
الحقيقة تظهر أمام النيابة
مرت الأيام التالية في تحقيقات ومراجعة مستندات وسماع أقوال.
تم التحفظ على المستندات والأجهزة محل الفحص، وبدأت الجهات المختصة تتتبع التحويلات المالية المرتبطة بالشركة.
واتضح من الفحص الأولي وجود مستندات تحمل توقيعات منسوبة لي من غير ما أكون قد وقّعتها، إلى جانب معاملات مالية تحتاج إلى مراجعة تفصيلية.
أما مبلغ الـ٤٢٠ مليون جنيه، فكان تحويلًا مقررًا ولم يكن دليلًا وحده على إن المبلغ كله اتسرق بالفعل. التحقيق كان لازم يحدد مصدر الأموال، والجهة المستفيدة، وما إذا كانت هناك محاولات للاستيلاء عليها بطريقة غير قانونية.
وبعد مراجعة السجلات، ظهرت أسماء شركات وسيطة وحسابات مرتبطة بأشخاص كانوا بيتعاملوا مع مجموعة النيل للمقاولات والخدمات.
كمان اتجمعت أدلة إضافية حول دور محمود الشاذلي في إعداد بعض المستندات، ودور نادية في الاحتفاظ بنموذج البصمة، ودور كريم في مراجعة بعض الحسابات وتجهيز أوراق إدارية.
لكن كل شخص كان لازم يتحاسب على دوره الفعلي، مش لمجرد إنه من العيلة.
النقيب أحمد منصور استدعاني لسماع أقوالي بخصوص العربية والتوقيعات والمستندات اللي اتعملت باسمي.
سألني:
— يا مريم، هل سبق ووافقتِ على أي تفويض يسمح لوالدك بالتصرف في ممتلكاتك أو استخدام بياناتك العسكرية؟
قلت بوضوح:
— لا يا فندم. أنا ما وافقتش على استخدام هويتي، وما وقعتش على المستندات اللي اتعرضت عليَّ.
سألني عن العربية.
قدمت له بيانات الملكية والمستندات المتاحة، وطلبت إثبات إنها كانت محفوظة في مكان مؤمَّن، وإن نقلها تم من غير موافقتي.
بعدها، بدأت إجراءات مراجعة سجل استلام السيارة، والتأكد من الشخص اللي قدّم التفويض المستخدم في نقلها.
وبكده، القضية ما بقتش مجرد خلاف عائلي.
بقت قضية تزوير واستعمال مستندات منسوبة لشخص تاني، ومعاملات مالية لازم تتراجع، وحقوق لازم ترجع لأصحابها لو ثبت الاستيلاء عليها.
وبعد فترة، اتخذت الجهات المختصة الإجراءات القانونية اللازمة بحق الأشخاص اللي ظهرت أدلة على تورطهم، مع استمرار التحقيق في باقي الوقائع.
أما أنا، فكان عندي قرار لازم أخده.
هل أدفن كل اللي حصل علشان أحافظ على اسم العيلة؟
ولا أواجه الحقيقة حتى لو كان تمنها إن عيلتي تتفكك؟
الإجابة كانت واضحة بالنسبة لي.
أنا مش مسؤولة عن أخطاء أهلي، ومش هسمح لحد يحوّل اسمي لغطاء لجريمة ما عملتهاش.
المواجهة الأخيرة مع محمود الشاذلي
بعد مرور أسابيع، أتيحت لي فرصة أتكلم مع أبويا في إطار الزيارة المسموح بيها.
دخلت وأنا شايلة ملف صغير فيه صور من المستندات اللي اتضح إنها منسوبة لي من غير موافقتي.
محمود كان قاعد قدامي، وشكله اتغير عن آخر مرة شوفته فيها.
بص لي وقال:
— كنت عارف إنك هتيجي.
حطيت الملف على الترابيزة وقلت:
— أنا مش جاية أطلب منك اعتذار، ولا جاية أسمع مبررات. أنا جاية أقول لك إن كل حاجة اتكشفت، وإن التحقيق هيمشي في طريقه.
أبويا نزل عينه.
— مريم، أنا غلطت.
قلت له:
— الغلط إنك تاخد قرار وتندم عليه. لكن إنت استخدمت اسمي، وزوّرت أوراق، وخلّيتني أعيش شهور وأنا خايفة أكون متهمة في حاجة ما عملتهاش. ده مش غلط واحد يا بابا.
رفع عينه وقال:
— كنت فاكر إني بعمل كل ده علشان أحافظ على مستقبل العيلة.
رديت عليه:
— مستقبل العيلة ما بيتبنيش على سرقة حقوق الناس. ولو كنت فعلًا عايز تحمينا، كنت واجهت مشاكلك من غير ما تجرّنا وراك.
سكت فترة طويلة، وبعدها سألني:
— هتقدري تسامحيني يومًا ما؟
أخدت نفسًا عميقًا.
— مش عارفة. يمكن في يوم أقدر أسامحك كأبويا، لكن ده شيء مختلف عن إني أبرر اللي عملته. المسامحة مش معناها إن الحق يضيع، ولا إن الإنسان يرجع يثق في حد لمجرد إنه من عيلته.
محمود هز رأسه، وما قالش حاجة تاني.
قمت من مكاني، وقبل ما أخرج، قال:
— مريم، فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
لفيت ناحيته.
قال بصوت منخفض:
— حسن الدمنهوري ما كانش عايز يضرك. هو فعلًا كان بيحاول يحافظ على حقك، وأنا اللي خفت من اليوم اللي هتكتشفي فيه الحقيقة.
بصيت له للحظات.
— كان ممكن تقول لي الحقيقة من البداية.
وبعدين خرجت.
المرة دي، ما بصيتش ورايا.
النهاية: رجعت أملك حياتي
بعد شهور من التحقيقات والإجراءات القانونية، بدأت الصورة تتضح أكتر.
بعض المستندات ثبت إنها مزورة، وبعض المعاملات المالية اتضح إنها تمت من غير موافقتي، وبدأت الجهات المختصة تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوق أصحاب الأموال والتحقق من مصير المبالغ محل التحقيق.
أما ملف الممتلكات القديمة، فتمت مراجعته بشكل مستقل، لأن وجود اسمي في عقد أو مستند ما كانش كافيًا وحده لإثبات كل الحقوق المالية المذكورة فيه.
كريم تعاون في تقديم المستندات اللي كانت معاه، لكنه اضطر هو كمان يواجه أسئلة صعبة عن سبب سكوته ومشاركته في تجهيز بعض الأوراق.
وأمي، نادية، واجهت مسؤوليتها عن دورها في الاحتفاظ بنموذج بصمتي والمساعدة في الإجراءات اللي تمت باسمي.
ما رجعتش علاقتنا زي الأول.
كنت بكلمها أحيانًا، لكن الثقة اللي اتكسرت ما رجعتش في يوم وليلة.
أما أبويا، فبقى لازم يواجه نتائج اختياراته من خلال الإجراءات القانونية، من غير ما أقدر أو من حقي أقرر مسبقًا إيه الحكم اللي يستحقه.
وبالنسبة لي، رجعت أركز في شغلي وحياتي.
استعدت عربيتي بعد استكمال الإجراءات اللازمة، لكني اكتشفت إن قيمتها الحقيقية ما كانتش في تمنها.
كانت رمزًا لحاجة أكبر: حقي في إن ممتلكاتي وبياناتي واسمي يفضلوا تحت سيطرتي أنا، مش تحت سيطرة أي حد مهما كان قريب مني.
وفي يوم، كنت قاعدة لوحدي في البيت، قدامي الصورة القديمة اللي ظهر فيها أبويا مع حسن الدمنهوري.
بصيت للصورة فترة طويلة، وبعدين حطيتها في درج المكتب.
ما بقيتش محتاجة أعيش أسيرة لسر قديم.
اتعلمت إن الحقيقة ممكن توجع، وإن مواجهة الغلط ممكن تفرق العيلة، لكن السكوت عن الظلم مش هو اللي بيحافظ عليها.
العيلة مش مجرد أسماء بتجمعنا، ولا دم واحد بيجري في عروقنا. العيلة الحقيقية هي اللي تحافظ على حقك حتى لو كان الحق ده ضد مصلحتها.
وأنا، مريم الشاذلي، اخترت إني ما أكونش ضحية لأخطاء غيري.
اخترت أواجه الحقيقة، وأحمي اسمي، وأسيب القانون ياخد مجراه.




