
— كنت فاكر إن ليلى مش مناسبة ليك، وإنك مستعجل في الجواز. كنت شايف إنك متعلق بيها زيادة عن اللزوم، وإنك ممكن تضيع فرص كتير في حياتك بسبب علاقتك بيها.
ضحكت بمرارة.
— فقررت تدمّر علاقتنا علشان مصلحتي؟
رد بسرعة:
— أنا ما كنتش متوقع إن الأمور توصل لكده!
قلت له:
— وإنت كنت متوقع إيه؟ إنك تبعت لي صورة لواحدة بتحبني، وتتهمها بالخيانة، وأنا أشكرك على النصيحة؟
سكت كريم.
وبعد لحظات، اعترف بحاجة تانية.
قال إنه كان بيتكلم مع بعض معارفنا عن علاقتي بليلى، وإنه سمع كلامًا غير مؤكد عن حملها، فقرر يستغل الموقف ويبعت الصورة والرسالة، معتقدًا إن ده هيخليني أنهي العلاقة.
سألته:
— وإنت كنت تعرف إن الطفل ابني؟
هز رأسه وقال:
— لأ، ما كنتش أعرف أي حاجة عن الحمل وقت ما بعت الصورة.
الكلام ده ما كانش كافي يبرئه من اللي عمله، لكنه وضح لي إن فيه فرقًا بين تدبيره للموقف وبين معرفته بالحمل.
قلت له:
— إنت ما كنتش صاحبًا خايفًا عليّا يا كريم. إنت أخدت قرارًا بدلًا مني، وحرمتني من فرصة إني أسمع الإنسانة اللي كنت بحبها.
حاول يعتذر، لكني ما كنتش قادر أسمع المزيد.
قمت من مكاني وقلت:
— أنا مش هقدر أرجع أثق فيك زي الأول. ومش عايز منك أي تبرير تاني. اللي حصل علّمني إن الثقة مش معناها إننا نصدق أي كلام من أقرب الناس لينا، والثقة كمان مش معناها إننا نسمح لحد يتحكم في حياة غيره.
ومشيت.
كنت موجوع، لكن لأول مرة من ثمانية شهور، بدأت أفهم إن المشكلة ما كانتش في الصورة وحدها.
المشكلة الحقيقية كانت إني اخترت أصدق الشك بدل ما أواجه الحقيقة.
في اليوم التالي، رجعت المستشفى.
ما رحتش علشان أضغط على ليلى، ولا علشان أطلب منها ترجع لي.
رحت لأن فيه طفل ممكن يكون ابني، وكان لازم أتعامل مع الموضوع بمسؤولية واحترام.
طلبت أقابل ليلى، وبعد شوية خرجت لي من مكتبها.
كانت أهدى من اليوم اللي قبله، لكنها ما زالت محافظة على مسافة واضحة بينا.
قلت لها:
— أنا عرفت مين اللي بعت الصورة.
بصت لي من غير ما تتكلم.
كملت:
— كريم اعترف إنه بعتها، وإنه كان عايزني أنهي علاقتي بيكي لأنه كان شايف إنك مش مناسبة ليا.
ليلى أغمضت عينيها للحظة، وبعدها قالت:
— كنت شاكّة إن فيه حد تدخل بينا، لكن ما كنتش أعرف مين.
قلت لها:
— أنا آسف يا ليلى. عارف إن كلمة آسف مش هتصلح اللي حصل، لكن أنا فعلًا ظلمتك.
ردت بهدوء:
— أيوه، ظلمتني يا عمر. وأنا مش هقول لك إن الموضوع كان سهل، ولا إني نسيت اللي حصل.
نزلت رأسي وقلت:
— أنا مش طالب منك تنسي. كل اللي بطلبه فرصة أعرف ابني، لو ثبت إنه ابني فعلًا، وأتحمل مسؤوليتي تجاهه.
سكتت للحظات، وبعدها قالت:
— ده حق الطفل قبل ما يكون رغبتك إنت. لكن لازم نمشي في الإجراءات الصحيحة، ونتأكد من النسب، ونراعي حالته الصحية.
هزيت رأسي بالموافقة.
— موافق على كل اللي تقوليه، المهم ما أضرّوش.
في اللحظة دي، حسيت إن ليلى بدأت تصدق إن كلامي مختلف عن المرات اللي فاتت، لكن ده ما كانش معناه إنها سامحتني، ولا إنها مستعدة ترجع لحياتي.
كانت بتديني فرصة أتصرف بمسؤولية تجاه الطفل، وده لوحده كان أكبر مما استحقه بعد اللي عملته.
بعد أيام، وباتباع الإجراءات الطبية والقانونية المناسبة، اتعمل فحص لإثبات النسب.
كانت الأيام دي من أصعب أيام حياتي.
كل ما الموبايل يرن، كنت أتمنى أسمع الخبر اللي هيحدد مستقبلي.
وفي يوم، اتصلت بي ليلى وطلبت مني أروح المستشفى.
لما وصلت، كانت قاعدة في مكتبها، وقدامها ظرف فيه نتيجة الفحص.
بصت لي وقالت:
— النتيجة ظهرت يا عمر.
ما قدرتش أتكلم.
مدت لي الورقة.
فتحتها، وبدأت أقرأ.
وبعد ثوانٍ، عيني امتلأت بالدموع.
الطفل كان ابني فعلًا.
كنت أبًا لطفل ما شفتوش قبل كده، وما حضرتش ولادته، وما كنتش موجودًا في أصعب لحظات حياته.
قعدت على الكرسي، وحطيت إيدي على وشي.
قلت بصوت متقطع:
— أنا ضيعت كل ده بإيدي.
ليلى ردت بهدوء:
— اللي فات مش هيتغير. لكن تقدر تختار هتعمل إيه من النهارده.
رفعت رأسي وسألتها:
— أقدر أشوفه؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة، وقالت:
— حالته اتحسنت، والدكاترة سمحوا بزيارات قصيرة وفقًا للتعليمات. تقدر تشوفه.
قامت، ومشيت قدامي لحد ما وصلنا لقسم حديثي الولادة.
وقفت قدام الحضانة، وهناك شفت ابني لأول مرة.
كان صغيرًا جدًا، ملفوفًا ببطانية ناعمة، ونايم بهدوء وسط الأجهزة الطبية اللي بتساعد الدكاترة يتابعوا حالته.
حطيت إيدي على الزجاج، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
همست:
— سامحني يا ابني. إنت مالكش ذنب في أي حاجة حصلت.
ليلى كانت واقفة جنبي، لكنها ما حاولتش تواسيني.
يمكن لأنها كانت عارفة إن اللحظة دي تخصني أنا والطفل، وإن الندم الحقيقي لازم يظهر في الأفعال، مش في الدموع.
فضلت أبص له لدقايق، وبعدها سألتها:
— سمّيتيه إيه؟
ردت:
— سليم.
كررت الاسم بصوت واطي:
— سليم…
كان اسمًا جميلًا، وتمنيت لو كنت موجودًا يوم اختارته.
سألتها:
— ليه ما اتصلتيش بيا لما اتولد؟
بصت لي وقالت:
— كنت محتاجة أحميه من أي صراعات. ولما اتولد قبل ميعاده، كل تفكيري كان في علاجه وسلامته. ما كنتش هقدر أفتح بابًا جديدًا للمشاكل وأنا بحاول أحافظ على حياته.
حسيت بالخجل من نفسي.
هي كانت بتحارب علشان طفلها، وأنا كنت عايش حياتي، مقتنعًا إني اتظلمت.
مرت أسابيع، وحالة سليم اتحسنت تدريجيًا، لحد ما الدكاترة سمحوا بخروجه من المستشفى.
بدأت أشارك في مصاريفه ورعايته وفقًا للاتفاقات اللي تمت بيني وبين ليلى، والتزمت بكل التعليمات الخاصة بزيارته ومتابعة حالته.
ما حاولتش أفرض نفسي على ليلى، ولا استخدمت الطفل كوسيلة أرجع بيها لعلاقتنا القديمة.
كنت عارف إن الثقة اللي اتكسرت مش هترجع بكلمتين، وإن اعتذاري مهما كان صادقًا مش هيمسح الألم اللي عاشت فيه.
أما مريم، فكان لازم أكون صريح معاها.
قابلتها، وحكيت لها الحقيقة كاملة، من غير ما أخبي أي تفاصيل.
كانت صدمتها كبيرة، وقالت لي:
— إنت كنت هتتجوزني وإنت عندك طفل، من غير ما أعرف؟
قلت لها:
— أنا نفسي ما كنتش أعرف، لكن كان لازم أقول لك أول ما عرفت الحقيقة.
سكتت شوية، وبعدها قالت:
— أنا محتاجة وقت أفكر. الموضوع أكبر من إني أقدر أقرر فيه دلوقتي.
احترمت قرارها، وما ضغطتش عليها.
كنت بدأت أفهم إن كل شخص اتأثر بأخطائي من حقه ياخد وقته، وإن مش من حقي أطلب من الناس تسامحني لمجرد إني أخيرًا اعترفت بغلطتي.
وبعد فترة، قررت مريم تنهي خطوبتنا.
كان القرار مؤلمًا، لكني ما حاولتش ألومها.
هي كانت بتختار مستقبلها، زي ما كان المفروض أسيب ليلى تختار مستقبلها من البداية.
بعد شهور، بدأت حياة سليم تستقر، وبقيت أشوفه بانتظام، وأشارك في تفاصيل يومه الصغيرة.
أول مرة مسك صباعي بإيده الصغيرة، حسيت إن الدنيا كلها سكتت للحظة.
كنت عارف إن مش كل حاجة هترجع زي ما كانت، وإن علاقتي بليلى مش بالضرورة تتصلح، لكن على الأقل قدرت أبدأ أتحمل مسؤوليتي كأب.
وفي يوم، قابلت ليلى في حديقة قريبة من بيتها، وإحنا بنتمشى وسليم نايم في عربيته الصغيرة.
قلت لها:
— ليلى، أنا عارف إنك مش مطالبة تسامحيني، لكن عايزك تعرفي إني فهمت غلطتي.
بصت لي بهدوء.
كملت:
— أنا كنت فاكر إن الحب معناه إني أثق في الشخص طول ما الأمور ماشية زي ما أنا عايز. لكن لما حصل موقف شكّكني، اخترت أصدق اللي يوافق خوفي بدل ما أسمع منك.
ليلى سكتت شوية، وبعدها قالت:
— أنا حبيتك يا عمر، وكنت أتمنى إنك تثق فيّا كفاية علشان تسمعني. لكن اللي حصل علّمني إني ما ينفعش أبني حياتي على وعد من شخص ممكن يتخلى عني أول ما يشك.
هزيت رأسي وقلت:
— عندك حق.
وبعدين سألتها:
— هل ممكن في يوم تسامحيني؟
بصت لسليم، وعدلت الغطاء اللي عليه، وبعدها قالت:
— يمكن أسامحك علشان أرتاح من وجع الماضي، لكن ده مش معناه إن حياتنا هترجع زي الأول. أنا اتغيرت يا عمر، وإنت كمان لازم تتغير.
ما طلبتش منها وعدًا، وما حاولتش أقنعها ترجع لي.
اكتفيت إني قلت:
— أتمنى أكون أبًا يستحق سليم، حتى لو ما بقيتش الشخص اللي كنتِ بتحلمي تتجوزيه.
ابتسمت ابتسامة هادية، وقالت:
— أهم حاجة تثبت ده بأفعالك.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحقيقة مش دايمًا بترجع لنا اللي خسرناه، وإن الندم مش عصا سحرية تمسح الماضي.
لكن الحقيقة بتدينا فرصة نختار طريقًا أفضل، حتى لو كان الطريق ده مختلفًا تمامًا عن اللي كنا بنتمناه.
ومن يومها، اتعلمت أصعب درس في حياتي:
مش كل صورة دليل، ومش كل رسالة حقيقة، ومش كل شخص قريب مننا بيكون فاهم مصلحتنا أكتر مننا.
وأحيانًا، كلمة قاسية بنقولها في لحظة غضب، أو اتهام بنوجهه من غير دليل، ممكن يغيّر حياة ناس كتير، ويخلينا نخسر حاجات ما نقدرش نعوضها.
أما أنا، فهفضل طول عمري ممتن إن الحقيقة ظهرت قبل ما أخسر فرصة إني أعرف ابني.
لأن سليم ما كانش محتاج أبًا ما بيغلطش.
كان محتاج أبًا يعترف بغلطه، ويتعلم منه، ويكون موجودًا في حياته.
النهاية.




