اللي رجع مصر بعد ما عرف إن الحقيقة ظهرت أخيرًا.

قال كريم:

«أنا عشت سنين فاكر إن سلمى هي اللي اختارت تبعد عني من غير سبب. وكنت مقتنع إني خسرت جوازي، لكن على الأقل ما خسرتش مستقبلي. النهارده فهمت إن فيه تلات بنات كان من حقهم يعرفوا أبوهم، وإنهم اتحرموا من ده بسبب قرارات اتاخدت من ورايا».

والدته كانت قاعدة ساكتة، ودموعها بتنزل على خدودها.

أما ياسين، فقال:

«أنا حاولت أساعد سلمى وقتها، لكن لما اكتشفت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف عائلي، فضلت أبعد علشان ما أزودش المشاكل. وده كان غلط مني. كان المفروض أواجهك بالحقيقة بنفسي».

كريم بص له وقال:

«كلنا غلطنا لما سكتنا، لكن اللي حصل ما ينفعش يتكرر».

وبعدين التفت لوالدته.

«أنا مش همنعك من إنك تشوفي البنات لو سلمى وافقت، لكن الثقة لازم تتبني من جديد. ومش هسمح لأي حد يستخدم الفلوس أو اسم العيلة علشان يتحكم في حياتهم».

مدام فريدة رفعت رأسها وقالت بصوت مكسور:

«أنا عايزة أعتذر لسلمى».

سلمى كانت قاعدة بهدوء، وسمعت اعتذارها للآخر.

ثم قالت:

«أنا مش جاية هنا علشان أنتقم من حد. أنا عشت سنين صعبة، وربنا عوضني ببناتي. لكن الاعتذار لوحده مش هيمسح اللي حصل. لو عايزة تكوني جزءًا من حياتهم، لازم تحترمي إني أمهم، وإن قراراتهم مش ملك حد غيرنا إحنا المسؤولين عنهم».

فريدة هزت رأسها، وما حاولتش تجادلها.

كان واضحًا إنها بدأت تفهم إن الاعتراف بالغلط مش معناه إن الناس ملزمة تسامح فورًا.

بعدها، كريم أخرج ملفًا من حقيبته.

كان الملف يخص الأوراق المالية القديمة اللي اكتشف ياسين التلاعب فيها.

قال كريم:

«راجعت كل المستندات مع محاسب مستقل، وأي حق مالي ثبت إنه اتاخد من غير وجه حق، هيترد بالطريقة القانونية. مش علشان أشتري رضا حد، لكن لأن دي مسؤوليتي».

سلمى بصت له وقالت:

«ده القرار الصح».

وبعد الاجتماع، خرجت سلمى مع البنات.

كريم لحقهم عند الباب، لكنه ما حاولش يوقفها.

قال لها:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى