قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

فضلت باصة للرسالة فترة طويلة.

حسام، المدير المالي لمجدي!

هو نفسه اللي بدأ يتكلم في اجتماع مجلس الإدارة.

هل كان عنده أدلة جديدة؟ وهل الرسالة دي حقيقية أصلًا، ولا محاولة لاستدراجي لموقف أخطر؟

ما رديتش على الرقم، وما حاولتش أقابل حد بشكل سري.

احتفظت بالرسالة، وبعتها للمحامي علشان يحدد إذا كانت تستدعي اتخاذ إجراء قانوني.

لكن وأنا قاعدة في المستشفى، سمعت صوت أبويا من عند الباب:

«سهام، فيه تطور جديد.»

رفعت عيني له.

كان ماسك ملف بني صغير، وملامحه جدية.

قال:

«المحامي بتاعك قدم طلب رسمي لحفظ المستندات ومراجعتها، وفيه كمان طلب مقدم من محامي مجدي بخصوص بعض إجراءات الدعوى. لكن قبل ما أقولك التفاصيل، لازم تكوني مستعدة لحاجة.»

حسيت بقلبي بينقبض.

«حاجة إيه يا بابا؟»

حط الملف على الترابيزة وقال:

«حسام طلب إنه يدلي بأقواله للجهات المختصة، وبيقول إن عنده معلومات عن معاملات مالية اتعملت من غير ما كل المسؤولين يعرفوا تفاصيلها.»

سكت لحظة، وبعدين أضاف:

«والأهم من ده كله، إنه ذكر اسم شخص تاني كان بيشارك في مراجعة المستندات.»

بصيت له بترقب.

«مين الشخص ده؟»

أبويا فتح الملف، وبص للاسم المكتوب في أول صفحة.

وبعدين رفع عينيه ليا وقال:

«الشخص ده مش غريب عنك يا سهام… ده واحد من الناس اللي كانوا بيدخلوا بيتك وبيت مجدي من غير استئذان.»

حسيت ببرودة تسري في جسمي.

لأن فجأة بدأت أفتكر كل الوجوه اللي كانت بتزورنا، وكل الاجتماعات اللي كانت بتحصل في البيت، وكل مرة كنت بسمع فيها مجدي يقول إن الموضوع مجرد شغل.

لكن مين فيهم كان بيخبي الحقيقة؟

وهل الشخص ده كان بيساعد مجدي، ولا كان مستني اللحظة المناسبة علشان يكشفه؟

يتبع في الجزء الرابع والأخير…
فضلت باصة لأبويا، مستنية منه يقول الاسم، لكن هو قفل الملف وحطه على الترابيزة بهدوء.

قال لي: «يا سهام، أنا عارف إنك عايزة تعرفي كل حاجة دلوقتي، بس لازم نفصل بين اللي نعرفه فعلًا وبين اللي لسه محتاج إثبات. اسم الشخص ده ظهر في مستندات المراجعة، والجهات المختصة هي اللي هتحدد دوره الحقيقي.»

قلت له بقلق: «يعني إنت عارف هو مين ومش هتقولي؟»

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

«هقولك، لكن مش قبل ما تعرفي إن الحقيقة ساعات بتكون أصعب من الخيانة نفسها.»

فتح الملف مرة تانية، ولفه ناحيتي.

أول ما شفت الاسم، حسيت إن قلبي وقف للحظة.

كان اسمه شريف المنسي… أخو مجدي الأصغر!

شريف كان من أقرب الناس لينا. كان بيزورنا باستمرار، وبيحضر مناسباتنا العائلية، وكان دايمًا بيعاملني باحترام، لدرجة إني كنت بعتبره أخويا مش مجرد أخو جوزي.

قلت بصدمة:

«شريف؟! إزاي؟ ده كان دايمًا بيقول إنه مش بيتدخل في شغل مجدي!»

أبويا رد بهدوء:

«المستندات بتوضح إنه كان مسؤول عن مراجعة بعض العقود، لكن ده لوحده ما يثبتش إنه متورط في أي مخالفة. لازم نسمع أقواله ونعرف دوره الحقيقي.»

سندت ضهري على السرير، وحاولت أستوعب اللي بيحصل.

أنا كنت فاكرة إن مشكلتي مع مجدي وفاتن، وإن كل اللي محتاجاه هو إني أخرج من الجواز ده بكرامتي وأحافظ على ابني.

لكن فجأة، بقيت قدام شبكة من الأسرار، وكل اسم جديد بيظهر كان بيخليني أعيد التفكير في حاجات كتير حصلت خلال السنين اللي فاتت.

وبعدين افتكرت موقف قديم.

قبل حوالي ست شهور، كنت داخلة مكتب مجدي علشان أجيب ورق من الطابعة، وسمعت صوته وهو بيتكلم مع شريف.

مجدي كان بيقول:

«لو الأرقام دي ظهرت بالشكل ده، هنضطر نعيد حساباتنا كلها.»

وشريف رد عليه:

«أنا مش هقدر أفضّل أغطي على التناقضات دي. لازم كل حاجة تتراجع.»

وقتها افتكرت إنهم بيتكلموا عن مشكلة عادية في الحسابات، وما اهتمتش أكتر من كده.

لكن دلوقتي، الكلام رجع في ذهني بكل تفاصيله.

قلت لأبويا:

«أنا فاكرة إن شريف اعترض على حاجة قبل كده. يمكن كان بيحاول يمنع اللي حصل.»

أبويا هز راسه وقال:

«وده احتمال وارد، لكنه مش دليل كافي. عشان كده لازم نسيب التحقيق ياخد مجراه.»

في نفس اليوم، شريف المنسي كان قاعد في مكتب محاميه، قدامه مجموعة من المستندات اللي فضل محتفظ بيها شهور طويلة.

كان عارف إن اللحظة اللي حاول يتجنبها قربت.

من شهور، اكتشف إن فيه اختلافات بين بعض العقود والتقارير المالية اللي بتوصل لمجلس الإدارة. ولما واجه أخوه مجدي، طلب منه الأخير يسيب الموضوع، ووعده إن كل حاجة هتتصلح.

لكن الأيام عدت، والتناقضات زادت.

وفي كل مرة كان شريف يحاول يفتح الموضوع، مجدي كان يضغط عليه ويذكره إنه أخوه، وإن سمعة العيلة أهم من أي خلاف.

شريف حاول يصدق كلامه.

حاول يقنع نفسه إن مجدي مش ممكن يغامر بمستقبل الشركة أو يورط العيلة في مشكلة.

لكن لما عرف باللي حصل لسهام في المحكمة، حس إنه وصل لنقطة لازم يختار فيها.

إما يفضل ساكت ويحمي أخوه مهما كانت العواقب، أو يقول الحقيقة حتى لو ده هيكلفه علاقته بأقرب شخص ليه.

بص لمحاميه وقال:

«أنا عايز أقدم كل المستندات اللي عندي، وأوضح دوري فيها بالكامل.»

المحامي سأله:

«إنت فاهم إن ده ممكن يسبب مشاكل كبيرة ليك ولأخوك؟»

شريف رد من غير تردد:

«أنا فاهم. لكن لو سكت دلوقتي، هبقى مشارك في إخفاء الحقيقة، حتى لو ماكنتش أنا اللي بدأت الموضوع.»

وبالفعل، بدأ شريف الإجراءات القانونية لتقديم المستندات من خلال محاميه.

ماحاولش يتواصل معايا، ولا طلب مني أساعده، ولا اشترط أي حاجة مقابل كلامه.

كان عايز يقول اللي يعرفه، ويترك للجهات المختصة مسؤولية تحديد الحقيقة.

بعد أسبوع، بدأت الصورة تتضح تدريجيًا.

المراجعة المالية كشفت عن تناقضات فعلية في عدد من العقود والتحويلات، وبدأت الجهات المختصة تفحص المستندات الأصلية وتستمع لأقوال المسؤولين المعنيين.

لكن ماكانش فيه أي حكم نهائي لسه، وكل شخص كان له حق الدفاع عن نفسه وتقديم ما يثبت موقفه.

مجدي، اللي كان طول عمره بيظهر قدام الناس باعتباره رجل أعمال ناجح ماحدش يقدر يقف قدامه، بقى مضطر يجاوب عن أسئلة كان متعود يتهرب منها.

وفي وسط كل ده، كان فيه موضوع تاني مستنيه.

قضية الطلاق وحقوقي أنا وابني.

جلسة المحكمة اتحددت من جديد، لكن المرة دي كان فيه طلبات قانونية واضحة بخصوص مراجعة بعض المستندات المالية المرتبطة بالنزاع، وتحديد حقوق كل طرف وفقًا للقانون.

وقبل الجلسة بيوم، محامي مجدي اتصل بمحاميّ وطلب عقد اجتماع للتفاوض على تسوية.

أنا وافقت على سماع العرض، لكن اشترطت إن كل شيء يكون مكتوبًا وواضحًا، ومن خلال المحامين.

في اليوم المحدد، دخلت غرفة الاجتماعات وأنا لابسة فستان بسيط، وبطني بقت أكبر من يوم الواقعة.

مجدي كان قاعد قدامي.

وشه كان مرهق، وعينيه فقدت جزءًا كبيرًا من الثقة اللي كنت أعرفها.

أول ما شافني، قام من مكانه وقال:

«سهام، ممكن نتكلم لوحدنا شوية؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى