منوعات

الجزء الاول الحقيقة بقلم محمد عبده

القاضي نظر إلى كريم.

— هل تنكر؟

كريم سكت.

وهنا حصل شيء غريب.

أحد الصحفيين الموجودين في آخر القاعة وقف فجأة.

وقال:

— سيادة المستشار، أنا عندي نسخة من سجل تجاري قديم لإحدى الشركات دي.

الجميع بص له.

القاضي قال:

— اقترب.

الصحفي أخرج ملفًا من حقيبته.

— أنا بعمل تحقيق عن الشركة من فترة، ولقيت إن إحدى الشركات دي اتأسست قبل اختفاء السيد حسن بشهور.

حسام حاول يعترض.

— ده خارج نطاق الجلسة!

لكن القاضي قال:

— هات الملف.

الصحفي سلمه للقاضي.

القاضي قرأه.

ثم رفع عينيه ببطء.

— اسم المدير؟

الصحفي قال:

— كريم المنشاوي.

كريم اتوتر.

— ده كان شغل قديم!

القاضي سأله:

— وهل كانت هذه الشركة تحصل على عقود من شركتكم؟

— مش فاكر.

أبويا ضحك لأول مرة.

— مش فاكر؟

وبعدين أخرج ورقة.

— عشان كده أنا جبت كشف الحساب.

حطه قدام القاضي.

القاضي بدأ يقارن التواريخ.

وبعد دقيقة كاملة من الصمت…

قال:

— التحويلات متطابقة.

قلبي كان بيخبط.

لكن أبويا لسه ماخلصش.

فتح الدفتر عند آخر الصفحات.

وكان فيه جدول مكتوب بخط إيده.

العنوان كان:

“في حالة حدوث أي شيء لي…”

حسيت بقشعريرة في جسمي.

بصيت له.

— بابا… إنت كنت متوقع إن يحصل لك حاجة؟

هز رأسه.

— أيوه.

— طب ليه ماقلتليش؟

— لأنك كنتِ مرات كريم.

سكت.

ثم قال:

— وأنا كنت عارف إنك بتحبيه.

الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

لأنها فكرتني بكل السنين اللي صدقت فيها كريم.

كل مرة قال لي:

“أنا بحمي مستقبل أولادنا.”

كل مرة طلب مني أبعد عن الشغل.

كل مرة قال لي:

“إنتِ مش محتاجة تعرفي تفاصيل الإدارة.”

كل مرة صدقته.

القاضي قلب الصفحة الأخيرة.

ثم توقف.

— فين الصفحة اللي بعدها؟

أبويا رد:

— مش موجودة.

القاضي رفع عينه.

— ماذا تقصد؟

— الصفحة اتاخدت من الدفتر.

كريم تنفس براحة.

لكن الراحة ماكملتش.

أبويا أخرج ظرفًا صغيرًا من جيبه.

— لكن أنا كنت عامل نسخة منها.

حط الظرف قدام القاضي.

القاضي فتحه.

وفي اللحظة اللي قرأ فيها الورقة…

وشه اتغير.

— دي مش مجرد ورقة ملكية.

قلت:

— مكتوب فيها إيه؟

القاضي سكت.

أبويا هو اللي رد:

— مكتوب فيها اسم الشخص اللي زور توقيعك.

نظرت إلى كريم.

لكنه كان ينظر إلى شخص آخر.

المحامي حسام.

الحركة كانت بسيطة جدًا.

لكن أنا شفتها.

وأبويا شافها.

والقاضي شافها.

حسام قال بسرعة:

— ده كلام عبثي!

أبويا قال:

— أنا ما قلتش إنك عملت التزوير.

ثم أضاف:

— أنا قلت إن اسمك موجود في المستند.

حسام بدأ يتعرق.

القاضي طلب منه يقف.

— الأستاذ حسام، هل سبق لك أن تعاملت مع ملف تأسيس الشركة منذ 11 سنة؟

قال:

— لا.

أبويا أخرج صورة قديمة.

وفي الصورة كان حسام واقف بجانب كريم…

وفي إيد كريم نفس الملف الموجود أمامنا.

التاريخ المكتوب على الصورة كان قبل 11 سنة.

القاعة كلها بدأت تتكلم.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الورقة اللي بعدها.

القاضي قرأها بصوت منخفض.

ثم قال:

— مدام مريم… هل تعرفين اسم طارق المنشاوي؟

اتجمدت.

طارق كان أخو كريم الأكبر.

الرجل اللي قيل لي إنه مات في حادث سيارة قبل سنوات.

قلت:

— أيوه.

القاضي نظر إليّ.

— لأن اسمه موجود هنا باعتباره الشخص الذي استلم النسخة الأصلية من عقد ملكيتك.

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

قلت:

— بس طارق مات!

أبويا رد:

— لا.

سكت.

وبعدين قال:

— طارق هو اللي ساعدني أهرب من اللي حصل من 11 سنة.

بصيت له في صدمة.

— يعني طارق عايش؟

أبويا هز رأسه.

— أيوه.

ثم نظر ناحية باب القاعة.

وفي نفس اللحظة…

اتفتح الباب للمرة الثالثة.

دخل رجل طويل، شعره شابَه الشيب، ووشه عليه آثار سنين صعبة.

كريم أول ما شافه…

اتراجع خطوة.

وهمس:

— مستحيل…

الرجل بص له وقال:

— لا يا كريم.

ثم قال:

— المستحيل هو إنك كنت فاكر إن الحقيقة هتفضل مدفونة للأبد.

وكان طارق واقف قدامنا…

وفي إيده النسخة الأصلية من عقد الملكية الذي يحمل توقيع مريم الحقيقي.
نكمل من لحظة دخول طارق، ومعاه المستند اللي ممكن يقلب القضية كلها.

دخل طارق القاعة، وكل الأنظار اتعلقت بيه.

لكن أكتر شخص كان باين عليه الصدمة…

كان كريم.

وشه فقد لونه تمامًا.

— إنت… عايش؟

طارق بص له بثبات.

— أيوه، عايش.

كريم رجع خطوة لورا.

— إزاي؟

طارق ابتسم ابتسامة حزينة.

— نفس السؤال اللي أخويا الكبير كان المفروض يسأله من 11 سنة.

القاضي طلب منه يتقدم.

— حضرتك طارق المنشاوي؟

— أيوه يا سيادة المستشار.

— وهل لديك ما يثبت هويتك؟

طارق قدم مجموعة أوراق رسمية.

القاضي فحصها، ثم قال:

— وما الذي جئت به؟

طارق حط ملف أسود على الطاولة.

— العقد الأصلي.

المحامي حسام قال بسرعة:

— أي عقد ممكن يكون مزور.

طارق بص له.

— عشان كده جبت معاه تقرير خبير خطوط من وقتها.

حسام سكت.

القاضي فتح الملف.

كانت هناك نسخة من عقد تأسيس الشركة، ومعها تقرير يثبت أن توقيع مريم على العقد الأصلي كان صحيحًا، بينما الورقة التي استخدمها كريم لإثبات نقل الملكية كانت تحمل توقيعًا مزورًا.

أنا بصيت لكريم.

— يعني كل السنين دي… إنت كنت عارف؟

كريم ما ردش.

طارق قال:

— كان عارف.

ثم أضاف:

— والأهم إنه كان عارف إن مريم ما باعتش ولا سهم واحد.

القاضي سأله:

— لماذا لم تظهر قبل الآن؟

طارق أخذ نفسًا طويلًا.

— لأنني كنت أخشى على حياتي.

القاعة سكتت.

— بعد اختفاء حسن، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على شركة.

بص لكريم.

— أنا اكتشفت إن أخويا كان بيحوّل أموال الشركة لحسابات تانية.

كريم صاح:

— كدب!

طارق رد:

— وعندي كشوف حسابات.

ثم أخرج ملفًا آخر.

— وعندي رسائل بينك وبين الأشخاص اللي كانوا بيساعدوك.

المحامي حسام وقف.

— سيادة المستشار، لا يمكن قبول هذه المستندات بهذه الطريقة.

القاضي قال:

— هنتحقق منها.

ثم سأل طارق:

— وما علاقتها بملكية الشركة؟

طارق قال:

— لأن كريم كان محتاج يثبت إن مريم خرجت من الشركة رسميًا.

— لماذا؟

— عشان يبيع جزء من الشركة لمستثمرين جدد من غير ما تعرف.

القاضي قلب الأوراق.

— وهل حدث ذلك بالفعل؟

طارق هز رأسه.

— حصلت محاولة.

ثم بص لي.

— لكن مريم كانت لسه المالكة لـ61%.

أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.

كل اللي كنت فاكرة إنه حياتي…

طلع جزء صغير جدًا من الحقيقة.

القاضي سأل:

— وماذا حدث لحسن؟

طارق بص لأبويا.

— حسن اكتشف كل حاجة.

أبويا كمل:

— وفي اليوم اللي اختفيت فيه، اتعرضت لحادث متعمد.

أنا شهقت.

— حادث؟

هز رأسه.

— العربية اتضربت من الخلف وأنا خارج من اجتماع.

— وإنت عشت؟

— أيوه.

— طب ليه ما رجعتش؟

أبويا بص لي بعينين مليانين وجع.

— لأنهم وصلوا لي وأنا في المستشفى.

سكت لحظة.

— ولما عرفت إنهم فاكرين إني مت، قررت أفضل مختفي.

أنا حسيت بغصة.

— وإنت سيبتني 11 سنة فاكرة إنك مت؟

دموعه نزلت.

— كنت بحاول أحميكي.

قلت له:

— كنت بحاول أعيش من غيرك!

صوتي اتكسر.

القاضي أعطانا لحظة، ثم قال:

— نرجع للموضوع الأساسي.

طارق فتح الملف.

— فيه حاجة تانية.

كريم قال:

— كفاية!

القاضي بص له.

— اجلس.

طارق أخرج ورقة قديمة.

— دي مذكرة داخلية من الشركة.

القاضي قرأها.

ثم سأل:

— من كتبها؟

طارق قال:

— كريم.

كريم هز رأسه.

— مش بتاعتي.

طارق رد:

— خطك موجود عليها.

القاضي قال:

— وما مضمونها؟

طارق سكت.

ثم قال:

— فيها تعليمات بنقل جزء من الأرباح إلى حسابات خارجية، وفيها جملة واضحة:

“لازم مريم تفضل بعيدة عن الإدارة لحد ما يتم الانتهاء من إعادة هيكلة الملكية.”

أنا بصيت لكريم.

— كنت بتخطط تشيلني من الشركة؟

قال بعصبية:

— كنت بحمي الشركة!

ضحكت بمرارة.

— الشركة اللي أنا دفعت أول جنيه فيها؟

لم يرد.

في اللحظة دي، المحامي حسام بدأ يجمع أوراقه.

القاضي لاحظ.

— سيب الأوراق مكانها.

حسام وقف.

— أنا محتاج أتكلم مع موكلي.

القاضي قال:

— بعد انتهاء الجلسة.

لكن قبل ما حسام يقعد…

دخل موظف من المحكمة وسلم القاضي ظرفًا عاجلًا.

القاضي فتحه.

قرأ أول سطر.

ثم رفع عينيه.

— مين فيكم يعرف شركة “النخبة للاستثمارات”؟

كريم اتجمد.

أنا بصيت له.

— دي شركة إيه؟

القاضي لم يجب.

ثم قال:

— الشركة قدمت اليوم طلبًا لإثبات ملكية جزء من أسهم شركة المنشاوي.

طارق قال فورًا:

— مستحيل.

أبويا قرب من الطاولة.

— مين المالك؟

القاضي قرأ الاسم.

ثم قال:

— سارة فؤاد.

أنا التفتُّ إليها.

كانت قاعدة في آخر القاعة.

وشها اتغير.

كريم بص لها كأنه شافها لأول مرة.

— سارة… إنتِ عملتي إيه؟

سارة بدأت تبكي.

— أنا ماعملتش حاجة!

لكن القاضي رفع ورقة أخرى.

— عندي هنا مستند موقع باسمك.

ثم نظر إليها.

— والمستند ده بيقول إنك اشتريتي 14% من أسهم الشركة قبل ستة أشهر.

أنا بصيت لكريم.

— يعني هي كانت شريكة في كل ده؟

كريم سكت.

سارة قالت:

— كريم هو اللي طلب مني!

الجميع اتجه بنظره إليه.

القاضي قال:

— إذن بدأت الصورة تتضح.

ثم أضاف:

— لكن عندي سؤال أخطر.

نظر إلى مريم.

— إذا كانت مدام مريم تملك 61%، وإذا لم توقع على بيع أي جزء منها…

سكت.

ثم قال:

— فكيف حصلت سارة على الـ14%؟

ولا حد رد.

طارق اقترب من أبي.

وقال له بصوت منخفض لكنه كان مسموعًا:

— لسه في ورقة واحدة يا حسن.

أبويا أومأ.

— عارف.

أنا سمعتهم.

— ورقة إيه؟

أبويا بص لي.

ولأول مرة من بداية الجلسة، ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.

قال:

— الورقة اللي لو ظهرت…

سكت.

قلت:

— هتثبت إيه؟

رد:

— هتثبت إن كريم ما سرقش الشركة بس.

ثم نظر إلى آدم وياسين.

— هتثبت إنه كان بيحاول يسيطر على مستقبل ولادك كمان.

وفي اللحظة نفسها…

واحد من رجال الأمن دخل القاعة بسرعة.

وقال للقاضي:

— سيادة المستشار… فيه شخص برا بيطلب يدخل، وبيقول إنه شاهد رئيسي في القضية.

القاضي سأله:

— مين؟

الرجل قال:

— اسمه محمود السعدني.

أبويا انتفض من مكانه.

— محمود؟

طارق بص إليه.

وكريم لأول مرة…

بدأ يرتجف.

لأن محمود كان آخر شخص شافه أبويا قبل حادث الـ11 سنة.

وكان معاه…

التسجيل الأصلي للمكالمة اللي حصلت في الليلة اللي اختفى فيها حسن.
الباقي في الجزء القادم في التعليقات

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى