روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

— مش عارف لسه. بس لازم أفهم الحقيقة.

مريم ما ردتش، ولفت ورجعت ناحية أوضتها من غير ما تستناني.

كنت عارف إن تصرفي وجعها، لكن لأول مرة في حياتي حسيت إن فيه حاجة أهم من إني أرضي الناس أو أحافظ على الصورة اللي رسمتها لنفسي.

كان لازم أعرف إذا كان عندي ابن فعلًا.

رجعت أقعد جنب مكتب التمريض، وفتحت الصفحة التانية من جواب ليلى.

كانت كاتبة:

«يا عمر،

اللي حصل بينا ما كانش مجرد سوء تفاهم، ولا خلاف عادي بين اتنين بيحبوا بعض.

إنت أخدت قرارك بناءً على شكوكك، وأنا دفعت تمن القرار ده لوحدي.

في الليلة اللي عرفت فيها إني حامل، كنت خارجة من المستشفى بعد يوم شغل طويل. كنت ناوية أقابلك وأقول لك الخبر بنفسي، وكنت متخيلة إنك هتفرح، حتى لو اتفاجئت في البداية.

لكن اللي حصل إنك عرفت بالحمل بطريقة تانية، وقررت تحاكمني قبل ما تسمعني.

حاولت أشرح لك إن مفيش أي راجل تاني في حياتي، وإن الطفل ده ابنك، لكنك كنت رافض تسمع أي كلمة.

ولما قلت لك إنك في يوم هتعرف الحقيقة، ما كنتش بهددك ولا بحاول أضغط عليك.

كنت بقول لك إن الحقيقة هتفضل موجودة، حتى لو إنت قررت تهرب منها».

وقفت عن القراءة، ومسحت وشي بإيدي.

كنت فاكر إني فاكر كل تفاصيل اليوم ده، لكن الحقيقة إن ذاكرتي كانت دايمًا بتختار الجزء اللي يخليني أنا المظلوم.

أما كلام ليلى، فكان بيجبرني أبص للصورة كاملة.

كملت القراءة.

«بعد ما مشيت، حاولت أتصل بيك أكتر من مرة، لكنك رفضت ترد.

وبعت لك رسالة، وطلبت منك تقابلني مرة واحدة بس.

إنت رديت عليّا برسالة قصيرة قلت فيها إنك مش عايز تسمع أي تبرير، وإن كل واحد فينا لازم يكمل حياته بعيد عن التاني.

وقتها فهمت إنك مش مستعد تسمع الحقيقة، مهما حاولت أوضحهالك.

قررت أركز في شغلي وحملي، وأربي ابني بعيد عن أي صراعات.

ما كنتش عايزة ابني يكبر وهو حاسس إنه عبء على حد، أو إنه السبب في وجع حصل بين أبوه وأمه.

لكن اللي حصل بعد كده خلاني أعيد التفكير في كل حاجة».

اتحبست أنفاسي عند الجملة الأخيرة.

إيه اللي حصل؟

وليه قررت تتكلم دلوقتي، بعد ثمانية شهور؟

بصيت في أسفل الورقة، ولقيت سطر مكتوب بخط مختلف، كأنه اتضاف بعد ما خلصت الجواب.

«الطفل اتولد قبل ميعاده، وحالته محتاجة متابعة دقيقة. أنا مش بطلب منك ترجع لي، ولا حتى تسامحني. كل اللي بطلبه إنك تعرف الحقيقة قبل ما تتخذ أي قرار تاني.

ولو عايز تتأكد من نسب الطفل، من حقك تعمل الإجراءات الطبية والقانونية المناسبة.

لكن قبل كل ده، لازم تعرف إيه اللي حصل في اليوم اللي اتهمتني فيه».

حسيت إن الجواب مش مجرد رسالة من امرأة مجروحة.

كان فيه سر أكبر، سر ممكن يغير نظرتي لكل اللي حصل.

بعد شوية، خرجت ليلى من الحضانة.

كانت ملامحها مرهقة، لكنها حاولت تحافظ على هدوئها.

أول ما شافتني، سألت:

— قريت الجواب؟

هزيت راسي.

— أيوه.

— وفهمت منه إيه؟

بلعت ريقي وقلت:

— إنك بتقولي إن الطفل ابني.

ردت بوضوح:

— أنا بقول لك الحقيقة اللي كنت بحاول أشرحها لك من ثمانية شهور.

سألتها وأنا بحاول أسيطر على صوتي:

— طب ليه ما جيتيش لي بنفسك؟ ليه استنيتي كل الوقت ده؟

بصت لي للحظات، وبعدها قالت:

— حاولت أوصلك، يا عمر. إنت اللي اخترت ما تسمعنيش.

— كنت فاكر إنك خنتيني.

اتغيرت ملامحها، وقالت بنبرة موجوعة:

— وعشان كنت فاكر كده، كان من حقك تجرحني؟ كان من حقك تتهمني في شرفي من غير دليل؟ كان من حقك تسيبني وأنا في أصعب وقت في حياتي؟

ما لقيتش رد.

كملت وهي بتبص لي مباشرة:

— أنا مش هطلب منك تحس بالذنب، لأن ده مش هيغير اللي حصل. لكن لو فعلًا عايز تعرف الحقيقة، لازم تبطل تدافع عن نفسك وتبدأ تسمع.

نزلت رأسي وقلت:

— أنا مستعد أسمع كل حاجة.

اتنهدت، وبعدها أشارت لي ناحية مقاعد الانتظار.

قعدنا بعيد عن باب الحضانة، وبدأت تتكلم.

— يوم ما عرفت إني حامل، كنت خارجة من شغلي ومتجهة أقابلك. لكن قبل ما أوصل لك، حصل موقف غريب.

رفعت رأسي بسرعة.

— موقف إيه؟

قالت:

— واحدة من زميلاتي في المستشفى اتصلت بيا، وقالت إنها محتاجة تقابلني في موضوع مهم. ولما قابلتها، سألتني أسئلة غريبة عن علاقتي بيك، وعن ميعاد جوازنا، وعن حاجات خاصة ما كنتش حكيتها لحد.

سألتها:

— وإيه علاقة ده باللي حصل بينا؟

ردت:

— في البداية، ما فهمتش. لكن بعد ما اتهمتني بالحمل من راجل تاني، وبعد ما راجعت الرسائل اللي وصلت لك في اليوم ده، بدأت أشك إن فيه حد كان بيتدخل بينا.

حسيت ببرودة في جسمي.

— تقصدي إن حد كان بيوقع بينا؟

هزت رأسها ببطء.

— مش هقدر أتهم حد من غير دليل. لكن فيه حاجة اكتشفتها بعد كده، وخلتني أفهم إن اللي حصل ما كانش مجرد سوء تفاهم.

سألتها بلهفة:

— إيه هي؟

بصت ناحية الحضانة، وبعدها رجعت بصت لي.

— قبل ما أقابلك في اليوم ده، حد بعت لك صورة ورسالة خلتك تفتكر إني كنت مع راجل تاني. صح؟

اتجمدت مكاني.

دي كانت الحقيقة.

في اليوم ده، وصلت لي صورة لليلى واقفة مع زميل لها قدام المستشفى، ومعاها رسالة بتلمح إنها بتخدعني وإنها بتجهز تسيبني.

أنا ما سألتهاش حتى عن الصورة.

اعتبرتها دليل كافي، وواجهتها وأنا مليان غضب.

قلت بصوت واطي:

— أيوه، وصلت لي صورة.

ليلى أغمضت عينيها للحظة، وكأنها كانت بتتمنى إن شكها يطلع غلط.

وبعدين سألتني:

— ولسه محتفظ بيها؟

رديت:

— مش فاكر. غالبًا موجودة في موبايلي القديم.

قالت بسرعة:

— لازم تراجعها.

— ليه؟ إنتِ كنتِ بتعملي إيه مع الراجل ده؟

ردت من غير تردد:

— كان زميل ليا في المستشفى، وكنا بنتناقش في حالة مريض. الصورة كانت حقيقية، لكن الرسالة اللي اتبعتت لك كانت كذبة.

حسيت إن الأرض بتضيق بيا.

ثمانية شهور من الألم والبعد، وكل ده ممكن يكون بدأ بصورة اتفسرت غلط، ورسالة مجهولة صدقتها من غير ما أتحقق.

لكن ليلى ما خلصتش كلامها.

قالت:

— والأخطر من الصورة، يا عمر، إن الشخص اللي بعت لك الرسالة كان عارف تفاصيل عن حياتنا ما كانش المفروض يعرفها.

سألتها:

— يعني إيه؟

ردت وهي بتثبت عينيها في عيني:

— يعني الشخص ده كان قريب من واحد فينا أكتر مما كنا متخيلين.

قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، خرجت ممرضة من الحضانة وقالت:

— دكتورة ليلى، الطفل بدأ يستجيب للعلاج، لكن الدكتور المسؤول محتاج حضرتك تراجعي معاه نتائج الفحوصات.

قامت ليلى بسرعة، لكن قبل ما تمشي، التفتت ناحيتي وقالت:

— لو عايز تعرف باقي الحقيقة، افتح موبايلك القديم وراجع كل الرسائل اللي وصلتك في اليوم ده. ما تمسحش حاجة، وما تتسرعش في الحكم على أي حد.

وبعدين دخلت الحضانة.

فضلت قاعد مكاني، مش عارف أبدأ منين.

كنت داخل المستشفى علشان أزور خطيبتي، وفجأة لقيت نفسي قدام احتمال إن عندي ابن، وإن علاقتي القديمة انتهت بسبب كذبة صدقتها من غير دليل.

طلعت موبايلي، وبدأت أفتش عن موبايلي القديم في الصور والملفات اللي كنت محتفظ بيها على حسابي.

وبعد محاولات، افتكرت إن الجهاز موجود في درج مكتبي في البيت.

لكن قبل ما أقوم، وصلتني رسالة جديدة من رقم غير مسجل.

فتحتها، ولقيت فيها جملة واحدة:

«لو عرفت مين اللي بعت لك الصورة، هتكتشف إن الشخص ده لسه موجود في حياتك، وإنه مش ناوي يسيبك تعرف الحقيقة بسهولة».

وتحت الجملة، كانت فيه صورة قديمة ليا أنا وليلى، متاخدة قبل يوم انفصالنا بأيام.

لكن اللي خلاني أحس بالرعب، ما كانش الصورة نفسها.

كان اسم الشخص اللي بعتها.

لأن الاسم ده كان اسم إنسان بثق فيه، وبدخل بيته من غير استئذان، وعمري ما تخيلت إنه ممكن يكون له أي علاقة باللي حصل بيني وبين ليلى.

يتبع في الجزء الرابع والأخير…
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي كشفت خيانة أقرب الناس

فضلت باصص للموبايل، مش قادر أصدق الاسم اللي ظهر قدامي.

كريم… صاحبي وأقرب إنسان ليا من أيام الجامعة!

كريم كان الشخص اللي بحكيله كل أسراري، واللي وقف جنبي في أوقات كتير صعبة، واللي كنت باعتبره أخويا اللي ما جابتوش أمي.

إزاي يكون هو الشخص اللي ورا كل ده؟

إزاي يكون صاحبي هو اللي ساهم في تدمير علاقتي بليلى، وأنا كنت فاكر إن المشكلة كلها فيها؟

حاولت أتصل بيه، لكنه ما ردش.

بعت له رسالة أسأله فيها عن الصورة، لكنه تجاهلني.

في اللحظة دي، قررت إني مش هفضل واقف مستني إجابات من حد مش عايز يتكلم.

قمت من مكاني، وخرجت من المستشفى، لكن قبل ما أمشي، بصيت ناحية باب الحضانة.

كان نفسي أشوف الطفل، أعرف شكله، وأتأكد إذا كان فعلًا ابني.

لكن ليلى كانت واضحة من البداية: لازم أعرف الحقيقة، ولازم أحترم حدودها، وما أتعاملش مع الطفل كأنه وسيلة أرجع بيها لحياتها.

ركبت عربيتي واتجهت للبيت، وكل سؤال في دماغي كان بيولد عشرة أسئلة تانيين.

ليه كريم عمل كده؟

هل كان بيحاول يحميني من حاجة، ولا كان عنده سبب شخصي يخلّيه يكره علاقتي بليلى؟

وهل كان عارف إن ليلى حامل، ولا دي كانت مجرد صدفة استغلها؟

وصلت البيت، وفتحت الدرج اللي كنت حاطط فيه موبايلي القديم.

بعد ما شغلته، بدأت أراجع الرسائل والصور اللي وصلتني في اليوم المشؤوم ده.

لقيت الصورة فعلًا.

كانت ليلى واقفة مع زميلها قدام المستشفى، وفي رسالة تحت الصورة مكتوب فيها إنها بتخدعني، وإنها بتقابل الراجل ده من ورايا.

لكن لما دققت في تفاصيل الصورة، لاحظت حاجة ما كنتش واخد بالي منها قبل كده.

الصورة كانت متاخدة من بعيد، ومفيهاش أي دليل على وجود علاقة بين ليلى والراجل.

كل اللي فيها إنهم واقفين بيتكلموا.

أما الرسالة، فكانت مكتوبة بطريقة توحي إن صاحبها يعرف ليلى كويس، لكنه ما قدمش أي دليل حقيقي على كلامه.

فتحت تفاصيل الرسالة، وحاولت أراجع الرقم اللي اتبعتت منه.

وبعد شوية بحث، اكتشفت إن الرقم كان مرتبطًا بشريحة قديمة اشتراها كريم من فترة، وكنت فاكر إنه بطل يستخدمها.

حسيت إن قلبي هيقف.

ما بقيتش محتاج أخمن مين اللي بعت الرسالة.

لكن لسه ما كنتش أعرف السبب.

اتصلت بكريم مرة تانية.

المرة دي رد.

— أيوه يا عمر، خير؟

حاولت أتكلم بهدوء.

— محتاج أشوفك. موضوع مهم.

— موضوع إيه؟

قلت له مباشرة:

— موضوع الصورة اللي بعتها لي عن ليلى.

سكت.

الصمت اللي جه بعد كلامي كان كفاية يخليني أفهم إنه عارف أنا بتكلم عن إيه.

بعد ثوانٍ، قال:

— إنت لسه فاكر الموضوع ده؟

رديت:

— أيوه، ولسه فاكر كل كلمة قلتها لي يومها. عايز أعرف الحقيقة.

حاول يغير الموضوع، لكني أصريت على مقابلته.

وفي النهاية، وافق نقعد في كافيه قريب من بيتي.

لما وصل، كان باين عليه التوتر.

قعد قدامي، وطلب قهوة، وبعدها قال:

— بص يا عمر، أنا مش عايز نخسر صداقتنا بسبب موضوع قديم.

بصيت له في عينيه وقلت:

— صداقتنا اتأذت من يوم ما قررت تتدخل في حياتي من غير ما أعرف. أنا مش جاي أتشاجر معاك، أنا جاي أسمع الحقيقة.

نزل عينيه للحظة.

وبعدين قال:

— أيوه، أنا اللي بعت لك الصورة.

حسيت إن الكلام  في صدري.

سألته:

— ليه؟

اتنهد وقال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى