روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

كل أفراد عائلة الشاذلي كانوا واقفين أمامي.

— «ليه؟»

سكت ثانيتين.

ثم قال:

— «لأن التحقيق أثبت إن الشخص اللي غيّر سجلات الأطفال قبل تمن سنين… كان من داخل عائلة الشاذلي.»

نظرت إلى والدة آدم.

ثم إلى الرجل المسن.

ثم إلى آدم.

وفجأة…

انطفأت أنوار القاعة كلها.

صرخ أحد الأطفال.

سمعت صوت ارتطام قوي.

ثم صوت زجاج بيتكسر.

وضعت ذراعي حول الأطفال الأربعة فورًا.

— «سلمى! خدي الأولاد!»

لكن قبل ما تتحرك…

اشتغلت أنوار الطوارئ.

وفي وسط القاعة…

كان الملف الأسود الذي كنت حاطاه على الطاولة قد اختفى.

ومعه…

أحد أطفالي الأربعة.
صرخت من أعماق قلبي:

— «نوح؟!»

لكن صوتي ضاع وسط الفوضى.

القاعة كانت مليانة حركة وصراخ، والحرس اندفعوا ناحية الأبواب.

سلمى أمسكت بيدي بسرعة.

— «قائدتي، لازم نخرج الأطفال من هنا!»

بصيت حواليا.

ياسين كان موجود.

صوفيا كانت بتعيط.

وليان متعلقة في هدومي.

لكن نوح…

اختفى.

في أقل من عشر ثواني.

وضعت يدي على جهاز الاتصال.

— «اقفلوا كل المخارج! محدش يخرج من المبنى!»

بدأ الحرس ينتشرون في كل الاتجاهات.

آدم كان واقفًا في منتصف القاعة، وجهه شاحب.

— «ابني فين؟»

بصيت له بغضب.

— «ابني؟»

سكت.

قربت منه.

— «افتكر إنك من تمن سنين ماكنتش حتى عايز تعرف إذا كان عندك طفل ولا لأ.»

ثم قلت:

— «دلوقتي افتكرت تقول ابني؟»

نزل رأسه.

— «عندك حق.»

لكن ماكانش وقت للعتاب.

كنت لازم ألاقي نوح.

—

بعد دقائق، وصلني تسجيل من كاميرات المراقبة.

طلبت تشغيله على الشاشة الكبيرة.

ظهر الممر المؤدي للقاعة.

الصورة كانت ضعيفة بسبب انقطاع الكهرباء.

لكن ظهر شخص يرتدي ملابس سوداء وهو يمر بسرعة.

وفي إيده…

كان طفل.

صرخت:

— «وقف الفيديو!»

الصورة تجمدت.

قربت من الشاشة.

الملابس السوداء.

الساعة.

طريقة المشي.

ثم لاحظت شيئًا صغيرًا.

الشخص كان يعرج.

قلت لسلمى:

— «طلعيلي كل أفراد العيلة اللي عندهم إصابة قديمة في الرجل.»

بعد ثوانٍ، ظهر اسم.

اللواء المتقاعد حمدي الشاذلي.

الرجل العجوز الذي كان أول واحد كشف السر.

نظرت إليه.

لكنه لم يكن في القاعة.

— «فينه؟»

لم يرد أحد.

بدأت أتحرك بسرعة ناحية الباب.

لكن آدم أمسك بذراعي.

— «استني.»

لفيت له.

— «ابعد إيدك.»

— «أنا عارف مكانه.»

تجمدت.

— «إنت عارف؟»

— «كان عنده مخزن قديم في آخر الأرض.»

قلت:

— «فين؟»

أشار إلى الجناح الشرقي.

— «بس المكان ده مقفول من سنين.»

قلت لسلمى:

— «خدي الفريق وروحي هناك.»

ثم نظرت إلى آدم.

— «إنت جاي معايا.»

—

وصلنا إلى الجناح الشرقي.

الممر كان مظلمًا وهادئًا.

فتح الحرس الأبواب واحدًا تلو الآخر.

حتى وصلنا لباب حديدي قديم.

كان مقفولًا.

آدم قال:

— «المفتاح مع أمي.»

نظرت له.

— «إذن هنفتح الباب من غير مفتاح.»

بعد لحظات، فتحه الفريق.

دخلنا.

الغرفة كانت مليانة صناديق قديمة وملفات.

وفي منتصف المكان…

كان نوح جالسًا على كرسي.

سليم.

هادئ.

ولا يبدو عليه أي أذى.

لكن بجانبه كان يقف اللواء حمدي.

قلت:

— «ابني.»

نوح أول ما شافني قال:

— «ماما!»

جريت ناحيته وضميته.

ثم فحصته بسرعة.

— «إنت كويس؟»

هز رأسه.

— «هو ماعملش لي حاجة.»

رفعت عيني ناحية حمدي.

— «إنت عملت إيه؟»

الرجل لم يهرب.

بالعكس.

جلس على الكرسي المقابل.

وقال:

— «أنا اللي طلبت منك تيجي هنا.»

— «خطفته ليه؟»

— «عشان أعرفك الحقيقة.»

صرخت:

— «كان ممكن تتكلم من غير ما تخوف ابني!»

خفض رأسه.

— «أنا غلطت.»

آدم تقدم.

— «إنت كنت عارف كل حاجة؟»

حمدي نظر إليه.

— «أكتر مما تتخيل.»

ثم أشار إلى صندوق خشبي.

— «افتحه.»

فتح آدم الصندوق.

في داخله كانت عشرات الملفات.

صور.

تقارير طبية.

مراسلات قديمة.

وسجل مستشفى.

أخذت أول ورقة.

وقرأت.

ثم رفعت عيني ببطء.

— «دي نتيجة التحليل الأول للأطفال.»

آدم اقترب.

قرأت بصوت مرتجف:

— «الأب البيولوجي المحتمل… آدم الشاذلي.»

تنفس آدم براحة.

لكنني قلبت الصفحة.

وهنا تغير كل شيء.

كانت هناك نتيجة ثانية.

تؤكد أن الأطفال الأربعة إخوة من نفس الأب والأم.

نظرت لآدم.

— «يعني أولادي أولادك فعلًا.»

هز رأسه، وعينيه امتلأت بالدموع.

لكن حمدي قال:

— «دي مش أهم ورقة.»

أخرج ملفًا أحمر.

ووضعه أمامي.

فتحت الملف.

في الصفحة الأولى كان مكتوبًا:

“عملية تغيير الهوية – مستشفى النخيل – منذ 8 سنوات.”

شعرت بقلبي يهبط.

قلبت الصفحة.

ثم قرأت أسماء أربعة أطفال.

الأسماء الأصلية كانت مختلفة.

لكن بجانب كل اسم كان هناك اسم آخر.

الأسماء التي يحملها أولادي الآن.

قلت:

— «ليه؟»

حمدي ظل صامتًا.

آدم صاح:

— «ليه غيرتوا أسماء الأطفال؟!»

نظر حمدي إليه.

— «عشان نحميهم.»

— «من مين؟»

حمدي قال:

— «من الشخص اللي كان بيحاول يوصل لهم.»

سألته:

— «مين؟»

رفع عيني ناحيتي.

— «والدك.»

تجمدت.

— «أبويا مات من سنين.»

— «أنا عارف.»

ثم أضاف:

— «لكن قبل موته، كان جزءًا من شبكة كبيرة، وكان فيه ناس عايزين يستخدموا الأطفال في قضية أكبر.»

لم أصدق.

— «إنت بتقول إن أبويا كان له علاقة بكل ده؟»

— «أيوه.»

شعرت بأن كل الذكريات القديمة بدأت ترجع.

لكن كان في شيء واحد لا أفهمه.

— «لو كنتم بتحموهم… ليه آدم ماعرفش؟»

حمدي نظر إلى آدم.

— «لأن والدتك طلبت مني أخفي الحقيقة عنه.»

آدم التفت ناحية أمه، التي كانت قد وصلت إلى الغرفة مع الحرس.

— «ماما؟»

بدأت تبكي.

— «كنت خايفة عليك.»

— «إنتِ خبيتي عني أولادي؟»

— «كنت فاكرة إني بحميك.»

— «إنتِ دمرتي حياتي!»

لم ترد.

اقتربت منها.

— «وليه سيبتيني أواجه كل ده لوحدي؟»

قالت بصوت مكسور:

— «لأنهم قالوا لي إنك لو عرفتي الحقيقة، هتكوني أول هدف.»

ساد الصمت.

ثم أخرجت ورقة صغيرة من جيبها.

— «بس فيه حاجة واحدة ماقدرتش أخفيها.»

ناولتها لي.

فتحتها.

كانت رسالة قديمة.

خطها كان مألوفًا جدًا.

خط والد آدم.

والجملة الأولى جعلت يدي ترتعش:

“لو وصلت الرسالة لكاميليا يومًا، لازم تعرف إن آدم لم يتركها بإرادته بالكامل.”

رفعت عيني ناحية آدم.

— «يعني إيه؟»

حمدي أجاب:

— «آدم ماكانش هو اللي طلب الطلاق بالطريقة اللي حصلت.»

آدم نفسه تراجع خطوة.

— «إيه؟»

— «الأوراق اتجهزت من غير ما يعرف كل تفاصيلها.»

نظرت إلى آدم.

لأول مرة فهمت أن هناك شيئًا ناقصًا في القصة.

هو أخطأ.

هو هرب.

هو صدق كلام عيلته.

لكن ربما…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى