
«أنا مش فاهم إزاي القضية اتحولت للمستشار المنشاوي في آخر لحظة! إنت قلتلي إن كل الإجراءات ماشية زي ما اتفقنا.»
حازم رد بصوت منخفض:
«أنا كمان ماكنتش متوقع التغيير ده. لكن لازم نهدى، ونراجع موقفنا القانوني قبل أي خطوة جديدة.»
مجدي بص له بحدة.
«نهدى إيه؟ إنت شفت اللي حصل! الراجل بيتعامل مع سهام بطريقة مختلفة تمامًا.»
حازم سكت لحظة، وبعدين قال:
«أنا مش هقدر أعلّق على أي علاقة شخصية بين القاضي وأطراف القضية، لكن اللي أقدر أقوله إننا لازم نتأكد من كل الإجراءات، ولو فيه سبب قانوني يستدعي طلب تنحيه، نتعامل معاه بالطريقة الرسمية.»
مجدي شد على فكه.
«أنا مش عايز أسمع كلام عن إجراءات. أنا عايز الطلاق يتم بسرعة، وكل حاجة مالية تفضل بعيدة عن إيدها.»
فاتن رفعت راسها فجأة.
«إنت قلتلي إن سهام مش هتقدر تعملك أي حاجة! وإنك خلصت كل الأوراق!»
مجدي لف ناحيتها وقال بحدة:
«مش وقته يا فاتن.»
لكنها ما سكتتش.
«لأ، وقته! إنت اللي طلبت مني أكون موجودة النهارده، وإنت اللي قلتلي إنك عايزني أشوف بعيني إنك خلصت من جوازك القديم. أنا ماكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده!»
مجدي قرب منها وخفض صوته:
«إنتِ اللي فقدتي أعصابك قدام الناس. لو كنتِ التزمتي باللي اتفقنا عليه، ماكنّاش وصلنا للموقف ده.»
فاتن بصت له بصدمة.
في اللحظة دي، بدأت تدرك إن الرجل اللي وعدها بحياة مليانة رفاهية، ممكن يتخلى عنها بسهولة لو حس إنها بقت عبء عليه.
لكن قبل ما ترد، موبايل مجدي اهتز برسالة جديدة.
فتحها، ولما قرأ أول سطر، وشه اتغير تمامًا.
الرسالة كانت من مديره المالي، ومكتوب فيها:
«أستاذ مجدي، لازم حضرتك تراجعنا فورًا. فيه مستندات ظهرت بتتعارض مع التقارير المالية اللي اتقدمت قبل كده، وفيه استفسارات رسمية محتاجة رد.»
مجدي قفل الموبايل بسرعة، وبص لحازم.
«مين اللي وصل المستندات دي؟»
حازم هز راسه.
«لسه ما نعرفش.»
لكن مجدي كان عنده إحساس مرعب إن الموضوع مش مجرد صدفة.
لأن المستندات اللي كان فاكر إنها اختفت، بدأت تظهر من جديد.
والشخص الوحيد اللي كان يعرف مكانها قبل ما تختفي…
كان أنا.
يتبع في الجزء الثالث: مجدي هيكتشف إن سهام مش بس عرفت أسراره، لكن كمان فيه شخص من أقرب الناس ليه قرر يتكلم أخيرًا.
مجدي المنسي كان واقف في مكتبه الزجاجي في الدور الأربعين، بيبص على القاهرة من فوق، لكن لأول مرة في حياته ماكانش شايف قدامه غير شبح واحد: سهام.
مراته اللي كان فاكر إنه قدر يكسرها، ويخرجها من حياته من غير ما يدفع تمن أي حاجة عملها.
مسك الموبايل واتصل بمديره المالي، حسام.
أول ما حسام رد، مجدي قال بعصبية:
«عايزك تقولي بالحرف الواحد إيه المستندات اللي ظهرت، ومين شافها، وإزاي وصلت للجهات المختصة!»
حسام اتردد قبل ما يرد.
«يا فندم، فيه تحويلات مالية بين شركتين تابعتين للمجموعة، وفيه اختلافات بين الأرقام المسجلة في التقارير وبعض العقود الأصلية. والمشكلة إن فيه نسخ من المستندات دي اتقدمت ضمن ملف قانوني.»
مجدي ضرب بإيده على المكتب.
«مين اللي سربها؟»
حسام قال بصوت منخفض:
«لسه بنتحقق يا فندم، لكن فيه احتمال إن المستندات دي تكون موجودة عند حد من داخل الشركة.»
مجدي قفل المكالمة من غير ما يرد.
كان عنده سبب يخاف.
التحويلات دي ماكانتش مجرد أرقام في دفاتر الحسابات. كانت مرتبطة باتفاقيات قديمة، وشركات مسجلة بأسماء مختلفة، وقرارات مالية اتاخدت من غير ما كل أعضاء مجلس الإدارة يعرفوا تفاصيلها.
ولو المستندات الأصلية ظهرت واتثبتت صحتها، فالموضوع ممكن يتحول من نزاع عائلي إلى تحقيق مالي كبير.
لكن أكتر حاجة كانت مرعباه إن سهام ممكن تكون شافت جزءًا من الحقيقة.
سهام اللي كان بيقول عليها طول الوقت إنها ست بسيطة، ما تفهمش في شغله، ومش هتقدر تعيش من غيره.
ماكانش يعرف إنها احتفظت بنسخ من المستندات اللي شافتها بالصدفة.
وماكانش يعرف إن الأيام الجاية هتخليه يندم على كل مرة استخدم فيها ثروته علشان يخوفها.
في المستشفى، كنت قاعدة على السرير، وببص لصورة الأشعة اللي الطبيبة وريتهالي.
الحمد لله، حالة ابني كانت مطمئنة في الوقت ده، لكن الطبيبة أكدت عليّا إني لازم ألتزم بالراحة وأرجع فورًا لو الألم زاد أو ظهرت أي أعراض مقلقة.
أبويا كان واقف جنبي، ولما لاحظ إني سرحت، سألني:
«بتفكري في إيه يا سهام؟»
قلت له:
«بفكر في اليوم اللي اتجوزت فيه مجدي. لو حد قال لي وقتها إن الراجل اللي كنت شايفاه أمان ليا هيقف يومًا ما يتفرج عليّا وأنا بتألم، ماكنتش هصدقه.»
أبويا تنهد وقال:
«ما تلوميش نفسك على إنك صدقتي حد. الإنسان مش بيقدر يعرف كل حاجة من البداية. المهم دلوقتي إنك تحمي نفسك وابنك، وتخلي أي خلاف يتحل بالقانون.»
بصيت له وقلت:
«أنا مش عايزة أنتقم منه يا بابا. أنا بس عايزة حقي، وعايزة ابني يعيش في أمان.»
رد عليّا بحزم:
«وده حقك. لكن لازم تفرقي بين حقك كأم وزوجة، وبين القضية اللي أنا مسؤول عنها كقاضٍ. أي مستندات أو اتهامات مالية لازم تتراجع من الجهات المختصة، وأي طلب يخص الطلاق وحقوقك لازم يتنظر وفقًا للقانون. وأنا مش هسمح إن حد يضغط عليكِ، وفي نفس الوقت مش هسمح إن منصبي يتستخدم لمصلحة أي طرف.»
الكلام ده ريّحني.
لأن آخر حاجة كنت عايزاها إن حد يقول إني كسبت بسبب إن أبويا قاضي.
أنا كنت عايزة الحقيقة هي اللي تتكلم.
بعد شوية، طلبت من الممرضة تجيبلي شنطتي. فتحت الموبايل، ودخلت على إيميلي الشخصي، وبدأت أراجع الصور اللي كنت محتفظة بيها.
كانت فيه صورة لعقد بين شركة تابعة لمجدي وشركة تانية ما سمعتش عنها قبل كده.
وفيه كمان جدول تحويلات مالية، وتوقيع إلكتروني، وملاحظة مكتوبة بخط إيد مجدي في آخر صفحة.
كبرت الصورة وقرأت الملاحظة ببطء.
«لا يتم إظهار التفاصيل في التقرير المقدم للمراجعة قبل إتمام نقل الملكية.»
قلبي دق بسرعة.
أنا ماكنتش خبيرة في الحسابات، وماعرفش المقصود إيه بالضبط، لكن الجملة كانت كفاية تخليني أفهم إن فيه معلومات مش ظاهرة في التقارير اللي اتقدمت رسميًا.
أخدت نفسًا عميقًا، وبعت النسخ لمحامٍ مستقل كنت أعرفه من قبل، وطلبت منه يراجعها ويتصرف وفقًا للإجراءات القانونية المناسبة.
ماحاولتش أغير أي مستند، ولا أخفي أي معلومة، ولا أواجه مجدي بنفسي.
كنت عايزة كل حاجة تتراجع بشكل قانوني وواضح.
وبعد ما خلصت، حطيت الموبايل جنبي، ومسحت دموعي.
لأول مرة من أسابيع، ماحسيتش إني مجرد زوجة بيحاولوا يطردوها من حياة جوزها.
حسيت إني إنسانة عندها إرادة، وعندها الحق إنها تدافع عن نفسها.
في صباح اليوم التالي، وصل مجدي لمقر الشركة قبل مواعيد العمل.
دخل غرفة الاجتماعات، فلقى أعضاء مجلس الإدارة قاعدين في انتظار وصوله، ومعاهم المستشار القانوني للشركة والمدير المالي حسام.
مجدي بص حواليه وقال:
«إيه الاجتماع المفاجئ ده؟»
رئيس مجلس الإدارة، المهندس شريف حمدان، رد بهدوء:
«وصلتنا استفسارات عن بعض المعاملات المالية، ولازم نراجعها قبل ما نتخذ أي قرارات جديدة.»
مجدي قعد على رأس الطاولة وقال بثقة مصطنعة:
«كل المعاملات دي سليمة، وأنا مش هسمح إن حد يعطل شغل الشركة بسبب أوراق ناقصة أو سوء فهم.»
حسام فتح الملف اللي قدامه.
«إحنا مش بنتكلم عن ورقة ناقصة يا أستاذ مجدي. فيه عقود لازم تتراجع، وفيه اختلافات بين قيمة بعض التحويلات وبين التقارير اللي اتعرضت على المجلس.»
مجدي بص له بحدة.
«إنت بتتهمني بحاجة؟»
حسام اتوتر، لكنه المرة دي ما رجعش في كلامه.
«أنا مش باتهم حضرتك. أنا بعرض أرقام موجودة في السجلات، وواجبي إني أوضح أي اختلافات قبل ما تتحول لمشكلة أكبر.»
رئيس المجلس تدخل:
«محدش هنا بيصدر أحكام على حد. إحنا عايزين مراجعة مستقلة، وكل طرف يقدم المستندات اللي عنده.»
مجدي حس إن السيطرة بتفلت من إيده.
طول عمره كان متعود إن الناس تسكت لما يتكلم، وإن أي اعتراض ينتهي بمكالمة أو اجتماع مغلق.
لكن المرة دي، الناس اللي قدامه ماكانوش مستعدين يكتفوا بكلامه.
وفجأة، حسام أخرج ورقة من الملف وقال:
«فيه نقطة تانية لازم أوضحها. بعض المستندات اللي ظهرت مؤخرًا بتشير إلى إن فيه تعليمات صدرت بخصوص نقل ملكية أصول معينة قبل استكمال المراجعة.»
مجدي وقف من مكانه بعنف.
«مين اللي جابلك المستندات دي؟»
حسام رد:
«المستندات وصلت من خلال القنوات الرسمية، وإحنا بنراجع مصدرها وصحتها.»
مجدي بص لباقي الحاضرين، ولأول مرة ما لقاش حد بيحاول يرضيه أو يغير الموضوع.
خرج من الاجتماع، واتصل بحازم الدسوقي.
«أنا عايزك تيجي مكتبي حالًا. الموضوع خرج عن السيطرة.»
في نفس الوقت، فاتن كانت قاعدة في شقتها الجديدة في التجمع الخامس، بتراجع الرسائل القديمة بينها وبين مجدي.
كانت فاكرة إن علاقتها بيه هتفتح لها أبواب حياة مختلفة؛ سفر، وفلوس، وبيت كبير، واسم يخلّي الناس تتعامل معاها باحترام.
لكن من يوم واقعة المحكمة، مجدي بقى بيتجنب مكالماتها، وكل ما تسأله عن اللي حصل، يرد عليها إنه مشغول.
وفي الليلة دي، وصلتها رسالة قصيرة منه:
«محتاجين نتقابل. فيه حاجات لازم نتفق عليها.»
ابتسمت في البداية، وافتكرت إنه أخيرًا هيشرح لها كل حاجة.
لكن لما قابلته في أحد المكاتب الخاصة، اكتشفت إن هدفه مختلف تمامًا.
مجدي حط قدامها ورقة وقال:
«دي إفادة محتاجك تمضي عليها. بتوضحي فيها إن اللي حصل في المحكمة كان سوء تفاهم، وإن سهام هي اللي تحركت بشكل مفاجئ، وإنك ماكنتيش تقصدي تأذيها.»
فاتن بصت للورقة، وبعدين رفعت عينيها له.
«إنت عايزني أشهد بحاجة مش متأكدة منها؟»
مجدي رد ببرود:
«أنا مش بطلب منك غير إنك تقولي اللي حصل من وجهة نظرك.»
قالت له:
«بس أنا اللي كنت واقفة قدامها يا مجدي. أنا عارفة إني ضربتها.»
سكت لحظة، وبعدها قال:
«إنتِ عارفة كويس إن الموقف كان متوتر، وإن أي كلمة زيادة ممكن تسبب لنا مشاكل.»
فاتن رجعت الورقة ناحيته.
«وليه أنا اللي لازم أتحمل كل ده؟ إنت كنت واقف، وشوفت كل حاجة، وماحاولتش حتى تساعدها.»
مجدي ضيّق عينيه.
«خلي بالك من كلامك يا فاتن.»
لكنها المرة دي ما خافتش.
«لأ، إنت اللي خلي بالك. إنت وعدتني إن كل حاجة هتكون سهلة، وإن سهام هتخرج من حياتك من غير مشاكل. دلوقتي أنا ممكن أكون طرف في قضية، وإنت كل اللي فارق معاك إن اسمك مايتأثرش.»
مجدي قرب منها وقال بصوت منخفض:
«إنتِ نسيتي أنا عملت لك إيه؟»
فاتن ردت بسرعة:
«وأنت نسيت إني أعرف عنك حاجات كتير، مش بس موضوع سهام.»
الجملة دي خلّت مجدي يسكت.
لأنه كان عارف إنها مش بتتكلم من فراغ.
فاتن كانت حضرت اجتماعات خاصة، وسمعت مكالمات، وشافت مستندات في مكتبه خلال الفترة اللي كانت بتروح فيها الشركة.
ويمكن ماكنتش فاهمة كل التفاصيل وقتها، لكنها بدأت تربط الأحداث ببعضها.
قامت من مكانها، وأخدت شنطتها.
«أنا مش همضي على أي حاجة غير لما محامي مستقل يراجعها. ومش هكدب علشان أحميك.»
خرجت من المكتب، وسابت مجدي واقف لوحده.
ولأول مرة، بدأ يشك إن فاتن نفسها ممكن تتحول من شخص بيدافع عنه إلى شخص يكشف أسراره.
بعد يومين، وصلني اتصال من المحامي اللي طلبت منه مراجعة المستندات.
قال لي:
«يا أستاذة سهام، أنا راجعت النسخ اللي بعتيها، وفيه نقاط تستحق الفحص، لكن ما نقدرش نستنتج منها لوحدها إن فيه جريمة أو تلاعب. لازم الجهات المختصة تطّلع على المستندات الأصلية، وتراجع العقود والتحويلات كاملة.»
قلت له:
«أنا مستعدة أقدم كل اللي عندي بالطريقة القانونية.»
رد:
«وده الأفضل. وعايز أنبهك لحاجة مهمة: بما إن والدك قاضٍ في الدعوى العائلية، لازم أي مستندات مالية تتقدم بعيدًا عن أي محاولة للتأثير على نظر القضية، وأي إجراء يخص الدعوى لازم يفضل في إطاره القانوني المستقل.»
وافقت فورًا.
كنت عايزة كل خطوة تبقى واضحة، علشان محدش يقدر يقول إن فيه حد استغل منصبه أو ضغط على المحكمة.
بعد المكالمة، دخلت أطمئن على نتيجة الكشف الطبي، ولما سمعت إن حالة ابني مستقرة، حسيت براحة كبيرة.
لكن قبل ما أقدر أرتاح، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
كانت قصيرة جدًا:




