
أنا بدأت أفهم.
الموضوع ما كانش مجرد طمع في بيت.
كانوا متأكدين إني مش هرجع.
ومتأكدين إن حياتي العسكرية هتخليني بعيدة للأبد.
وفجأة تذكرت حاجة.
قبل دخولي المحكمة، وأنا براجع أوراقي، لقيت خطابًا قديمًا كان جدي كاتبه بخط إيده.
كان الخطاب محفوظ في الصندوق مع العلم العسكري.
جدي كتب:
“يا مريم، لو في يوم حد حاول يقولك إن البيت مش بتاعك، ما تخافيش. أنا تركته ليكي عن قصد، وعارف إنك الوحيدة اللي هتحافظي عليه.”
وقتها ما فهمتش ليه كتب الجملة دي.
دلوقتي فهمت.
بصيت للقاضي.
“سيادة المستشار… عندي سؤال.”
“اتفضلي.”
“مين اللي قدم للمحكمة الورقة اللي بتقول إنهم دفعوا كل المصاريف؟”
القاضي نظر لأبويا.
ثم قال:
“والدك.”
قلت:
“ومين وقع عليها كشاهد؟”
سكت القاضي لحظة.
ثم قال:
“شخص اسمه فؤاد العشري.”
اتجمدت.
الاسم ده أنا أعرفه.
كان مدير الحسابات القديم بتاع جدي.
لكن فؤاد مات من سبع سنين.
بصيت لأبويا.
“إزاي شخص متوفي من سبع سنين شهد على إنهم كانوا بيدفعوا المصاريف بعد وفاته؟”
أبويا ما ردش.
القاضي أخرج ورقة أخرى.
“وده بالضبط سبب إنني طلبت حضورك اليوم.”
ثم وضع الورقة أمامي.
“التوقيع الموجود في الإفادة…”
سكت.
“تم فحصه.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“والنتيجة؟”
القاضي رفع عينيه.
“التوقيع مزور.”
أمي حطت إيدها على فمها.
وأبويا رجع خطوة للخلف.
لكن القاضي لم ينتهِ.
قال:
“وفي الحقيقة، دي مش المشكلة الأكبر.”
بصيت له.
“إيه المشكلة الأكبر؟”
فتح الملف الأخير.
وقال:
“التحقيق أثبت إن الشخص اللي قدم المستند المزور للمحكمة…”
ثم نظر مباشرة إلى أبي.
“…ما كانش مجرد شاهد.”
سكت لحظة.
“كان شريكًا في محاولة بيع العقار من غير علمك.”
اتسعت عيني.
وأبويا أخيرًا فقد قدرته على الكلام.
لكن قبل ما أستوعب الصدمة، فتح القاضي آخر صفحة وقال:
“وفي اسم تاني ظهر في التحقيق.”
ثم ذكر الاسم.
اسم الشخص اللي ساعد والدي في كل حاجة.
ولما سمعته…
عرفت إن الخيانة كانت أقرب لي مما كنت أتخيل.
سادت القاعة حالة من الصمت التام.
القاضي سليم منصور وضع الورقة على الطاولة، ثم قال:
“الشخص التاني اللي ظهر اسمه في التحقيق هو… عماد فوزي.”
أول ما سمعت الاسم، حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي.
عماد.
ابن خالي.
الشخص الوحيد من عيلتي اللي كنت فاكرة إنه كان دايمًا واقف في صفي.
في آخر مرة شفته فيها، من حوالي تسع سنين، حضني وقال لي:
“مهما حصل، أنا عمرك ما هكون ضدك.”
بصيت لأبويا.
“عماد؟”
ما ردش.
ودي كانت الإجابة.
القاضي أكمل:
“التحقيقات أثبتت إن عماد تواصل مع مكتب عقارات، وحاول الحصول على مشترٍ للمزرعة.”
قلت:
“بس إزاي؟ الملكية باسمي.”
رد القاضي:
“وده تحديدًا اللي خلاهم يستخدموا مستندات مزورة.”
ثم وضع أمامي نسخة من عقد بيع مبدئي.
اسمي كان موجودًا في العقد.
لكن التوقيع…
ما كانش توقيعي.
قربت الورقة مني.
فضلت أبص عليها ثواني.
كان تقليدًا جيدًا.
لكن مش كامل.
قلت:
“التوقيع ده مش توقيعي.”
القاضي قال:
“نعرف.”
ثم أشار إلى تقرير الخبراء.
“الخبير فحص التوقيع، ووجد اختلافات واضحة في طريقة كتابة الحروف.”
أبويا ضرب بإيده على الطاولة.
“إحنا ما كناش ناويين نبيع!”
القاضي بص له.
“إذن لماذا يوجد عقد بيع؟”
سكت.
“ولماذا توجد مراسلات مع مشترٍ محتمل؟”
ما ردش.
“ولماذا تم الإعلان عن العقار بسعر أقل بكثير من قيمته الحقيقية؟”
أمي بدأت تبكي.
لكن أنا ما حسيتش بأي انتصار.
كنت حاسة بحاجة أسوأ.
إحساس إن آخر مكان كنت فاكرة إنه يمثل عيلتي…
كان بيتبني فوق كذبة.
قلت:
“ليه؟”
أبويا بص لي.
“ليه عملتوا كده؟”
لأول مرة، شفت الندم في عينيه.
لكنه لم يكن الندم اللي كنت مستنياه.
قال بصوت منخفض:
“كنا محتاجين الفلوس.”
ضحكت بمرارة.
“فلوس؟”
هز رأسه.
“الشركة خسرت.”
أمي قاطعته:
“ما تقولش!”
لكن الأوان كان فات.
القاضي قال:
“إذن أنت تقر بأن محاولة التصرف في العقار كانت مرتبطة بديونك؟”
أبويا سكت.
القاضي أعاد السؤال.
“أستاذ حسن؟”
قال أخيرًا:
“أيوه.”
فتحت عيني بدهشة.
سنين كاملة…
كانوا بيحاولوا ياخدوا بيتي عشان يسددوا ديونهم.
لكن كان فيه شيء لم أفهمه.
“طب ليه ما طلبتوش مني مساعدة؟”
أبويا ضحك بحزن.
“لأننا ما كناش عايزين نطلب منك.”
“ليه؟”
نظر إلى الزي العسكري.
وقال:
“لأننا كنا شايفين إنك اخترتي الجيش علينا.”
الكلمة وجعتني أكثر من أي شيء آخر.
قلت:




