روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وكان مكتوبًا:

«قائدتي، لازم تشوفي ده فورًا. ظهرت وثيقة جديدة في ملف الأطفال… والنتيجة ممكن تغيّر كل اللي إحنا فاهمينه.»

رفعت عيني عن الشاشة.

ولأول مرة منذ بداية الليلة…

شعرت بالخوف.

لأن الرسالة لم تأتِ من مساعدتي سلمى.

الرسالة جاءت من وحدة التحقيقات المركزية.

والملف كان يحمل اسمًا واحدًا:

آدم الشاذلي.
فتحت الرسالة مرة تانية وأنا مش مصدقة اللي قدامي.

الملف: آدم الشاذلي.

لم يكن مجرد ملف عائلي.

كان ملفًا أمنيًا.

رفعت عيني ناحية سلمى، التي كانت واقفة بعيدًا عند مدخل القاعة.

أشرت لها أن تقترب.

قالت بصوت منخفض:

— «قائدتي، لازم نخرج من هنا.»

بصيت لآدم.

كان واقفًا وسط القاعة، ملامحه مشدودة، وهو يحاول يفهم اللي بيحصل.

قلت:

— «مش دلوقتي.»

ثم أضفت:

— «أنا عايزة أعرف الحقيقة هنا الأول.»

اقتربت من الرجل المسن الذي تحدث قبل قليل.

— «حضرتك قلت إن في سر متعلق بالأطفال.»

هز رأسه.

— «أيوه.»

— «إيه هو؟»

بص ناحية والدة آدم.

ثم قال:

— «مش هنا.»

رديت فورًا:

— «لأ. هنا.»

بدأ الهمس ينتشر بين أفراد العائلة.

آدم تقدم خطوة.

— «أنا كمان عايز أعرف.»

الرجل العجوز نظر إليه بحزن.

— «إنت أكتر واحد لازم يعرف.»

والدته صاحت:

— «محدش هيفتح الموضوع ده!»

بصيت لها.

— «واضح إنك عارفة حاجة.»

لم ترد.

فقلت:

— «والسؤال دلوقتي مش أنا اللي هسأله.»

ثم التفتُّ لآدم.

— «إنت اسألها.»

بص آدم لأمه.

— «ماما… إيه اللي مخبياه عني؟»

— «مفيش حاجة.»

— «كفاية.»

صوته ارتفع للمرة الأولى.

— «تمن سنين وأنا فاكر إن كاميليا كذبت عليّ. تمن سنين وأنا فاكر إنها كانت بتحاول تربطني بيها. دلوقتي عرفت إن عندي أربعة أولاد ماعرفتش عنهم حاجة.»

وأشار إلى الأطفال.

— «ودلوقتي حد بيقول إن في سر أكبر.»

اقترب منها.

— «أنا عايز أعرف.»

لكن والدته ظلت صامتة.

الرجل المسن أخذ نفسًا عميقًا وقال:

— «قبل تمن سنين، حصلت مشكلة في المستشفى.»

قلبي انقبض.

— «أي مستشفى؟»

ذكر اسم مستشفى خاص في القاهرة.

المكان الذي كنت قد ولدت فيه الأطفال.

بصيت لسلمى.

هي فهمت فورًا.

قالت:

— «قائدتي… المستشفى دي كانت ضمن التحقيقات القديمة.»

اتسعت عيناي.

— «أي تحقيقات؟»

— «تلاعب في سجلات المواليد.»

تجمدت.

نظرت إلى أطفالي.

أربعة أطفال.

أربعة شهادات ميلاد.

أربعة أسماء.

لكن فجأة…

بدأت أشك في كل شيء.

قلت:

— «إنت بتقول إن سجلات أولادي ممكن تكون اتغيرت؟»

الرجل هز رأسه ببطء.

— «مش ممكن.»

سكت لحظة.

— «هي اتغيرت فعلًا.»

آدم قرب منه.

— «يعني إيه؟»

قال:

— «يعني إن واحدة من الشهادات اللي مع كاميليا مش هي النسخة الأصلية.»

شعرت بأن الأرض تحركت تحت قدمي.

أخرجت الملف من حقيبتي.

فتحته بسرعة.

الشهادات الأربع كانت موجودة.

كل شيء يبدو طبيعيًا.

الأسماء.

التواريخ.

المستشفى.

حتى التوقيعات.

قلت:

— «مين غيّرها؟»

الرجل لم يجب.

بدلًا منه، جاءت الإجابة من والدته.

— «أنا.»

القاعة كلها تجمدت.

آدم بص لها وكأنه لم يسمع جيدًا.

— «إنتِ؟»

أومأت، وبدأت الدموع تنزل من عينيها.

— «كنت بحاول أحميك.»

صرخت:

— «تحميني من إيه؟!»

قالت:

— «من الحقيقة.»

اقتربت منها.

— «أي حقيقة؟»

رفعت عينيها ناحيتي.

— «الحقيقة إن الحمل ماكانش زي ما إحنا كنا فاكرين.»

آدم قال:

— «ماما، اتكلمي واضح.»

أخذت نفسًا عميقًا.

— «في يوم الولادة… حصلت فوضى كبيرة.»

سكتت.

— «الأطفال الأربعة كانوا في حضانات مختلفة.»

— «وبعدين؟»

— «حصل خطأ في تسجيل البيانات.»

نظرت إلى الأطفال.

— «لكن بعدين اكتشفنا إن الموضوع مش خطأ.»

ساد الصمت.

قلت:

— «يعني إيه؟»

ردت بصوت ضعيف:

— «كان فيه شخص متعمد يغير البيانات.»

شعرت بقشعريرة.

— «ليه؟»

لم تجب.

لكن الرجل المسن قال:

— «لأن أحد الأطفال كان هدفًا لشيء أكبر.»

نظرت إليه.

— «هدف لإيه؟»

قبل أن يجيب…

انفتح باب القاعة.

دخلت سلمى بسرعة.

كانت تحمل جهازًا لوحيًا.

قالت:

— «قائدتي… لازم تشوفي ده حالًا.»

أخذت الجهاز.

ظهر عليه ملف إلكتروني قديم.

صورة لورقة مكتوبة بخط اليد.

وفي أسفلها توقيع طبيب.

قرأت السطر الأول.

ثم توقفت.

لأن اسم الطفل المكتوب لم يكن أيًا من أسماء أولادي.

قلت:

— «مين ده؟»

سلمى ردت:

— «ده الاسم اللي كان مسجل على سرير أحد الأطفال الأربعة قبل ما يتم تعديل البيانات.»

نظرت إلى آدم.

كان واقفًا شاحب الوجه.

ثم قرأت الاسم كاملًا.

يوسف الشاذلي.

تجمد آدم.

— «يوسف؟»

قلت:

— «مين يوسف؟»

لم يجب.

والدته بدأت تبكي.

أما الرجل المسن فأغمض عينيه.

قال:

— «يوسف كان ابن أخو آدم.»

بصيت له.

— «كان؟»

هز رأسه.

— «مات قبل تمن سنين.»

صمت.

ثم أضاف:

— «لكن الغريب إن شهادة وفاته اتسجلت قبل ولادة الأطفال بأيام.»

نظرت إلى أولادي الأربعة.

ثم إلى الملف.

بدأت أفهم أن القصة أعقد بكثير من زوج هرب من زوجته.

كان هناك طفل.

ووفاة.

وتغيير سجلات.

وسر عائلي.

لكن السؤال الذي لم أجد له إجابة كان:

لماذا تم ربط اسم يوسف بأحد أطفالي؟

آدم اقترب مني.

— «كاميليا… لازم نعمل تحليل DNA.»

بصيت له.

— «إنت لسه فاكر إن الموضوع عن إثبات إنهم أولادك؟»

— «لا.»

هز رأسه.

— «أنا عايز أعرف الحقيقة.»

وقبل أن أرد…

رن هاتفي.

هذه المرة كان الاتصال مباشرًا من رئيس الجهاز.

رديت.

— «قائدتي كاميليا؟»

— «أيوه.»

صوته كان جادًا بشكل غير معتاد.

— «اسمعيني كويس. متثقيش في أي حد موجود في البيت ده.»

نظرت حولي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى