روايات وقصص

القصة كاملة

— «ما الذي كنت تبحث عنه؟!»

رفع كريم رأسه أخيرًا.

وقال بصوت مكسور:

— «كنت أبحث عن مفتاح.»

قلت:

— «أي مفتاح؟»

وقبل أن يجيب، ضرب سامر بعصاه الأرض وقال:

— «المفتاح الذي يفتح الخزنة التي تركها والدك.»

ثم ابتسم.

— «والخزنة لا تحتوي على أموال.»

توقف لحظة.

— «بل تحتوي على الدليل الذي يمكن أن يسقطني أنا وكريم ووفاء في يوم واحد.»

اتسعت عيناي.

لكن المفاجأة الأكبر كانت أن سامر لم يكن قد جاء وحده.

خارج القصر، توقفت سيارة سوداء أخرى.

ونزل منها شخص لم أتوقع رؤيته أبدًا.

شخص كنت أعتقد أنه مات منذ سنوات.
لم أستطع التحرك.

كنت أحدق في الرجل الذي دخل القصر، بينما كان عقلي يرفض تصديق ما تراه عيناي.

كان محمود.

الرجل الذي أخبرني الجميع أنه توفي قبل سنوات.

والدي.

لكن الرجل أمامي لم يكن شبحًا ولا خيالًا.

كان واقفًا أمامي، حيًا، ينظر إليّ بعينين امتلأتا بالدموع.

همست:

— «أبي؟»

تقدم نحوي ببطء.

— «نادين…»

انهرت في مكانها.

لم أعرف هل أركض نحوه أم أبتعد عنه.

سبع سنوات كاملة قضيتها وأنا أظن أنني فقدت والدي إلى الأبد.

والآن كان أمامي.

حيًا.

قلت بصوت مرتجف:

— «كيف؟ لماذا فعلت هذا بي؟ لماذا جعلتني أعتقد أنك مت؟»

اقترب مني، لكنه توقف قبل أن يلمسني.

— «لأنني لو بقيت ظاهرًا أمام الجميع، لما تركوكِ وشأنك.»

أشرت إلى كريم ووالدته وسلـمى.

— «هم؟»

هز رأسه.

— «ليسوا وحدهم.»

ثم نظر إلى سامر.

— «والشخص الذي كان أخطر من الجميع كان أخي.»

اتسعت عيناي.

— «سامر؟»

أومأ.

قال والدي:

— «اكتشفت منذ سنوات أنه كان يحاول الاستيلاء على الشركة والأصول التي أعددتها لكِ. وعندما فشل، بدأ يبحث عن طريقة للوصول إليكِ.»

قال سامر بغضب:

— «كاذب!»

لكن والدي لم يلتفت إليه.

تابع:

— «ثم ظهر كريم.»

نظرت إلى زوجي.

قال والدي:

— «كريم لم يكن يعرف كل شيء في البداية. سامر أقنعه بالزواج منكِ بحجة أنه يريد بناء حياة مستقرة معكِ.»

صرخت:

— «وأنت عرفت؟!»

قال:

— «عرفت بعد الزواج.»

ثم أضاف:

— «وفي البداية ظننت أن كريم يمكن أن يتراجع.»

ضحكت بمرارة.

— «لكنه لم يتراجع.»

خفض كريم رأسه.

— «لا.»

قلت:

— «بل بقي معي سبع سنوات، وأنفق أموالي، وكذب عليّ، وحاول نقل ممتلكاتي.»

رفع كريم عينيه.

— «كنت خائفًا.»

— «خائفًا من ماذا؟»

لم يجب.

تقدم والدي وقال:

— «من الحقيقة الموجودة داخل الخزنة.»

نظر الجميع إليه.

ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

— «هذا هو المفتاح الذي كانوا يبحثون عنه.»

مد يده ووضعه أمامي.

— «لكنه لا يفتح خزنة عادية.»

سألته:

— «إذن ماذا يوجد فيها؟»

قال:

— «كل شيء.»

ثم أضاف:

— «كل التحويلات، كل العقود، وكل التسجيلات التي تثبت كيف حاول سامر استخدام كريم للوصول إلى أموالك.»

نظر سامر إلى الباب.

فهمت فورًا أنه يحاول الهرب.

لكن رجال الأمن أغلقوا الطريق أمامه.

قال ماهر:

— «انتهى الأمر يا سامر.»

صرخ:

— «لا أحد يستطيع إثبات شيء!»

رفعت هالة ملفًا.

— «بل نستطيع.»

ثم وضعت أمامه مجموعة من المستندات.

— «والأسوأ بالنسبة لك أن الشرطة في الخارج لديها نسخة كاملة منها.»

تغير وجه سامر.

أما وفاء، فبدأت تبكي.

— «أنا لم أكن أعرف كل هذا.»

التفت إليها.

— «لكنِك كنت تعرفين ما يكفي.»

ثم نظرت إلى سلمى.

كانت واقفة في زاوية الغرفة، وقد اختفى تمامًا ذلك الغرور الذي دخلت به قبل أيام وهي تطلب مني ثلاثين ألف دولار.

قالت بصوت ضعيف:

— «نادين… أنا آسفة.»

نظرت إليها.

— «أنتِ لم تطلبي مني ثلاثين ألفًا لأنك تريدين السفر.»

خفضت رأسها.

— «كنت أعرف أن كريم سيغضب منكِ إذا رفضتِ.»

— «ولماذا؟»

بكت.

— «لأنهم قالوا إنك إذا غضبتِ، ستطلبين الطلاق… وعندها ستتنازلين عن بعض ممتلكاتك حتى تمنعيه من تركك.»

شعرت بالمرارة.

سبع سنوات من حياتي كانت جزءًا من خطة.

لكنني لم أعد أشعر بالخوف.

أخرج والدي ورقة أخيرة.

— «نادين، هناك شيء واحد لم أخبرك به.»

نظرت إليه.

— «ماذا؟»

قال:

— «كل ما فعلوه لم يكن بسبب ثروتك فقط.»

توقفت.

— «ماذا تقصد؟»

أجاب:

— «هناك شركة دولية كنت أمتلك فيها حصة كبيرة جدًا. وبعد وفاتي، ستنتقل الملكية الكاملة إليكِ.»

نظرت إليه بدهشة.

— «لكنني كنت أعتقد أن كل شيء انتقل إليّ منذ سنوات.»

هز رأسه.

— «كان هناك شرط.»

— «أي شرط؟»

ابتسم بحزن.

— «أن تبقي متزوجة حتى تبلغي سن الثلاثين.»

تجمدت.

نظرت إلى كريم.

ثم إلى والدي.

وفجأة فهمت لماذا كان كريم متمسكًا بالزواج رغم كل ما حدث.

لم يكن يريد الطلاق.

كان يريد أن أبقى زوجته حتى نهاية المدة.

لكن والدي أضاف جملة جعلتني أشعر بالصدمة:

— «ولهذا السبب، قبل أن تختاري ماذا ستفعلين بكريم، يجب أن تعرفي أن شرط الزواج لم يعد قائمًا.»

سألته:

— «لماذا؟»

ابتسم.

— «لأنك أصبحتِ تملكين كل شيء بالفعل.»

ثم نظر إلى كريم.

— «ومن هذه اللحظة، لم يعد لهذا الرجل أي حق في شيء.»

في الخارج، سُمعت أصوات سيارات الشرطة.

بدأ رجال الأمن يقتربون من سامر.

لكن كريم لم ينظر إلى الشرطة.

كان ينظر إليّ فقط.

ثم قال:

— «نادين… أرجوكِ، أعطيني فرصة أخيرة.»

نظرت إليه طويلًا.

ثم قلت:

— «لقد أعطيتك سبع سنوات.»

صمت.

اقتربت من الباب.

لكن قبل أن أخرج، التفتُّ إليه وقلت:

— «أما الآن… فقد حان وقت أن تعرف أنت وعائلتك كيف يكون العيش بلا أموالي.»

ثم خرجت.

لكنني لم أكن أعرف أنني في صباح اليوم التالي سأكتشف آخر سر أخفاه والدي عني…

سرًا سيجعلني أعيد التفكير في كل ما حدث منذ اليوم الذي قابلت فيه كريم للمرة الأولى.
في صباح اليوم التالي، استيقظت وأنا أشعر أن كل شيء انتهى.

كريم خرج من حياتي، وسامر أصبح تحت التحقيق، ووفاء وسلمى خسرتا المنزل الذي عاشتا فيه سنوات وهما تظنان أنه ملكهما.

لكنني كنت مخطئة.

كل ما حدث لم يكن النهاية.

كان مجرد بداية.

في التاسعة صباحًا، اتصلت بي المحامية هالة.

قالت بصوت جاد:

— «نادين، أحتاج أن تأتي إلى المكتب فورًا. هناك مستند تركه والدك ولم يكن من المفترض أن يصل إليك إلا الآن.»

ذهبت إليها.

وضعت أمامي صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

كان عليه اسمي بخط والدي.

فتحت الصندوق بيدين مرتجفتين.

وجدت بداخله صورة قديمة، ومفتاحًا آخر، ورسالة.

بدأت أقرأ:

“ابنتي نادين، إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنك عرفتِ حقيقة كريم وسامر. لكن هناك حقيقة أخيرة لم أخبرك بها لأنني كنت أخشى أن تدمر حياتك.”

توقفت عن القراءة.

ثم تابعت:

“كريم لم يكن أول شخص حاول الوصول إلى أموالك.”

نظرت إلى هالة بدهشة.

أكملت:

“قبل زواجك منه، كان هناك شخص آخر قريب منك جدًا، وكنتِ تثقين به أكثر من أي شخص.”

تجمدت.

من؟

قلبت الصورة الموجودة داخل الصندوق.

كانت صورة لي وأنا في العشرين من عمري.

وبجانبي شخص أعرفه جيدًا.

ماهر الشافعي.

رفعت رأسي بسرعة.

— «ماهر؟»

قالت هالة:

— «والدك ترك شيئًا آخر.»

ثم أعطتني ورقة.

كان فيها تقرير مالي قديم.

اكتشفت أن ماهر لم يكن مجرد موظف لدى والدي.

كان شريكًا في بعض استثماراته.

والأهم…

كان هو الشخص الذي ساعد والدي في إخفاء جزء من ثروتي.

لكن هناك تحويلًا ماليًا واحدًا أثار شكوكي.

كان باسم كريم.

وقيمته كانت ضخمة.

قلت:

— «لماذا دفع أبي هذا المال لكريم؟»

قالت هالة:

— «هذا ما لا نعرفه.»

في تلك اللحظة، دخل ماهر إلى المكتب.

نظر إليّ، ثم إلى الورقة في يدي.

وعرفت من تعبير وجهه أنه كان يعرف الحقيقة.

قلت:

— «أريد أن أعرف كل شيء.»

جلس أمامي.

— «والدك طلب مني ألا أخبرك إلا بعد أن تتأكدي بنفسك ممن يستحق ثقتك.»

— «وهل كنت أثق بك؟»

ابتسم بحزن.

— «كنتِ تثقين بي أكثر مما ينبغي.»

ساد الصمت.

ثم قال:

— «كريم لم يتزوجك فقط بسبب أموالك. كان يريد الوصول إلى حساب معين تركه والدك.»

— «أي حساب؟»

أخرج ماهر مستندًا أخيرًا.

— «حساب يحمل اسم والدك، لكن المستفيد الحقيقي منه… أنتِ.»

نظرت إلى الرقم.

ثم شعرت بصدمة.

الرصيد كان أكبر بكثير من كل ما كنت أظنه أملك.

لكن المفاجأة لم تكن في المال.

كانت في اسم المستفيد الثاني.

اسم لم أره في حياتي.

قلت:

— «من هذه المرأة؟»

نظر ماهر إلى هالة.

ثم قال:

— «هي السبب الحقيقي وراء كل ما فعله كريم.»

— «من هي؟»

تنهد.

— «ابنة سامر.»

اتسعت عيناي.

ثم أضاف:

— «وكان كريم على علاقة بها قبل أن يتزوجك.»

شعرت أن آخر قطعة في اللغز سقطت أمامي.

لم يكن زواجي مجرد صفقة مالية.

كان هناك شخص آخر، وخطة أكبر، وسنوات من الأكاذيب.

لكنني هذه المرة لم أبكِ.

أغلقت الملف.

وقلت:

— «لن أسمح لهم بأن يكتبوا نهاية قصتي.»

بعد أشهر، انتهت التحقيقات.

استُعيدت الأموال، وأصبح كل شيء موثقًا باسمي.

أما كريم، فانتهى زواجنا رسميًا، وخسر كل ما حاول الحصول عليه بالخداع.

وفاء وسلمى غادرتا المنزل، واضطرتا للبدء من جديد بعيدًا عن حياة الرفاهية التي اعتادتا عليها.

أما أنا…

فلم أعد تلك المرأة التي كانت تنظف القصر بينما يطلب منها الآخرون المال.

اشتريت شركة جديدة، ووسعت أعمالي، وبدأت حياة مختلفة تمامًا.

وفي أول ليلة عدت فيها إلى القصر وحدي، وقفت أمام المرآة وتذكرت اليوم الذي أعطيت فيه سلمى ستين دولارًا بدل ثلاثين ألفًا.

ابتسمت.

لم تكن الستون دولارًا هي التي غيرت حياتي.

بل كانت اللحظة التي أدركت فيها أنني لا يجب أن أسمح لأي شخص بأن يجعلني أشعر بالذنب لأنني نجحت.

وضعت رسالة والدي في درج مكتبي.

وقبل أن أغلقه، وجدت ورقة صغيرة لم ألاحظها من قبل.

فتحتها.

وكانت عليها جملة واحدة:

«إذا وصلتِ إلى هنا، يا نادين، فاعلمي أنني تركت لكِ شيئًا أهم من المال… تركت لكِ الحقيقة.»

أغلقت الدرج.

وفي تلك اللحظة فقط فهمت.

الثروة الحقيقية التي تركها أبي لي لم تكن القصر ولا الشركات ولا الحسابات البنكية.

كانت القدرة على الوقوف وحدي…

وألا أخاف من خسارة أشخاص لم يعرفوا قيمتي إلا عندما خسروا كل شيء.

أما سلمى، التي طلبت مني يومًا ثلاثين ألف دولار لتظهر أمام الناس بمظهر الثراء…

فلم تعد تحتاج إلى التظاهر.

لأنها أصبحت تعرف الحقيقة أخيرًا:

المال الذي يُكتسب بالعمل يمكن أن يبني حياة، أما المال الذي يُنتزع من الآخرين بالخداع… فقد يهدم حياة كاملة.
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى