
وقتها نور كانت بنت رجل أعمال معروف، وعندها أصول مالية وميراث كبير.
هي اللي عرضت عليه تمويل المشروع، وهي اللي رتبت أول اجتماع مع المستثمرين.
لكنه وقتها كان شايف نفسه أذكى من الجميع، وكان فاكر إن وجودها مجرد مساعدة مؤقتة لحد ما يقف على رجليه.
ومع مرور السنين، بدأ يتعامل معاها باعتبارها زوجة رجل الأعمال الناجح، مش شريكة في نجاحه.
في الإسكندرية…
وصلت نور إلى فيلا والدها القديمة.
كانت الفيلا واسعة، تطل على البحر، ومحاطة بحديقة كبيرة.
استقبلتهم مديرة المنزل، الحاجة فاطمة، اللي أول ما شافت نور جريت عليها وحضنتها.
— يا حبيبتي! إيه اللي حصل؟ إنتِ تعبانة؟ وشك باين عليه الإرهاق!
ابتسمت نور وقالت:
— أنا كويسة يا فاطمة، متقلقيش. بس محتاجة أقعد هنا كام يوم.
بصت فاطمة للأطفال، ولما لاحظت عيون ملك الحمرا من العياط، حضنتها وقالت:
— يا روح قلبي، مين زعلك؟ ده إنتِ في بيتك وبين أهلك.
ملك بصت لأمها وسألت:
— هو بابا مش هييجي هنا؟
نور حسّت بغصة في قلبها، لكنها حاولت تتماسك.
— بابا محتاج يفكر شوية يا حبيبتي.
دخل آدم مع جده القديم في الصور المعلقة على الحيطان، ووقف قدام صورة جده الغائب.
كان دايمًا بيسمع من أمه إن جده كان بيقول لها:
“الفلوس ممكن تروح وتيجي، لكن كرامتك لو فرطتي فيها مرة، هتتعبي عشان ترجعيها.”
افتكرت نور كلام والدها، وابتسمت بحزن.
في صباح اليوم التالي، وصل محامي نور إلى مقر شركة جاسر.
كان معاه ملف كبير، وطلب مقابلة رئيس مجلس الإدارة.
جاسر كان قاعد في مكتبه، وحواليه مجموعة من المديرين.
دخل المحامي وقال باحترام:
— صباح الخير يا أستاذ جاسر.
رد جاسر بحدة:
— اختصر. إنت جاي عايز إيه؟
فتح المحامي الملف وحط قدامه مجموعة من الأوراق.
— أنا جاي أسلم حضرتك إخطارًا رسميًا ببدء مراجعة قانونية شاملة لعقود الملكية والإدارة الخاصة بالمجموعة.
ضحك جاسر بسخرية.
— نور فاكرة إنها تقدر تخوفني بورقتين؟
رد المحامي بهدوء:
— المسألة مش تخويف يا أستاذ جاسر. دي حقوق قانونية ثابتة بمستندات حضرتك ماضي عليها بنفسك.
سحب جاسر الأوراق وبدأ يقرأ.
كانت أول ورقة عقد تأسيس الشركة الأم.
والورقة الثانية كانت اتفاق إدارة مدته محددة.
أما الثالثة، فكانت الأخطر.
كانت عبارة عن إقرار موقع منه، يؤكد فيه أن أي تصرف يهدف إلى إخفاء الأصول أو نقلها بصورة تضر بحقوق الشركاء، يترتب عليه مراجعة صلاحياته الإدارية.
رفع جاسر عينيه وقال:
— إنتوا بتحاولوا تأخذوا الشركة مني!
رد المحامي:
— محدش بيحاول ياخد حاجة مش من حقه. المطلوب بس إن كل طرف يلتزم بالعقد.
في اللحظة دي، دخل فؤاد مدير الحسابات مسرعًا.
— يا أستاذ جاسر، فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
— إيه تاني؟
— فيه اجتماع طارئ لمجلس الإدارة بكرة، وتم توجيه الدعوة لكل الشركاء، ومدام نور هتحضره بنفسها.
جاسر وقف من مكانه.
— هي جاية هنا؟
— أيوه يا فندم.
في نفس اليوم، اتصل جاسر بنور أكثر من مرة، لكنها لم ترد.
وفي المساء، وصلت رسالة قصيرة على هاتفه من رقم محاميها:
“يرجى الحضور غدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا إلى مقر المجموعة، لمناقشة الوضع القانوني والإداري.”
جاسر فضل يقرأ الرسالة أكثر من مرة.
أما سالي، فكانت قاعدة جنبه، وبدأ القلق يظهر على ملامحها.
قالت:
— جاسر، أنا مش فاهمة. هو ممكن نخسر القصر والشركات؟
رد بعصبية:
— محدش هيخسر حاجة! دي مجرد أزمة وهتعدي.
لكن سالي ما اقتنعتش.
وبعد شوية قالت:
— طيب لو نور هي المالكة فعلًا، إحنا هنعمل إيه؟
بصلها جاسر بغضب:
— إنتِ كمان بقيتي ضدّي؟
سكتت سالي، لكنها بدأت تفكر في حاجة واحدة.
هي دخلت حياة جاسر على أساس إنه رجل ثري يملك شركات وعقارات، ولو كل ده اتغير، فهل هتفضل معاه؟
في صباح اليوم التالي…
وصلت نور إلى مقر الشركة في سيارة سوداء فخمة.
كانت لابسة بدلة أنيقة، وشعرها متصفف ببساطة، وباين عليها التعب بسبب الحمل، لكن خطواتها كانت ثابتة.
نزل معاها المستشار شريف عزام، وخلفهم مجموعة من المحامين.
كان آدم وملك في رعاية الحاجة فاطمة داخل الفيلا.
دخلت نور المبنى، فوقف الموظفون من أماكنهم.
بعضهم كان عارف إنها زوجة جاسر فقط، وبعضهم كان يعرف إنها صاحبة الفضل في تأسيس المجموعة.
لكن محدش كان متخيل إنها هترجع بالشكل ده.
دخلت قاعة الاجتماعات.
كان جاسر قاعد على رأس الترابيزة، وبمجرد ما شافها قال بسخرية:
— أخيرًا افتكرتي إن ليكي مكان هنا؟
نور ما ردتش.
راحت قعدت في الكرسي المقابل له، وفتحت الملف اللي معاها.
بدأ الاجتماع، وطلبت من المستشار شريف يعرض المستندات الأصلية.
عرض أول عقد، وبعده الثاني، ثم وصل إلى مستند لم يكن جاسر يتوقع ظهوره.
كانت ورقة مكتوبة بخط والده الغائب، وموقعة من جاسر نفسه.
نظر إليها جاسر بصدمة.
— إيه الورقة دي؟
رفعت نور عينيها وقالت:
— دي آخر ورقة وقعتها مع أبويا قبل غيابه بشهور.
ثم أضافت:
— الورقة دي مش بس بتحدد ملكية الشركة… دي كمان بتكشف حقيقة المبلغ اللي أبويا دفعه عشان ينقذك من أكبر أزمة مالية قابلتك في حياتك.
تغير لون وجه جاسر.
— إنتِ بتقولي إيه؟
وقبل ما نور تكمل كلامها، دخل سكرتير مجلس الإدارة مسرعًا، وهمس في أذن رئيس المجلس.
قام الرجل من مكانه وقال:
— فيه شخص وصل وطلب يحضر الاجتماع، وبيقول إنه شاهد على توقيع الاتفاق القديم.
التفت الجميع ناحية الباب.
وظهرت سيدة مسنة، في أواخر الستينات، تستند على عصا، لكن ملامحها كانت مألوفة جدًا لجاسر.
اتسعت عيناه وقال بصوت مرتجف:
— طنط عايدة؟!
كانت دي شقيقة والد نور، والوحيدة اللي تعرف كل أسرار الاتفاق القديم.
نظرت إليه وقالت:
— أيوه يا جاسر… أنا جيت عشان أحكي الحقيقة اللي إنت حاولت تدفنها من 12 سنة.
لكن اللي هتكشفه عايدة في الاجتماع، هيخلي جاسر يندم على اليوم اللي قرر فيه يطرد نور وولاده من القصر!
يتبع…
الجزء الرابع والأخير
ساد الصمت داخل قاعة الاجتماعات، وكل العيون اتجهت ناحية الحاجة عايدة، اللي كانت واقفة مستندة على عصاها.
جاسر قام من مكانه وقال بارتباك:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا يا طنط عايدة؟
ردت وهي بتبص له بعتاب:
— جايه أقول الحقيقة يا جاسر، الحقيقة اللي إنت نسيتها أو يمكن قررت تتجاهلها لما الفلوس كترت في إيدك.
قعدت عايدة جنب نور، وطلبت من المستشار شريف يفتح الملف القديم.
بدأت تحكي:
— من 12 سنة، جاسر كان شاب عنده حلم، لكنه مكنش معاه رأس المال اللي يخليه يبدأ مشروعه. والد نور هو اللي وقف جنبه، وقدم له التمويل، وفتح له أبواب المستثمرين والبنوك.
جاسر قاطعها بعصبية:
— أنا اعترفت بفضل عمي الله يرحمه، لكن ده مش معناه إن الشركة مش من حقي!
هزت عايدة رأسها وقالت:
— استنى لما تسمع باقي الكلام.
ثم أخرجت مستندًا آخر من حقيبتها.
— في الوقت ده، والد نور كان مريض، وكان خايف إن بعد غيابه يحصل خلاف بينكم على الأموال والمشروعات. عشان كده طلب من جاسر يوقع اتفاق واضح يحفظ حق نور وأولادها في المستقبل.
فتح شريف المستند وعرضه على الشاشة.




