روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

فكان باصص لي بنظرة ما شفتهاش في عينيه قبل كده.

ماكانتش نظرة فخر واضحة، ولا كانت ندمًا كاملًا.

كانت صدمة شخص اكتشف فجأة إن الصورة اللي رسمها عن إنسان آخر طول سنين كانت غلط تمامًا.

وبعدين حصلت المفاجأة اللي ماكنتش متوقعاها.

الجنرال رفع ملفًا أسود صغيرًا، وقال:

«هناك سبب آخر يجعلنا نكرّم العقيد بينيت الليلة. قبل فترة، تم اختيارها للمشاركة في مهمة قيادية جديدة، بعد مراجعة سجلها المهني وتوصيات عدد من كبار القادة.»

بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.

ثم أكمل:

«وما أستطيع إعلانه اليوم هو أنها ستتولى مسؤولية عسكرية جديدة تتطلب مستوى استثنائيًا من الخبرة والثقة.»

ماكشفش عن تفاصيل المهمة، لأنها لم تكن معلنة رسميًا بالكامل.

لكنه أعلن قرار التكريم والترشيح القيادي أمام الحاضرين، ثم سلّمني شهادة تقدير خاصة.

صافحني مرة تانية وقال بصوت منخفض، لكنه كان مسموعًا للي واقفين قريب:

«إنتِ تستحقي اللحظة دي يا كلير.»

شكرته، ووقفت للحظة قدام الحاضرين.

ماحاولتش أبحث عن أبويا بعيني.

ماكانش عندي أي رغبة في الانتقام منه، ولا كنت محتاجة أحرجه علشان أثبت له إنه كان غلطان.

كنت عايزة بس أعيش اللحظة اللي تعبت علشان أوصل لها.

لكن أول ما نزلت من المنصة، لقيت أبويا واقف في انتظاري.

قرب مني ببطء، وبص إلى شهادة التقدير اللي في إيدي، ثم رفع عينيه إلى وجهي.

قال بصوت منخفض:

«كلير… أنا محتاج أتكلم معاكي.»

قلت بهدوء:

«اتفضل يا بابا.»

بلع ريقه، ثم سأل السؤال اللي واضح إنه كان شاغل باله من أول الحفل:

«إنتِ كنتِ بتعملي كل ده من سنين، وإحنا ماكناش نعرف؟»

بصيت له مباشرة.

«أنا كنت بشتغل يا بابا. كل يوم كنت بروح شغلي وأرجع، زي أي حد بيحاول يؤدي واجبه بأفضل شكل ممكن.»

قال بسرعة:

«بس ليه ماحكتيلناش؟ ليه ماقولتيش إنك بتشاركي في عمليات مهمة؟»

هنا، حسيت إن الوقت جه علشان أقول له الحقيقة اللي كنت بسكت عنها سنين طويلة.

قلت:

«لأن فيه تفاصيل ماكانش مسموح لي أتكلم عنها. ولأن كل مرة كنت بحاول أتكلم عن شغلي، كنت بتقاطعني وتقول إن إيثان هو اللي عمل حاجة حقيقية في حياته، وإن شغلي مجرد قعدة ورا مكتب.»

وشه اتغير.

حاول يرد، لكنه ما لقاش كلام يقوله.

كملت وأنا محافظة على هدوئي:

«أنا مش زعلانة إنك ماكنتش تعرف تفاصيل شغلي. أنا زعلانة إنك حكمت عليّ من غير ما تحاول تفهمني، وإنك كنت مستعد تحرجني قدام الناس الليلة دي قبل ما تعرف حتى أنا مين.»

خفض أبويا عينيه.

ولأول مرة في حياتي، ماحاولش يبرر كلامه أو يلومني على مشاعري.

لكنه فجأة رفع رأسه، وسألني بصوت مرتبك:

«طيب… الجنرال قال إنك هتتولي مسؤولية جديدة. هو يقصد إيه بالظبط؟ هل فيه حاجة تانية إحنا مانعرفهاش؟»

قبل ما أجاوبه، ظهر أحد الضباط بالقرب منا.

وقف باستقامة، ووجّه كلامه إليّ:

«يا فندم، اللواء المسؤول عن شؤون الأفراد طلب مقابلتك بعد انتهاء الحفل. فيه تحديث رسمي بخصوص تكليفك الجديد، لازم حضرتك تطلعي عليه بنفسك.»

بصيت للضابط وقلت:

«تمام، هكون موجودة بعد ما أخلص هنا.»

أدى التحية وانصرف.

أبويا كان واقفًا جنبي، وقد سمع كل كلمة.

التفت إليّ ببطء، وقال:

«تكليف جديد؟ يعني إيه يا كلير؟»

وقبل ما أقدر أرد، ظهر الجنرال هارينجتون مرة تانية، ووضع يده على كتفي وقال:

الجزء قبل الأخير: السر اللي خلّى أبويا يندم على كل كلمة قالها ليا!

بعد ما انتهى الجزء الأكبر من الحفل، طلب مني الجنرال ويليام هارينجتون أروح معاه إلى قاعة جانبية بعيدًا عن ضوضاء الموسيقى وأصوات الضيوف.

قبل ما أتحرك، بصيت ناحية عيلتي.

أبويا ريتشارد كان واقفًا جنب إيثان وماديسون، وملامحه بتقول إنه لسه مش قادر يستوعب اللي حصل.

ولأول مرة، هو اللي كان مستني مني إجابة، مش أنا اللي بحاول ألفت انتباهه.

قرب مني وقال بصوت هادي على غير عادته:

«كلير، ينفع أجيلك؟»

بصيت له للحظات، ثم قلت:

«الموضوع متعلق بشغلي يا بابا، وفيه تفاصيل مش مسموح لي أتكلم عنها. لكن تقدر تستناني لحد ما أخلص.»

هز رأسه بالموافقة.

دخلت القاعة الجانبية مع الجنرال، وكان فيه ضابطان كبيران في انتظاره.

على الطاولة قدامهم كان فيه ملف رسمي مغلق.

الجنرال أشار لي أقعد، ثم قال:

«كلير، عارف إنك مش بتحبي الكلام الكتير عن إنجازاتك، لكن فيه قرارات لازم تتقال بوضوح. خلال السنين الماضية، أثبتِّ قدرتك على التعامل مع مواقف شديدة التعقيد، وده السبب اللي خلّى اسمك يتقدم لتولي مسؤولية قيادية أكبر.»

فتحت الملف، وبدأت أراجع المستندات.

كان القرار متعلقًا بتكليف قيادي جديد في مجال التخطيط والتنسيق للعمليات المشتركة، بمسؤوليات أوسع من اللي كنت بتولاها قبل كده.

رفعت عيني للجنرال وقلت:

«أنا مقدرة الثقة دي يا فندم، لكن عايزة أتأكد إن كل الترتيبات الخاصة بالمهمة واضحة قبل ما أوافق على أي إجراء نهائي.»

ابتسم وقال:

«وده بالضبط سبب اختيارك. إنتِ مش بتاخدي قرار لمجرد إن حد طلب منك تاخديه. إنتِ بتراجعي التفاصيل الأول.»

ثم أضاف بجدية:

«لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. اللجنة المنظمة للحفل اختارتك للتكريم بناءً على توصيات رسمية من قادة خدمتي معاهم. التكريم مش مجاملة، ومش بسبب علاقتك بأي شخصية موجودة هنا.»

قلت له:

«أنا فاهمة يا فندم.»

رد بابتسامة:

«مش متأكد إن عيلتك فاهمة ده لسه.»

ماقدرتش أمنع نفسي من الابتسام.

بعد حوالي عشرين دقيقة، خرجت من القاعة الجانبية.

لقيت إيثان واقفًا في الممر، مستنيني لوحده.

أول ما شافني، قال:

«كلير، ممكن نتكلم شوية؟ بعيد عن بابا وماديسون؟»

وافقت، ومشينا ناحية شرفة واسعة بتطل على الحديقة الخارجية.

فضل ساكت عدة ثوانٍ، وبعدها قال:

«أنا كنت فاكر إنك مجرد ضابطة بتشتغل في التخطيط. ماكنتش أعرف إنك وصلتي للمستوى ده.»

قلت له:

«إنت ما سألتنيش كتير عن شغلي.»

هز رأسه بحرج.

«عارف. ودي مشكلتي.»

ثم تنهد وقال:

«عارفة يا كلير، بابا كان دايمًا بيقارن بيننا. كان بيقول إن أنا اللي رفعت اسم العيلة، وإنك لسه ماعملتيش حاجة تستحق الفخر. ومع الوقت، أنا كمان بدأت أصدق الكلام ده.»

بصيت له من غير ما أقاطعه.

كمل بصوت أخفض:

«النهارده، وأنا شايف الجنرال بيستقبلك، والضباط بيقفوا احترامًا ليكي، حسيت إني كنت ظالمك. مش لأنك بقيتي أعلى مني في الرتبة، لكن لأنك كنت بتعملي حاجات مهمة وإحنا كنا بنتعامل معاكي كأنك أقل مننا.»

الكلام ده كان صعب عليّ أسمعه.

مش لأنه كان جارحًا، لكن لأنه كان اعترافًا بشيء كنت حاسة بيه من سنين.

قلت له:

«يا إيثان، أنا عمري ما اعتبرت نجاحي منافسة بيني وبينك. إنت خدمت في الجيش، وده شيء أحترمه. لكن ماكانش لازم إنجازاتك تبقى سببًا لتقليل قيمة إنجازاتي.»

رد بسرعة:

«عندك حق.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى