روايات وقصص

القصة كاملة مريم الشاذلي بقلم محمد عبده

أحمد بص لي وقال:

— إنتِ متأكدة؟

— أيوه، متأكدة مليون في المية. في الوقت ده أنا ما كنتش حتى أعرف الشركة دي!

قلب أحمد الصفحة اللي بعدها.

كانت صورة بطاقة شخصية قديمة، ومعاها ورقة تفويض مكتوب فيها اسمي بالكامل.

لكن تاريخ إصدار التفويض كان قبل ما أستلم أول بطاقة وظيفية ليا في القوات المسلحة.

حسيت بدوخة، وقعدت على أقرب كرسي.

كل المستندات دي معناها إن استخدام اسمي ما بدأش من شهور، ولا حتى من سنة.

في حد بيستخدم هويتي من سنين طويلة، ويمكن من قبل ما أعرف أصلًا إن في حاجة اسمها تزوير!

أحمد طلب من الضباط الاحتفاظ بالمستندات لفحصها ومراجعتها مع الجهات المختصة.

وبعدين التفت لأبويا وسأله:

— هل تعرف إزاي الأوراق دي وصلت للملف؟

أبويا رد بصوت خافت:

— أنا ما عملتش كل ده لوحدي.

أمي رفعت رأسها فجأة.

— محمود، بلاش!

لكنه كمل كلامه:

— كان فيه شخص تاني بيساعدني في إدارة بعض المعاملات، وهو اللي كان بيتولى تجهيز الأوراق.

أحمد سأله:

— مين الشخص ده؟

أبويا سكت شوية، وبعدها قال اسمًا خلاني أحس إن الدنيا وقفت.

— أخو مريم… كريم.

بصيت لأبويا وأنا مش مصدقة.

كريم أخويا الأصغر، اللي كنت فاكرة إنه مجرد شاب بيحاول يبدأ حياته، وإن مشاكله كلها بسبب ديون ومصاريف وشغل مش مستقر.

قلت بصدمة:

— كريم ماله بكل ده؟! إنت بتتهم ابنك علشان تنقذ نفسك؟!

أبويا رفع عينه ليا وقال:

— أنا مش بتهمه. أنا بقول لك إنه كان عارف حاجات كتير.

أمي بدأت تعيط.

— كريم ما كانش فاهم هو داخل على إيه! محمود هو اللي ورّطه!

أحمد طلب منها تهدى، وسألها:

— حضرتك بتقولي إن كريم كان متورط في المعاملات دي؟

نادية هزت رأسها وهي بتعيط.

— هو كان بيمضي على ورق، وكان فاكر إنها إجراءات عادية تخص الشركة. لكن لما اكتشف إن فيه مبالغ بتتحول بطريقة مش قانونية، حاول يبعد.

بصيت لها بذهول.

— وإنتِ كنتِ عارفة وساكتة؟!

قالت وهي بتبص لي:

— كنت خايفة على ولادي.

صرخت فيها:

— ولادك؟! وأنا مش بنتك؟! إنتِ كنتِ مستعدة تسيبيني أتحاسب على جريمة ما عملتهاش علشان تحمي كريم؟!

ما قدرتش ترد.

وفي اللحظة دي، موبايل أبويا رن مرة تانية.

المرة دي، أحمد طلب من الضباط توثيق الاتصال بالطريقة القانونية، وبعدها سمح باستكمال الإجراءات المتعلقة بفحص الهاتف.

ظهر اسم المتصل على الشاشة.

كريم الشاذلي.

أبويا بص للموبايل، وبعدها بص لي.

وأنا حسيت إن آخر خيط من الثقة اللي كان باقي بيني وبين عيلتي بيتقطع.

أحمد سألني:

— مريم، تقدري تتواصلي مع أخوكي وتعرفي مكانه؟

هزيت رأسي ببطء.

— أقدر أحاول، بس مش عارفة إذا كان هيرد عليَّ ولا لأ.

أحمد قال:

— مش مطلوب منك تعملي أي حاجة بنفسك. أي تواصل لازم يتم بطريقة قانونية، ومن خلالنا.

بعدها طلب من أحد الضباط تسجيل بيانات الاتصال ومتابعة الإجراءات اللازمة.

لكن قبل ما المكالمة تنتهي، وصلت رسالة جديدة من كريم على موبايل أبويا.

كانت قصيرة جدًا:

«أنا عارف إنكم لقيتوا الملف. بس فيه حاجة مريم لازم تعرفها قبل ما الوقت يفوت… البصمة اللي لقيتوها مش هي الدليل الأخطر.»

حسيت ببرودة تسري في جسمي.

بصيت للنقيب أحمد، وهو قرأ الرسالة مرة تانية.

وبعدين رفعت عيني ناحية أمي.

كانت بتعيط، لكنها ما كانتش بتبص لي.

كانت بتبص للحقيبة الجلدية المفتوحة.

وتحديدًا للفلاشة الصغيرة اللي لسه محدش عرف محتواها بالكامل.

قربت منها خطوة وسألتها:

— ماما، إيه الموجود على الفلاشة دي؟

نادية مسحت دموعها، وبصت لي أخيرًا.

وقالت بصوت مكسور:

— تسجيل قديم… لو اتسمع، كل حاجة هتتغير.

أحمد طلب من الضباط التعامل مع الفلاشة وفق الإجراءات الفنية، علشان يتم فحص محتواها وحفظه من غير ما يتعرض للتغيير.

وبينما الكل كان مستني نتيجة الفحص، أمي مسكت إيدي فجأة.

كانت إيدها ساقعة وبتترعش.

قربت مني وهمست:

— يا مريم، أوعديني إنك مهما سمعتي، هتسمعيني للآخر.

سحبت إيدي منها وقلت:

— أنا مش هقدر أوعدك بحاجة قبل ما أعرف الحقيقة.

نادية نزلت رأسها، وبعد لحظات قالت الجملة اللي خلتني أحس إن كل اللي فات ما كانش غير بداية الكارثة:

— أبوكي مش هو اللي بدأ سرقة هويتك… أنا اللي ساعدته من أول يوم، لكن مش علشان الفلوس. أنا عملت كده علشان أحميكي من سر أكبر، سر لو عرفتيه هتفهمي ليه أبوكي كان بيخاف من يوم رجوعك لمصر أكتر من خوفه من المساءلة القانونية!

وقبل ما أقدر أسألها تقصد إيه، دخل أحد الضباط وقال للنقيب أحمد:

— يا فندم، نتيجة الفحص الأولي أظهرت إن الفلاشة فيها تسجيل صوتي قديم، ومذكور في اسم الملف تاريخ يوم ميلاد المقدم مريم الشاذلي.

أحمد بص لي.

وأنا بصيت لأمي.

إيه علاقة يوم ميلادي بكل الجرائم دي؟ وليه أمي بتقول إنها كانت بتحميني، مع إنها شاركت في تزوير هويتي؟

السؤال ده ما بقاش مجرد فضول.

لأن الإجابة كانت ممكن تكشف إن أكبر سر في حياتي اتدفن جوه بيتنا سنين طويلة.

يتبع في الجزء الثالث والأخير…

الجزء الثالث والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة مريم الشاذلي
وقفت قدام النقيب أحمد منصور، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاّني.

الفلاشة الصغيرة اللي كانت جوه الحقيبة الجلدية بقت فجأة أخطر من كل الأوراق اللي لقيناها.

أحمد بص للضابط اللي جابها، وسأله:

— التسجيل اتفحص؟

الضابط رد:

— أيوه يا فندم، تم حفظ نسخة منه، وهنعرضه لحضرتك بعد ما نتأكد من سلامة الملف.

أحمد هز راسه، وبعد دقائق بدأ التسجيل يشتغل على جهاز مخصص للفحص.

في البداية، ما سمعناش غير صوت تشويش خفيف، وبعدها ظهر صوت راجل بيتكلم بنبرة غاضبة.

الصوت كان قديم، لكنه واضح.

«محمود، أنا مش هسمح لك تستخدم اسم البنت في شغلك تاني. مريم مالهاش ذنب في اللي حصل بينا!»

أبويا أول ما سمع الصوت، غمض عينيه وحط إيده على وشه.

أما أمي، فبدأت تعيط بصوت مكتوم.

التسجيل كمل.

«إنت وعدتني إنك هتوقف كل حاجة، وإنك مش هتقرّب من مستقبلها. لو استخدمت بياناتها مرة تانية، أنا هكشف كل المستندات، حتى لو ده هيهدّ البيت كله!»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى