روايات وقصص

القصة كاملة مريم الشاذلي بقلم محمد عبده

بعدها سمعنا صوت أبويا.

— إنت فاكر إنك تقدر تحذرني؟ كل حاجة اتعملت بموافقتك من الأول!

الراجل التاني رد بعصبية:

— أنا وافقت على شغل قانوني، مش على تزوير وسرقة! وإنت عارف كويس إن مريم ما تعرفش أي حاجة!

وفجأة، التسجيل انتهى.

فضلت واقفة مكاني، وببص لأبويا.

قلت بصوت مرتعش:

— مين الراجل ده؟

أبويا ما ردش.

أحمد رجع التسجيل لجزء من الثانية، وطلب رفع الصوت في آخر المقطع.

المرة دي، سمعنا جملة أخيرة ما كانتش واضحة في المرة الأولى:

«لو حصل لي أي حاجة، سلّموا مريم الملف الأزرق… هي صاحبة الحق الحقيقي.»

أحمد وقف التسجيل.

وبص لأبويا وقال:

— مين صاحب التسجيل؟

أبويا فضل ساكت.

لكن أمي رفعت رأسها وقالت:

— حسن الدمنهوري.

نفس الاسم اللي لقيناه مكتوب على الصورة القديمة.

بصيت لها وقلت:

— هو غاب؟

أمي هزت رأسها ببطء.

— أيوه، من سنين. أو على الأقل ده اللي اتقال لنا.

سألتها بصدمة:

— يعني إيه «ده اللي اتقال لنا»؟ إنتِ مش عارفة غاب إزاي؟!

ردت وهي بتمسح دموعها:

— حسن اختفى بعد الخلاف اللي حصل بينه وبين أبوكي. وبعد فترة، وصلنا خبر إنه غاب، لكن ما شفناش أثره، وما حضرناش توديعه، وما كانش عندنا أي مستندات واضحة تثبت تفاصيل غيابه.

أحمد دوّن الكلام، وطلب من الضباط مراجعة المستندات القديمة والتحقق من الواقعة من خلال الجهات المختصة.

أما أنا، فكنت حاسة إن حياتي كلها بتتفكك قدامي.

راجل غريب اختفى من أكتر من عشرين سنة، وأبويا عنده تسجيل بصوته، وبيتكلم عني وكأني صاحبة حق في حاجة أنا ما أعرفهاش أصلًا.

بصيت لأمي وسألتها:

— إنتِ قلتي إنك كنتِ بتحميني. بتحميني من إيه؟!

نادية فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:

— من يوم ما اتولدتي، وأبوك كان مصمم إن كل حاجة تخصك تبقى تحت سيطرته. كان بيقول إنك هتبقي أهم شخص في العيلة، وإن مستقبلك ممكن يفتح له أبواب كبيرة.

رديت عليها بمرارة:

— وأنا كنت فاكرة إنكم فخورين بيا علشان تعبي ومجهودي!

أمي هزت رأسها وهي بتعيط.

— أنا كنت فخورة بيكي فعلًا يا بنتي، لكني كنت ضعيفة. كنت شايفة اللي بيحصل، وبدل ما أوقفه، فضلت أسكت كل مرة.

— ولما زوّرتي بصمتي؟

نزلت عينيها للأرض.

— أبوكي قال لي إن الموضوع مجرد إجراء مؤقت، وإنه محتاج يثبت إن عنده صلاحية يتصرف في بعض ممتلكات الشركة. قال لي إن مفيش أي فلوس هتتسرق، وإن كل حاجة هترجع لأصحابها.

صرخت فيها:

— وإنتِ صدقتيه؟!

قالت بصوت مكسور:

— كنت عايزة أصدقه.

الجملة دي كانت أقسى من أي اعتراف.

لأن أمي ما كانتش بتقول إنها ما تعرفش، ولا إنها ما شاركتش.

كانت بتعترف إنها اختارت تصدق الكذبة اللي تريحها، حتى لو كان الثمن مستقبلي ومستقبل أخويا.

لكن لسه فيه سؤال واحد ما لقيتش له إجابة.

إيه حكاية الملف الأزرق؟

أحمد طلب استكمال فحص محتويات الحقيبة، وبعد دقائق ظهر ملف أزرق قديم، كان محشورًا في تجويف داخلي مبطن بالجلد.

الملف كان جواه عقود ملكية، وكشوف حسابات، ومستندات تخص شركة قديمة اتأسست قبل أكتر من عشرين سنة.

وكان فيه كمان مستند ممهور بتوقيع موثّق، بيشير إلى وجود حصة مالية كبيرة مسجلة لصالح شخص اسمه مريم محمود الشاذلي.

اسمي.

لكن التاريخ كان سابقًا على تاريخ دخولي الكلية العسكرية بسنين.

أحمد بص للمستند، وقال:

— لازم نتأكد من صحة الأوراق دي، ونتحقق من مصدرها وسلامة التوقيعات، لكن واضح إن الملف مرتبط بالخلاف القديم بين محمود الشاذلي وحسن الدمنهوري.

قربت من الورقة.

كانت بتشير إلى حصة في شركة وممتلكات مرتبطة بها، لكن من غير ما تثبت وحدها إن ليَّ حق نهائي في المبالغ المذكورة.

سألت أبويا:

— إنت كنت عارف إن فيه ممتلكات مسجلة باسمي؟

أبويا رفع رأسه أخيرًا.

— أيوه.

حسيت إن نفسي اتقطع.

— من إمتى؟

رد بصوت خافت:

— من يوم ما اتولدتي تقريبًا.

— وليه ما قلتليش؟!

قال:

— لأن لو كنتِ عرفتي، كنتِ هتسألي عن حسن، وعن الشركة، وعن الفلوس اللي اختفت. وأنا ما كنتش مستعد أخسرك.

ضحكت بمرارة.

— تخسرني؟! إنت اللي سرقت هويتي، واستخدمت اسمي في تحويلات مالية، وخلّيتني ممكن أتحاسب على حاجات ما عملتهاش! إنت كنت بتحميني ولا بتحمِي نفسك؟!

أبويا ما عرفش يرد.

وفي اللحظة دي، النقيب أحمد قال بوضوح:

— يا أستاذ محمود، فيه فرق بين إنك تكون صاحب حق في ممتلكات، وبين إنك تستخدم هوية شخص تاني أو توقيعه من غير إذنه. أي حق مالي لازم يتثبت بالطريق القانوني، ومفيش حاجة تبرر تزوير المستندات.

أبويا نزل رأسه.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.

اختفاء كريم
بعد ما الضباط خلصوا جزءًا من فحص المستندات، أحمد رجع سأل عن كريم.

كان أخويا الأصغر هو الشخص الوحيد اللي ممكن يفسّر بعض التحويلات الحديثة، خصوصًا إن اسمه ظهر في أوراق مرتبطة بالشركة.

لكن محدش كان عارف مكانه.

حاولت أتصل بيه من موبايلي، لكنه ما ردش.

بعت له رسالة:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى