روايات وقصص

القصة كاملة مريم الشاذلي بقلم محمد عبده

«كريم، أنا مش عايزة أتهمك قبل ما أسمع منك. لو ليك علاقة بالموضوع، لازم تقول الحقيقة. أنا أختك، ومش هقبل أتحاسب على حاجة ما عملتهاش.»

بعد دقائق، وصلتني منه رسالة.

«أنا ما سرقتش فلوسك يا مريم. أنا غلطت لما سكت، لكن فيه ناس أكبر مني كانت بتتحكم في كل حاجة. قابليني في المكان اللي كنا بنروح له مع جدو زمان، وهقول لك كل حاجة.»

أول ما قريت الرسالة، حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.

المكان اللي كنا بنروح له مع جدو كان بيت قديم للعيلة في مصر الجديدة.

لكن قبل ما أتحرك، وريّت الرسالة للنقيب أحمد.

قال لي بحزم:

— مش هتروحي تقابليه لوحدك. إحنا هنتعامل مع الموضوع بالطريقة القانونية، وهنحاول نحدد مكانه ونتأكد إنه آمن.

وبالفعل، تم التعامل مع المعلومات اللي وصلت في إطار التحقيق.

بعد وقت، قدر الضباط يتواصلوا مع كريم، واتفقوا على حضوره لسماع أقواله بمعرفتهم.

لما دخل، كان شكله مرهق جدًا، ووشه شاحب.

أول ما شافني، وقف مكانه.

قلت له:

— إنت كنت عارف إنهم بيستخدموا اسمي؟

كريم نزل رأسه.

— عرفت متأخر يا مريم.

— إمتى؟

قعد على الكرسي وقال:

— من حوالي سنة، أبويا طلب مني أراجع بعض حسابات الشركة. في البداية، كل اللي شوفته كان فواتير وعقود عادية. لكن بعد فترة، بدأت تظهر تحويلات بمبالغ كبيرة، وأسماء أشخاص ما أعرفهمش، ومستندات عليها توقيعك.

حسيت بغضب شديد.

— وعملت إيه لما شفت اسمي؟

قال:

— واجهت أبويا. قال لي إنك موافقة، وإن كل حاجة قانونية، وإنك مش عايزة حد يعرف تفاصيل شغلك المالي. صدقته في الأول، لكن لما لقيت مستندات بتاريخ إنتِ كنتِ فيه خارج مصر، بدأت أشك.

— يعني كنت عارف إن فيه حاجة غلط، وسكت!

هز رأسه بحزن.

— أيوه. خفت. أبويا قال لي إنه لو فتحت بقي، هيتهمني إني أنا اللي جهزت الحسابات، وإن كل المستندات موجودة بتوقيعي.

بصيت له بصدمة.

— وإنت فعلًا جهزت الحسابات؟

رد بسرعة:

— جهزت بعض الكشوف والمستندات الإدارية، وده غلط إني ما راجعتوش كويس. لكن أنا ما زورتش توقيعك، وما كنتش عارف كل تفاصيل التحويلات. وأنا مستعد أقدم كل اللي عندي للنيابة.

أحمد سأله:

— عندك دليل على كلامك؟

كريم أخرج من حقيبته مجموعة أوراق، وقال:

— عندي نسخ من مراسلات وفواتير، وفيه رسائل بتوضح مين طلب تجهيز بعض المستندات. كمان فيه تحويلات دخلت حسابات مرتبطة بشركة تانية، مش حسابي الشخصي.

أحمد تسلم الأوراق وفق الإجراءات، وطلب مراجعتها ومقارنتها بالمستندات الموجودة في الحقيبة.

كريم بص لي وقال:

— أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. أبويا ما كانش لوحده في الموضوع.

سألته:

— مين معاه؟

قال:

— كان فيه محاسب اسمه سامح فوزي، هو اللي كان بيجهز جزءًا كبيرًا من المعاملات. وكان بيتواصل مع شخص تاني مسؤول عن تحويلات الشركات. أنا ما أعرفش كل هويته، لكن اسمه ظهر في مراسلات داخلية.

أحمد دوّن الاسم وطلب التحقق من دور كل شخص قبل توجيه أي اتهام.

بعدها، كريم أخرج ورقة أخيرة.

— دي أهم حاجة لقيتها. ورقة فيها موعد التحويل الكبير اللي كان مقرر بكرة.

بصيت للورقة.

كان فيها نفس المبلغ: ٤٢٠ مليون جنيه.

لكن جنب المبلغ كان مكتوب ملاحظة صغيرة:

«التحويل مش هيتنفذ إلا بعد تأكيد صلاحية التوقيع الإلكتروني.»

أحمد رفع رأسه فورًا.

— يعني فيه خطوة لسه ما حصلتش؟

كريم رد:

— أيوه. من اللي فهمته، كانوا محتاجين موافقة إلكترونية أخيرة، أو مستند إضافي، علشان المبلغ يتحرك. لكن أنا ما أعرفش مين كان هيقدم الموافقة دي.

بصيت للنقيب أحمد وقلت:

— يبقى لازم نوقف أي إجراء ممكن يضر الناس أو يخلّي الفلوس تختفي.

رد:

— إحنا هنتحرك من خلال النيابة والجهات المختصة، وهنراجع كل التفاصيل قبل أي إجراء.

لأول مرة من بداية الكارثة، حسيت إن فيه فرصة إن الحقيقة تظهر كاملة.

لكن كان لسه فيه شخص لازم أواجهه.

أمي.

اعتراف نادية
بعد انتهاء الإجراءات الأولى، طلبت من أمي نتكلم بعيد عن باقي الموجودين، لكن في وجود الضابط المسؤول عن سماع أقوالها.

كانت قاعدة على كرسي، وإيديها فوق بعضها، ووشها باين عليه التعب.

قلت لها:

— يا ماما، أنا مش هسألك ليه حبيتي بابا أكتر مني، لأن الحب مش المفروض يبقى بالشكل ده. أنا عايزة أعرف ليه اخترتي تساعديه على حسابي.

أمي رفعت عينيها ليا، والدموع بتنزل على خدودها.

— أنا ما اخترتش أحب أبوكي أكتر منك. أنا خفت من اللي ممكن يحصل للعيلة لو اعترضت عليه.

— فقررتي تخليني أنا اللي أدفع الثمن؟

ما ردتش.

كملت كلامي:

— إنتِ عارفة إن التوقيع المزور ممكن يضيّع مستقبلي؟ عارفة إن أي تحويل بالمبلغ ده ممكن يخليني أتحط في موقف صعب جدًا؟ أنا قضيت سنين ببني اسمي وشغلي، وإنتِ سمحتي لحد يستخدم اسمي كأنه ملكه!

نادية غطت وشها بإيديها.

— كنت فاكرة إني هقدر أصلح كل حاجة بعدين.

قلت لها:

— كل مرة بنقول فيها «بعدين» وإحنا عارفين إننا بنغلط، بنكون بنختار الغلط من جديد.

رفعت رأسها وقالت:

— عندك حق.

وبعدين اعترفت إنها ساعدت محمود في بعض الإجراءات، وإنها احتفظت بنسخة السيليكون الخاصة ببصمتي بعد ما فهمت إن استخدامها ممكن يكون غير قانوني، لكنها ما سلمتهاش للجهات المختصة.

وقالت إنها كانت عارفة إن فيه تحويلات مالية غير طبيعية، لكنها ما كانتش تعرف كل تفاصيلها.

أما قصة بصمتي، فكانت جزءًا من محاولة تجهيز مستندات مزيفة لإظهار إنني وافقت على بعض الإجراءات، رغم إني ما كنتش على علم بيها.

سألتها:

— والملف الأزرق؟

قالت:

— أبوكي كان خايف إنك تكتشفي إن فيه ممتلكات وحصة مالية مرتبطة باسمك من زمان، وإنك تطلبي مراجعة كل المستندات القديمة. كان خايف إن التحقيق في حقوقك يكشف كمان المعاملات اللي اتعملت باسمك من غير إذنك.

فهمت وقتها إن الملف الأزرق ما كانش دليلًا على إنني شاركت في السرقة، لكنه كان خيطًا يقود إلى خلاف مالي قديم، وإلى ممتلكات محتاجة مراجعة قانونية دقيقة.

لكن ده ما كانش معناه إن كل شيء اتكشف.

كان لازم التحقيق يحدد مين زوّر المستندات، ومين استفاد من الأموال، وإيه مصير المبالغ اللي خرجت من الحسابات.

أمي بصت لي وقالت:

— أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. كل اللي أقدر أقوله إني غلطت، ومستعدة أتحمل نتيجة اللي عملته.

بصيت لها، وحسيت إن جوايا وجع أكبر من الغضب.

كنت محتاجة أمي في اللحظة دي، لكني ما كنتش قادرة أرجع أثق فيها.

قلت لها:

— أنا مش هكدب وأقول لك إني سامحتك. يمكن في يوم أقدر أسامحك، لكن ده مش معناه إني هسمح لأي حد يستخدم حبي ليه علشان يغطّي على الغلط.

نادية هزت رأسها، وما حاولتش تدافع عن نفسها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى