
بعدها بأيام، ظهرت نتيجة التحقيق النهائية.
التقرير أكد وجود تلاعب في بعض السجلات، وإن حساب محمود استُخدم ضمن سلسلة عمليات نفذها شخص آخر مستغلًا ثغرات في إجراءات الحماية.
أما محمود، فثبت إنه لم ينفذ التعديلات الأساسية بنفسه، لكنه خضع لمراجعة إدارية بسبب عدم إبلاغه عن الخلل في الوقت المناسب.
الشخص المسؤول عن التلاعب تمت إحالته للتحقيق واتخذت الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة بحقه.
وبكده، محمود قدر يتجنب الاتهام الأساسي، لكنه فهم إن إهماله كان ممكن يضيع مستقبله.
بعد حوالي شهر، حصلت على عرض للمشاركة في مشروع تقني كبير لتطوير أنظمة الحماية الإلكترونية.
كان المشروع مسؤولية فريق متخصص، وتم اختياري للإشراف على جزء مهم منه.
وافقت، وبدأت مرحلة جديدة في حياتي المهنية.
وفي يوم استلام التكليف، آدم اتصل بيا وقال:
“مبروك يا مريم. كنت عارف إنك هتكوني قد المسؤولية.”
ضحكت وقلت: “شكرًا يا آدم. بس المرة دي مش هسمح لحد يحدد قيمتي.”
رد: “ولا المفروض تسمحي من البداية.”
بعد فترة، دعتني نهى على الغداء في بيتها.
كنت مترددة، لكن قررت أروح.
أول ما دخلت، لقيت أمي بتحضر الأكل، وأبويا قاعد في الصالة، ومحمود موجود.
أبويا قام من مكانه وقال:
“تعالي يا مريم، وحشتينا.”
قعدت، وبعد شوية أبويا بدأ يتكلم.
قال: “أنا عايز أقولك حاجة. أنا غلطت في حقك.”
بصيتله باستغراب.
كمل: “طول عمري كنت فاكر إن النجاح لازم يكون واضح قدام الناس، لازم أشوف بدلة وشغل ومنصب علشان أفتخر بصاحبه. ما فهمتش إنك كنت بتعملي حاجة مهمة، حتى لو مش بتتكلمي عنها.”
أمي قربت وقالت: “وأنا كمان آسفة يا بنتي. كان المفروض أكون سند ليكي، مش أضحك لما حد يهينك.”
أما محمود، ففضل ساكت شوية، وبعدها قال:
“أنا عارف إني جرحتك كتير. كنت بتريق على شغلك علشان كنت فاكر إنك أقل مني. بس لما وقعت في مشكلة، اكتشفت إن الشخص اللي كنت بقلل منه هو أكتر واحد ممكن يساعدني.”
بصيتله وقلت:
“أنا ساعدتك لأنك أخويا، مش لأنك كنت تستاهل الإهانة اللي كنت بتوجههالي.”
هز رأسه وقال: “عارف، وحقك عليّا.”
نهى مسكت إيدي وقالت: “أنا كمان آسفة إني سكت.”
بصيت لكل واحد فيهم، وقلت:
“أنا مش مستنية منكم تقدير علشان أعرف قيمتي. أنا عارفة أنا مين، وعارفة تعبت قد إيه علشان أوصل للمكان اللي أنا فيه. بس أتمنى إن اللي حصل يعلّمنا إن محدش من حقه يقلل من حد لمجرد إنه مش فاهم طبيعة شغله أو حياته.”
أبويا هز رأسه وقال: “عندك حق.”
بعد الغداء، وأنا بستعد أمشي، أبويا وقفني عند الباب.
قال: “مريم، فاكرة يوم عيد ميلاد نهى لما محمود قال إن العيلة كلها بتشتغل بجد؟”
ابتسمت وقلت: “فاكرة طبعًا.”
قال: “أنا من يومها وأنا بفكر في الجملة دي. الحقيقة إنك كنتِ بتشتغلي وتتعبّي وتساعدينا، وإحنا كنا مشغولين نحكم عليكي بدل ما نفهمك.”
بصيتله وقلت: “المهم إننا نتعلم من اللي فات.”
خرجت من البيت وأنا حاسة براحة كبيرة.
مش علشان آدم أدى لي التحية العسكرية، ولا علشان اسمي اتذكر في مشروع كبير، ولا حتى علشان عيلتي اعتذرت.
لكن علشان أخيرًا فهمت حقيقة مهمة:
قيمتك مش بتتحدد بمدى فهم الناس لشغلك، ولا بحجم التصفيق اللي بتاخده منهم.
فيه ناس بتشتغل في صمت، وبتحقق إنجازات محدش يعرف عنها حاجة، وبتساعد أقرب الناس ليها من غير ما تطلب مقابل.
لكن ده مش معناه إن من حق أي حد يهينها أو يقلل منها.
ومن يومها، قررت أحط حدود واضحة في علاقتي بعيلتي.
هفضل أحبهم وأقف جنبهم وقت الشدة، لكن مش هسمح تاني إن مساعدتي تتحول لواجب، أو إن احترامي لنفسي يبقى قابل للتفاوض.
أما محمود، فبقى بعد كده لما يتكلم عن شغلي قدام الناس يقول بفخر:
“أختي مريم شغالة في مجال الأمن السيبراني، وشغلها مسؤولية كبيرة.”
كنت ببتسم كل مرة أسمعه، لكن جوايا كنت عارفة إن اعترافه مش هو اللي خلاني ناجحة.
أنا كنت ناجحة من قبل ما يعرف، وكنت أستحق الاحترام حتى في الأيام اللي كانوا شايفيني فيها مجرد عالة على العيلة.
النهاية.




