منوعات

الجزء الرابع والاخير

«أنا عارف إنك مش مطالبة ترجعي لي، وعارف إن اللي بينا اتغير للأبد. لكن شكرًا إنك سمحتي لي أتعرف على بناتي».

سلمى ردت بهدوء:

«أنا عملت ده علشانهم، يا كريم. مش علشانك».

هز رأسه.

«فاهم».

وبعدها ابتسم للبنات، ووعدهم إنه هيشوفهم في الموعد المتفق عليه.

وقبل ما تمشي، رجعت سلمى بصت له وقالت:

«لو عايز تصلح اللي فات، ماتحاولش ترجع الزمن. اعمل حاجة أحسن في الوقت اللي لسه قدامك».

الجملة دي فضلت ترن في ودنه طول الطريق.

لأنها كانت الحقيقة الوحيدة اللي ماقدرش يهرب منها.

هو ماقدرش يرجع ست سنين ضاعوا، لكنه كان يقدر يختار مايضيعش يومًا آخر من حياة بناته.

### الجزء الثامن والأخير: المفاجأة اللي ماكانش كريم يتخيلها

مرّت ستة شهور.

خلال الفترة دي، كريم التزم بمواعيده مع البنات، وبقى جزءًا ثابتًا من حياتهم.

ماكانش كل شيء مثاليًا، وكانت فيه أيام البنات بيرفضوا يسمعوا كلامه، وأيام تانية كانوا بيسألوه أسئلة صعبة عن سبب غيابه.

لكنه اتعلم ما يتهربش من الإجابة.

كان يقول لهم ببساطة:

«أنا ماكنتش عارف إنكم موجودين، ولما عرفت، كان المفروض أعمل كل اللي أقدر عليه علشان أكون جنبكم. أنا آسف على الوقت اللي فات، وهحاول أكون أحسن من هنا ورايح».

ومع مرور الوقت، بدأوا ينادوه «بابا كريم».

أما سلمى، فنجحت في توسيع مشروعها الخاص في التصميم، لحد ما بقى عندها فريق عمل ومكتب مستقل في الإسكندرية.

الشغل اللي كان كريم زمان بيعتبره مجرد حاجة تشغل وقتها، أصبح مصدر نجاحها واستقلالها.

وفي يوم عيد ميلاد البنات الخامس، اجتمعوا في حديقة صغيرة، وزينوا المكان بالبالونات، وجهزوا كعكة كبيرة عليها أسماء ليلى ومريم وسارة.

كريم وصل بدري، وساعد البنات في ترتيب الهدايا.

أما سلمى، فكانت بتراقب المشهد من بعيد، وشعورها كان مختلفًا عن أي وقت مضى.

ماكانتش بتفكر في الرجوع للماضي، ولا بتحاول تثبت إنها نجحت من غير كريم.

كانت سعيدة لأنها أخيرًا شافت بناتها بيعيشوا طفولة هادئة، بعيدًا عن الخلافات اللي ماكانوش ذنبهم فيها.

بعد ما البنات خلصوا اللعب، قرب كريم من سلمى وقال:

«ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟»

مشوا ناحية مقعد بعيد عن الضوضاء.

كريم أخرج ظرفًا صغيرًا، وسلمه لها.

سلمى بصت له باستغراب.

«إيه ده؟»

قال:

«نسخة من كل الأوراق اللي تخص الموضوع القديم، ومعاها تقرير المحاسب عن الحسابات اللي اتراجعت. حبيت يكون عندك كل شيء واضح، علشان مايبقاش فيه أي سر تاني».

سلمى فتحت الظرف، وراجعت الأوراق بسرعة.

كانت كل المستندات مرتبة، ومعاها خطاب مكتوب بخط إيده.

فتحت الخطاب وقرأت:

«سلمى،

أنا مش بكتب لك علشان أطلب منك فرصة جديدة، ولا علشان أرجعك لحياة إنتِ تعبتي كتير علشان تبنيها من جديد.

أنا بكتب علشان أقول لك إنك كنتِ تستحقي حد يسمعك من أول مرة، وأنا ماعملتش كده.

كنت فاكر إن النجاح هو الفلوس والشغل والمكانة، لكن اكتشفت إن الإنسان ممكن يكون عنده كل ده، ويخسر أهم حاجات في حياته بسبب غروره.

إنتِ ماكنتيش محتاجة تثبتي لي إنك قادرة تنجحي. أنا اللي كنت محتاج أتعلم إزاي أحترمك.

مش هقدر أعوضك عن السنين اللي فاتت، لكن هفضل أحاول أكون الأب اللي بناتنا يستحقوه.

شكرًا لأنك حافظتي على حقهم في إنهم يعرفوا الحقيقة، رغم كل اللي حصل».

سلمى قفلت الخطاب، وظلت ساكتة للحظات.

كريم قال:

«أنا مش مستني رد منك».

ابتسمت ابتسامة هادئة.

«كويس، لأن مش كل حاجة ينفع نصلحها بكلمتين».

هز رأسه.

«عارف».

في اللحظة دي، جريت ليلى ومريم وسارة ناحيتهم، وكل واحدة فيهم ماسكة هدية.

ليلى قالت بحماس:

«ماما! بابا كريم! تعالوا نصور مع بعض!»

كريم بص لسلمى، مستني يشوف رد فعلها.

سلمى ابتسمت للبنات وقالت:

«يلا يا حبايبي».

وقفوا الأربعة جنب بعض، والتقطوا الصورة.

كانت مجرد صورة عائلية عادية، لكنها بالنسبة لكريم كانت أغلى من أي شيء امتلكه في حياته.

لأنه أخيرًا فهم إن العيلة مش اسم كبير، ولا بيت فخم، ولا حساب بنكي مليان.

العيلة مسؤولية، وصدق، واحترام، ووجود حقيقي وقت ما الناس اللي بتحبهم يحتاجوك.

وبعد ما الحفلة خلصت، كريم ودّع البنات، واتفق مع سلمى على موعد الزيارة التالية.

ماطلبش منها ترجع له، وماحاولش يستخدم بناته علشان يقرب منها.

أما سلمى، فرجعت بيتها وهي شايلة بناتها، وسمعت ليلى بتقول:

«ماما، أنا بحب لما نكون كلنا مع بعض».

بصت سلمى لبناتها، وقبلت جبين كل واحدة فيهم.

«وأنا كمان يا حبيبتي».

في اللحظة دي، فهمت إن السعادة مش شرط تكون في رجوع شخص من الماضي، ولا في إننا نكسب معركة قديمة.

أحيانًا السعادة الحقيقية بتكون في إننا نخرج من التجربة أقوى، ونحافظ على نفسنا، ونمنح أطفالنا حياة أكثر أمانًا وهدوءًا.

أما كريم، فكان عنده طريق طويل علشان يثبت إن ندمه حقيقي، وإنه اتغير بالفعل.

لكن لأول مرة، ماكانش بيحاول يكسب سلمى من جديد… كان بيحاول يستحق ثقة بناته.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى