قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

«أي كلام يخص القضية يكون قدام المحامين. مافيش حاجة محتاجة تتقال في السر.»

رجع قعد.

محاميه بدأ يتكلم عن التسوية، وعن توفير مسكن مناسب ليا ولابني، والنفقة المستحقة، وتسوية الحقوق المالية وفقًا لما ينتهي إليه الفحص القانوني.

كنت بسمع كل كلمة بهدوء.

وبعد ما خلص، بصيت لمجدي وقلت:

«أنا مش داخلة هنا علشان أدمرك، ولا علشان آخد منك أكتر من حقي. أنا عايزة أعيش أنا وابني من غير خوف، ومن غير ما حد يهددني أو يحاول يحرمني من حقوقي.»

مجدي نزل عينيه للأرض.

وبعد لحظات قال:

«أنا عارف إني غلطت.»

الجملة دي كانت غريبة على أذني.

طول عمره كان عنده تفسير لكل حاجة، وعذر لكل تصرف، وشخص تاني يحمله مسؤولية أي مشكلة.

لكن المرة دي، كان بيقول إنه غلط.

مع ذلك، أنا ماحسيتش بالراحة اللي كنت متخيلة إني هحس بيها لو سمعت منه الاعتراف ده.

قلت له:

«إنت مش غلطت في يوم واحد يا مجدي. إنت أخدت قرارات كتير، وكل قرار كان بيخليني أفقد جزءًا من ثقتي فيك. ولما احتجت منك تحميني، وقفت مع الشخص اللي أذاني.»

رفع عينيه وقال:

«أنا ماكنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكده.»

رديت عليه:

«وده كان جزءًا من المشكلة. إنت كنت بتفكر في نفسك وبس، وكنت فاكر إن أي حاجة ممكن تتصلح بالفلوس.»

سكتنا للحظات.

وبعدين قلت آخر حاجة كنت محتاجة أوصلها له:

«أنا مش مستنية منك اعتذار علشان أقدر أبدأ حياتي من جديد. أنا هبدأها سواء اعتذرت أو لأ.»

في الجلسة التالية، اتعرضت الطلبات والمستندات وفقًا للإجراءات القانونية، واتسمع كلام الأطراف، واتحدد إن أي نزاع مالي يحتاج إلى فحص مستقل قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنه.

المستشار عبد الرحمن المنشاوي أعلن تنحيه عن نظر دعوى الطلاق، تجنبًا لأي شبهة تعارض مصالح بسبب صلة القرابة بينه وبيني.

القرار ماكانش سهل عليه، لكنه كان ضروريًا علشان القضية تتنظر أمام قاضٍ مستقل، من غير ما يقدر أي طرف يشكك في نزاهة الإجراءات.

قبل ما يغادر المنصة، طلب إثبات التنحي في المحضر، والتزم بعدم التدخل في تفاصيل الدعوى.

ولما عرفت بالقرار، فهمت إن العدالة مش معناها إن أبويا يقف في صفي لمجرد إني بنته.

العدالة معناها إن حقي يتحدد بالقانون، وإن مجدي يتحاسب على أي مخالفة تثبت عليه، وإن أنا كمان أكون مسؤولة عن قراراتي.

أما فاتن، فقد خضعت للتحقيق في واقعة الاعتداء، وقدمت أقوالها بشأن اللي حصل. التسجيلات والشهادات كانت محل فحص، وما بقاش في إيدها إنها تكتفي بإنكار الواقعة أو وصفها بأنها مجرد سوء تفاهم.

ومع مرور الوقت، بدأت علاقتها بمجدي تنهار.

هي كانت فاكرة إنها اختارت رجلًا قويًا يقدر يحميها من أي عواقب، لكنها اكتشفت إن الشخص اللي مستعد يضحي بمراته علشان مصلحته، ممكن يضحي بأي شخص تاني لما يشعر بالخطر.

أما شريف، فاستمر في تقديم المستندات اللي عنده، وأكد إنه مستعد يتحمل مسؤولية أي قرار اتخذه بنفسه.

العيلة اتقسمت، والشركة دخلت مرحلة مراجعة صعبة، ومجدي اضطر يواجه أسئلة ماكانش يقدر يشتري إجاباتها.

لكن بالنسبة لي، كل ده بقى أقل أهمية من الحياة اللي كنت بحاول أبنيها لابني.

مرت شهور.

وفي صباح هادي من أيام الشتاء، كنت قاعدة في أوضتي، وبحضن ابني الصغير، عمر.

كان عمره شهرين، ووشه الهادي وهو نايم كان بيخليني أنسى، ولو لدقايق، كل اللي عديت بيه.

كنت ببص له وأفكر في كل الوعود اللي قطعتها لنفسي يوم ما كنت واقفة في المحكمة، بتألم ومش عارفة إذا كان ابني بخير ولا لأ.

وعدت نفسي وقتها إني مش هسمح لأي حد يحول حياتي لساحة معركة، وإن عمر هيكبر وهو عارف إن الحب مش معناه الخوف، وإن الجواز مش معناه إن الإنسان يتنازل عن كرامته.

محاميّ بلغني إن إجراءات الطلاق والتسوية وصلت لمرحلة متقدمة، وإن حقوقي وحقوق عمر بتتحدد من خلال الاتفاقات والإجراءات القانونية المعتمدة.

أما التحقيقات المالية، فكانت مستمرة بشكل مستقل، وكل ما يتعلق بمسؤولية مجدي أو غيره متروك لما تثبته الأدلة والقرارات الرسمية.

أنا ماكنتش محتاجة أعرف إذا كان مجدي خسر جزءًا من ثروته، ولا إذا كان اسمه لسه بيتصدر عناوين الأخبار.

كنت محتاجة أعرف إن ابني هيلاقي بيتًا آمنًا، وأمًا قادرة تحبه وتربيه من غير ما تعيش كل يوم خايفة من بكرة.

وفي يوم، وأنا راجعة من زيارة لأبويا، لقيت مجدي واقف بعيد عن باب البيت.

ماقربش، وماحاولش يدخل من غير إذن.

لما شافني، قال:

«سهام، ممكن آخد دقيقة من وقتك؟»

بصيت له، وبعدها وافقت نتكلم في وجود المحامي اللي كان معايا.

وقف قدامي، وبان عليه إنه عايز يقول كلام كتير، لكنه مش عارف يبدأ منين.

قال أخيرًا:

«أنا مش جاي أطلب منك ترجعي. عارف إن ده مش من حقي بعد كل اللي حصل. أنا بس عايز أقولك إني آسف.»

ما رديتش فورًا.

كمل وهو باصص للأرض:

«أنا كنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هيخلوني دايمًا أقدر أسيطر على أي موقف. وكنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملت. ماقدرتش أشوف حجم الأذى اللي سببتهولك غير لما لقيت نفسي بفقد كل حاجة كنت فاكر إنها مضمونة.»

بصيت له وقلت:

«أنا مش هقدر أرجع أثق فيك لمجرد إنك ندمت دلوقتي.»

هز راسه وقال:

«فاهم.»

وبعدين سألني:

«هل ممكن أشوف عمر، لما يكون ده مناسب ليكي ووفقًا للاتفاقات اللي بينا؟»

بصيت لابني اللي كان نايم في حضني.

أنا ماكنتش عايزة أستخدمه وسيلة للانتقام، ولا كنت عايزة أحرمه من أبوه لمجرد إن جوازنا انتهى.

لكن في نفس الوقت، سلامته واستقراره كانوا أهم حاجة عندي.

قلت لمجدي:

«أي تواصل بينك وبين عمر هيكون بطريقة منظمة، وبما يضمن مصلحته وسلامته. ومش هسمح إن خلافاتنا ترجع تأذيه.»

وافق من غير جدال.

ولما مشي، ماحسيتش إني انتصرت عليه.

حسيت إني أخيرًا خرجت من المعركة اللي استنزفتني شهور طويلة.

بعد سنة، كنت واقفة في شرفة بيتي، وعمر بيلعب جنبي، والهواء الهادي بيحرك ستاير الصالة.

افتكرت يوم المحكمة، والدبلة اللي وقعت على الأرض، واللحظة اللي مجدي اختار فيها يساند فاتن بدل ما يسأل إذا كنت بخير.

زمان، كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للإنسان هي إنه يخسر الشخص اللي بيحبه.

لكن الحياة علمتني إن فيه حاجة أصعب: إنك تفضل متمسك بإنسان بيؤذيك، لمجرد إنك خايف تبدأ من غيره.

أنا ماخرجتش من التجربة دي من غير وجع، وما نسيتش كل اللي حصل لمجرد إن الأيام عدت.

لكنني اتعلمت أحط حدودًا واضحة، وأطلب حقي من غير ما أسمح للغضب إنه يتحكم في حياتي، وأفهم إن الكرامة مش حاجة تتقاس بفلوس أو بمكانة اجتماعية.

وفي آخر يوم من السنة، أبويا جه يزورني.

قعدنا نشرب الشاي، وعمر كان نايم في سريره الصغير.

أبويا بص لي وقال:

«عارفة يا سهام، أنا فخور بيكي.»

ابتسمت وسألته:

«علشان إيه يا بابا؟»

قال:

«علشان رغم كل اللي حصل، ماخليتيش الظلم يغيرك لإنسانة ظالمة. طلبتي حقك، وحميتي ابنك، وسبتي القانون ياخد مجراه.»

نزلت عيني، ودموعي لمعت.

قلت له:

«أنا كنت خايفة جدًا يوم المحكمة.»

رد عليّا:

«الشجاعة مش معناها إنك ما تخافيش. الشجاعة إنك تعرفي إنك خايفة، ومع ذلك تختاري التصرف الصح.»

في اللحظة دي، بصيت لعمر وهو نايم، وحسيت إن حياتي بدأت من جديد فعلًا.

ماكانش عندي قصر مجدي، ولا طياراته الخاصة، ولا ثروته بالمليارات.

لكن كان عندي بيتي، وكرامتي، وابني، وراحة بال ماكنتش عارفة قيمتها غير لما فقدتها فترة طويلة.

أما مجدي المنسي، فقد اكتشف متأخرًا إن الفلوس ممكن تشتري محامين كتير، وممكن تأخر بعض الأسئلة، لكنها مش قادرة تضمن إن الحقيقة تفضل مستخبية للأبد.

وفاتن، اللي دخلت قاعة المحكمة وهي فاكرة إنها أقوى مني، اكتشفت إن الثقة الزايدة مش دليل على القوة، وإن أي إنسان لازم يتحمل مسؤولية اختياراته.

وأنا؟

أنا سهام المنشاوي، الست اللي وقعت قدام الناس في قاعة المحكمة، لكن رفضت أسمح للي حصل إنه يحدد باقي حياتي.

لأن الانتصار الحقيقي مش إنك تشوف اللي أذاك بيتألم، لكن إنك توصل لمرحلة مايبقاش فيها أذاه قادر يتحكم في سعادتك أو مستقبلك.

تمت النهاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى