روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

حسيت بدوخة خفيفة.

بصيت لرئيس المباحث وقلت:

“ممكن أعرف الورقة دي فيها إيه؟”

بص ليّ لحظة، وبعدها قال:

“فيه ملف قانوني اتفتح باسمك من أربع سنين، متعلق بميراث والدك… لكن مش والدك اللي واقف قدامنا.”

اتجمدت في مكاني.

ميراث؟

أنا طول عمري كنت فاكرة إن أبويا محمود هو أبويا الحقيقي، وإن حياتنا، رغم المشاكل، مفيهاش أسرار من النوع ده.

لكن رئيس المباحث كمل:

“الورقة بتقول إن فيه رجل اسمه فؤاد الشناوي توفى من أربع سنين، وكان فيه مستندات بتشير إنك ممكن تكوني واحدة من الورثة الشرعيين.”

أمي صرخت فجأة:

“كفاية! الورق ده قديم، ومش عايزين نفتح الموضوع ده!”

رئيس المباحث لف ناحيتها ببطء.

“ليه يا مدام دلال؟ إيه اللي مخوفك من الموضوع؟”

أمي ما ردتش.

أما أبويا، فكان واقف ووشه شاحب، وعينيه بتتحرك بيني وبين الورقة.

وفي اللحظة دي، فهمت إن الأربع سنين اللي قضيتهم بعيد عن البيت ما كانوش مجرد فترة خدمة عسكرية.

كان فيه ناس بتحاول تمنعني من معرفة حقيقة تخص حياتي، ويمكن تخص مستقبلي كله.

مديت إيدي ناحية الورقة وقلت:

“أنا عايزة أعرف كل حاجة. مين فؤاد الشناوي؟ وليه المحامي كان بيدور عليّ؟ وإيه علاقة أهلي بالموضوع ده؟”

رئيس المباحث بص للورقة مرة أخيرة، وبعدها قال:

“هنحتاج نراجع المستندات الأصلية ونتواصل مع المحامي. لكن فيه تفصيلة مهمة جدًا لازم تعرفيها.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“فؤاد الشناوي ما سابش مجرد فلوس أو بيت. حسب الخطاب، فيه وصية اتكتبت قبل وفاته، والوصية دي ممكن تغيّر كل حاجة.”

بصيت لأمي.

لأول مرة، ما حاولتش تعيط ولا تصرخ.

كانت واقفة ساكتة، وكأنها عارفة إن اللحظة اللي كانت بتحاول تهرب منها بقالها أربع سنين وصلت أخيرًا.

وفجأة، موبايل أبويا رن.

بص على الشاشة، ولما شاف اسم المتصل، إيده بدأت ترتعش.

رئيس المباحث لاحظ ده وسأله:

“مين بيتصل بيك؟”

أبويا حاول يقفل المكالمة بسرعة، لكن الضابط طلب منه يرد.

وبمجرد ما فتح الخط، جه صوت راجل من الناحية التانية، كان بيتكلم بعصبية شديدة:

“محمود، إنت عملت إيه؟! أنا شوفت الفيديو اللي نازل من عندكم! البنت رجعت فعلًا؟!”

أبويا ما ردش.

الراجل كمل بصوت مخنوق:

“اسمعني كويس، لو نور عرفت الحقيقة اللي في الوصية، كل اللي بنيناه السنين دي هينهار!”

ولما سمعت الجملة دي، عرفت إن رجوعي للبيت ما كانش بداية مواجهة مع أهلي وبس… ده كان بداية كشف سر ممكن يقلب حياتي كلها.
أبويا فضل ماسك الموبايل، مش قادر ينطق بكلمة واحدة، بينما رئيس المباحث قرب منه وقال بحزم:

“مين الراجل اللي على التليفون ده؟ وإيه اللي خايفين نور تعرفه؟”

أبويا حاول يقفل المكالمة، لكن رئيس المباحث طلب منه يسيب التليفون مفتوح.

الصوت اللي جاي من الناحية التانية كان لسه بيتكلم، من غير ما يعرف إن كل كلمة بيقولها مسموعة قدام الشرطة والجيران والصحفيين.

“محمود، إنت سامعني؟ لازم تتصرف قبل ما البنت توصل للمحامي! لو الوصية اتفتحت رسمي، إحنا كلنا هنضيع!”

رئيس المباحث مد إيده وأخد الموبايل، وقال بصوت واضح:

“أنا رئيس المباحث المسؤول عن البلاغ الموجود في العنوان ده. حضرتك مين، وإيه علاقتك بالموضوع؟”

ساد الصمت للحظات.

وبعدين الخط اتقفل!

رئيس المباحث بص للموبايل، وبعدها طلب من أحد الضباط تسجيل رقم المتصل واتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقق من هويته.

أما أنا، فكنت واقفة مش فاهمة إزاي حياتي اتحولت فجأة من بنت راجعة من خدمتها العسكرية لواحدة بتكتشف إن أهلها مخبيين عنها أسرار بقالها سنين.

لفيت ناحية أبويا وسألته:

“أنا عايزة إجابة واحدة منك. مين فؤاد الشناوي؟”

أبويا نزل عينيه للأرض.

أمي بدأت تتكلم بسرعة، كأنها بتحاول تسبق أي اعتراف ممكن يخرج من بُق أبويا.

“يا نور، اسمعيني. إحنا عملنا كل ده عشان مصلحتك. الراجل ده كان شخص مش كويس، وكان ممكن يدمّر حياتك لو دخلتي في مشاكله.”

بصيت لها باستغراب.

“شخص مش كويس؟ طب ليه اسمي موجود في وصيته؟”

ما ردتش.

قربت منها خطوة وقلت:

“وليه كنتِ بتقولي للناس إني في السجن؟ وليه كنتِ بتمنعي عني الجوابات؟ لو كنتوا خايفين عليّ فعلًا، كنتوا على الأقل رديتوا عليّ وأنا بعيد عنكم!”

أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.

لكن المرة دي، ما حسيتش إني عايزة أواسيها.

كنت محتاجة الحقيقة، حتى لو كانت هتوجعني.

رئيس المباحث طلب من عم عبدالرحمن يحكي كل اللي يعرفه عن الموضوع، وبعدها قال لي:

“يا نور، لازم تعرفي إن الكلام اللي سمعناه لحد دلوقتي مجرد معلومات محتاجة تحقق. مش هنقدر نتهم حد بحاجة قبل ما نراجع المستندات ونتأكد من صحتها.”

هزيت راسي وقلت:

“أنا مش طالبة غير الحقيقة يا فندم.”

وبعد حوالي نص ساعة، وصلت قوة تانية من الشرطة، ومعاها ضابط مسؤول عن استكمال التحقيق في البلاغ الكاذب المحتمل.

تم تسجيل أقوال الموجودين، واتطلب من أبويا وأمي تقديم أي مستندات عندهم بتخص موضوع الوصية، مع التأكيد إن كل إجراء هيتم وفق القانون.

أما أنا، فقعدت على كرسي صغير قدام باب البيت، وبصيت للزي العسكري اللي كنت فخورة بيه طول عمري.

كنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها بعد رجوعي هي إني أبدأ حياتي من جديد.

ما كنتش أعرف إن المعركة الأصعب ممكن تكون جوه بيتي نفسه.

### بعد ساعات قليلة…

كنت قاعدة في مكتب رئيس المباحث، ومعايا عم عبدالرحمن، لما دخل ضابط ومعاه ورقة فيها بيانات المحامي اللي اسمه ظهر على الظرف القديم.

قال الضابط:

“وصلنا للمحامي، يا فندم. اسمه الأستاذ سامح البدري، ومكتبه في القاهرة. أكد إنه كان بيدور على نور من أربع سنين بخصوص وصية رسمية، وإنه عنده نسخة من المستندات الأصلية.”

رئيس المباحث سأل:

“وطب ليه ما قدرش يوصل لها؟”

رد الضابط:

“حسب كلامه، كل المراسلات اللي اتبعتت لعنوان الأسرة رجعت من غير استلام، وبعد فترة وصل له خطاب بيقول إن نور غير متاحة للتواصل وإن الأسرة هتتولى الموضوع.”

بصيت للضابط وقلت:

“مين اللي بعت الخطاب ده؟”

راجع الورقة اللي في إيده وقال:

“الخطاب عليه توقيع محمود، والد حضرتك.”

حسيت إن نفسي اتسحب مني.

أبويا ما اكتفاش بمنع جواباتي اللي كنت ببعتها من الخارج، لكنه كمان كان بيمنع أي حد يحاول يوصل ليّ.

رئيس المباحث قال:

“الأستاذ سامح مستعد يقابلك بكرة الصبح، ويعرض عليك المستندات بنفسه.”

وافقت من غير تردد.

كنت محتاجة أعرف الحقيقة من مصدرها، مش من كلام أمي وأبويا.

وقبل ما أخرج من المكتب، رئيس المباحث قال لي:

“خلي بالك يا نور، ما تستعجليش في الحكم على أي حد. خلي الأوراق هي اللي تتكلم.”

رديت عليه:

“ده كل اللي أنا عايزاه.”

### اللقاء اللي غيّر كل حاجة

تاني يوم الصبح، روحت مكتب الأستاذ سامح البدري في القاهرة.

كان راجل في أواخر الخمسينات، هادي في كلامه، وعلى مكتبه ملفات كتير.

أول ما شافني واقفة بالزي العسكري، قام من مكانه ومد إيده يصافحني.

وقال:

“أهلًا يا أستاذة نور. أنا مستني اليوم ده من أربع سنين.”

قعدت قدامه وسألته على طول:

“مين فؤاد الشناوي؟ وليه كان بيدور عليّ؟”

فتح درج مكتبه، وطلع ملف كبير، وبعدها بدأ يحكي.

“فؤاد الشناوي كان رجل أعمال، لكنه ما كانش شخص بيحب يظهر في الإعلام. كان عنده شركات وممتلكات، وكان حريص جدًا إن حياته الشخصية تفضل بعيدة عن الناس.”

سكت لحظة، وبعدها كمل:

“قبل وفاته بفترة، جه مكتبي وطلب مني أراجع مستندات عائلية قديمة. وقتها اكتشفنا إن فيه علاقة عائلية بينه وبينك، وإن اسمك لازم يتراجع ضمن الأوراق الخاصة بالورثة.”

بصيت له بعدم تصديق.

“علاقة عائلية إزاي؟”

فتح الملف وطلع صورة قديمة لرجل واقف جنب ست شايلة طفلة صغيرة.

ناولني الصورة.

أول ما بصيت لوش الست، حسيت إن قلبي وقف للحظة.

كانت أمي.

أما الراجل اللي واقف جنبها، فكان مختلف تمامًا عن أبويا محمود.

وشه ما كانش مألوف بالنسبة ليّ، لكن كان فيه شبه غريب بيني وبينه، خصوصًا في شكل العينين.

رفعت عيني للمحامي وقلت:

“الصورة دي منين؟”

قال بهدوء:

“من أوراق فؤاد الشناوي الشخصية. وفيه مستندات تانية بتشير إن فؤاد كان والدك البيولوجي.”

ما قدرتش أتكلم.

فضلت باصة للصورة، كأني بحاول أفتكر أي حاجة من طفولتي ممكن تفسر اللي بسمعه.

أنا طول عمري كنت فاكرة إن محمود هو أبويا الحقيقي، وإن كل اللي بينا مجرد مشاكل عائلية عادية.

لكن المحامي كمل:

“أنا مش هطلب منك تصدقي الكلام ده لمجرد إني قلته. عشان كده جهزت المستندات الأصلية، ومنها شهادة الميلاد القديمة، وإقرارات عائلية، وأوراق محتاجة مراجعة قانونية. ولو فيه أي شك في النسب، فيه إجراءات قانونية ممكن تتبعوها للتحقق من الحقيقة.”

سألته بصوت متوتر:

“طيب، إيه علاقة كل ده بالوصية؟”

فتح صفحة تانية من الملف وقال:

“فؤاد الشناوي توفى من أربع سنين، وترك وصية بتحدد بعض حقوق أفراد أسرته. والوصية بتشير لاسمك بشكل واضح، لكن لازم نراجع باقي المستندات قبل ما نقدر نحدد حقوقك القانونية بشكل نهائي.”

قلت له:

“يعني أنا ممكن يكون ليا ميراث؟”

رد:

“ده احتمال وارد، لكن ما ينفعش أحدد لك نصيبك أو أقول إنك المستفيدة الوحيدة قبل مراجعة التركة والوصية والقانون. اللي أقدر أقوله إن فيه مستندات تستحق إنك تعرفيها وتراجعيها بنفسك.”

سكت شوية، وبعدها سألته السؤال اللي كان بيلف في دماغي من أول ما شفت الصورة:

“وأمي كانت تعرف كل ده؟”

المحامي بص ليّ بحذر، وبعدها قال:

“أيوه. والدتك كانت على تواصل مع مكتبي في بداية الموضوع، قبل ما المراسلات تتوقف.”

غمضت عيني للحظة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى