
— لكن هناك شيء لم أخبرك به.
قالت:
— ماذا؟
أخرج الحاج محمود مستندًا صغيرًا من الحقيبة.
— قبل عام تقريبًا، جاءني شخص وأخبرني أن سامر يحاول الوصول إلى مستندات قديمة تخصكِ.
سألت:
— أي مستندات؟
— مستندات تخص والدك.
تجمدت ليلى.
— أبي؟
أومأ.
— كان والدك شريكًا قديمًا في أول شركة أسستها عائلتي.
نظرت إليه بدهشة.
— لكن أبي قال لي دائمًا إنه ترك العمل منذ سنوات.
— هذا ما كنتِ تعرفينه.
ثم أضاف:
— لكن الحقيقة أن والدك ترك وراءه حصة مالية كبيرة.
فتحت ليلى فمها من الصدمة.
— أين هي؟
قال الحاج محمود:
— باسمك.
شهقت.
— باسمي؟
— نعم.
نظر سامر إلى والده.
ثم قال بصوت مرتجف:
— أنت وعدتني ألا تخبرها!
تجمدت ليلى.
التفتت إليه ببطء.
— ماذا قلت؟
أدرك سامر خطأه.
لكن الوقت كان قد فات.
قال الحاج محمود:
— الآن عرفتِ لماذا كان يريد الطلاق بسرعة.
اقتربت ليلى من سامر.
— كنت تعرف أن هناك أموالًا باسم أبي؟
لم يجب.
— منذ متى؟
ظل صامتًا.
صرخت:
— منذ متى يا سامر؟
قال أخيرًا:
— منذ سنتين.
شعرت ليلى أن شيئًا بداخلها انكسر.
سنتان.
سنتان عاش معها وهو يعرف سرًا ماليًا بهذا الحجم.
ثم تذكرت كل مرة أخبرها فيها أن والدها لم يترك لها شيئًا.
كل مرة قال لها إن عليها أن تنسى الماضي.
وكل مرة أقنعها بأن بيع بعض ممتلكاتها سيكون “أفضل لمستقبل الأسرة”.
قالت:
— أنت لم تكن تريد الطلاق لأنك تحب رنا.
نظر إليها.
— ليلى…
— كنت تريد الوصول إلى أموال أبي.
لم يستطع الرد.
رفع الحاج محمود الملف الأخير.
— وهذه الوثيقة تثبت ذلك.
ثم قال:
— لكنها ليست النهاية.
نظر الجميع إليه.
— لأن الشخص الذي أخبرني بالخطة لم يكن فؤاد.
تغير وجه سامر.
قال:
— أبي…
أجاب الحاج محمود:
— كان شخصًا أقرب إليك بكثير.
ثم أشار إلى إحدى الأوراق.
— شخص من عائلتك.
ساد صمت مرعب.
بدأت ليلى تنظر إلى أفراد العائلة واحدًا تلو الآخر.
وعندما وقع بصرها على شخص معين…
تغير وجهها تمامًا.
لأنها أدركت أن الشخص الذي كان يساعد سامر في الخفاء…
كان يجلس معهم على مائدة العشاء طوال تلك الليلة.
يتبع…
الجزء قبل الأخير
ظلت ليلى تحدق في الشخص الذي أشار إليه الحاج محمود.
لم تستطع أن تصدق ما رأته.
كانت السيدة نوال، حماتها.
المرأة التي قضت ليلى ثلاث سنوات تحاول إرضاءها.
المرأة التي كانت تناديها دائمًا بـ«ابنتي».
المرأة التي كانت تعرف كل تفاصيل حياتها تقريبًا.
قالت ليلى بصوت مرتجف:
— أمي… هل أنتِ؟
لم تجب نوال.
وضعت يدها على صدرها، وظلت تنظر إلى الطاولة.
صرخ سامر:
— أمي، لا تتكلمي!
التفت الحاج محمود إليه.
— تأخرت كثيرًا في محاولة حمايتك.
رفعت نوال رأسها أخيرًا.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
— أنا لم أرد أن تصل الأمور إلى هذا الحد.
قالت ليلى:
— إذن كنتِ تعرفين؟
أغلقت نوال عينيها.
— نعم.
شعرت ليلى ببرودة تسري في جسدها.
— منذ متى؟
قالت نوال:
— منذ البداية تقريبًا.
ساد الصمت.
قالت ليلى:
— منذ البداية؟
أومأت.
— سامر أخبرني عن رنا قبل أكثر من عام.
نظرت ليلى إلى زوجها.
— وكنتِ تعرفين أنه يخونني؟
خفضت نوال رأسها.
— نعم.
— وكنتِ تعرفين أنه يحاول الوصول إلى أموال أبي؟
— نعم.
تراجعت ليلى خطوة.
— لماذا؟
بكت نوال وقالت:
— لأنني كنت أعتقد أن سامر هو الأحق بكل شيء.
ردت ليلى:
— حتى لو كان الثمن تدمير حياتي؟
لم تستطع نوال الإجابة.
هنا تقدم الحاج محمود وقال:
— نوال لم تكن تعرف كل شيء.
التفتت إليه.
— محمود…
— لكنكِ عرفتِ ما يكفي ولم تمنعيه.
ثم نظر إلى ابنه.
— وأنت استغليت خوف أمك على مستقبلك.
قال سامر:
— لم أكن أريد إيذاء ليلى.
ضحكت ليلى بحزن.
— لكنك فعلت.
ثم رفعت الأوراق أمامه.
— كذبت عليّ، وخنتني، واستعملت أموالي، وحاولت الوصول إلى ميراث أبي.
سكت سامر.
ثم قال:
— كنت خائفًا من أن أفقد كل شيء.
أجابته:
— أنت لم تكن خائفًا من فقدان كل شيء.
توقفت لحظة.
— كنت خائفًا من أن تعيش من دون أن تمتلك كل شيء.
لم يجد سامر ردًا.
لكن الحاج محمود فتح الملف الأخير.
— انتهى الكلام.
نظر إلى المحامي.
— ابدأ الإجراءات.
سأل سامر:
— أي إجراءات؟
أجاب المحامي:
— إيقاف صلاحياتك الإدارية مؤقتًا، وتجميد التحويلات المشكوك فيها، وبدء التحقيق في العقود والتوقيعات.
صرخت رنا:
— وماذا عني؟
نظر إليها المحامي.
— ستحتاجين إلى محامٍ خاص بك.
انهارت على الكرسي.
أما سامر فكان يحدق في ليلى.
— لا تفعلي هذا.
قالت بهدوء:
— أنا لم أفعل شيئًا.
ثم أضافت:
— أنت من فعلت.
اقترب منها.
— ليلى، أعطيني فرصة واحدة.
نظرت إلى عينيه طويلًا.
— أعطيتك سبع سنوات.
ثم وضعت خاتم زواجها فوق الطاولة.
— وهذه كانت فرصتك.
ساد الصمت.
رفع الحاج محمود الخاتم ونظر إليه للحظة.
ثم أعاده إلى ليلى.
— احتفظي به.
سألته:
— لماذا؟
قال:
— ليس لأنك ما زلتِ زوجته.
ثم نظر إلى سامر.
— بل لأنك يجب أن تتذكري يومًا أنكِ كنتِ المرأة التي ضحيت بكل شيء من أجله، بينما هو كان يخطط للتخلص منك.
بدأ سامر يبكي.
لأول مرة رأته ليلى ضعيفًا إلى هذه الدرجة.
لكنه لم يعد يعني لها شيئًا.
استدارت نحو الباب.
وقبل أن تخرج، سمعت صوت الحاج محمود:
— ليلى.
توقفت.
— هناك شيء أخير.
التفتت إليه.
أخرج ورقة صغيرة.
— هذه هي الوثيقة التي كان سامر يبحث عنها طوال العامين الماضيين.
اقتربت منه.
أخذتها.
قرأتها.
ثم اتسعت عيناها.
— هذا… توقيع أبي.
قال الحاج محمود:
— نعم.
— ماذا كتب فيها؟
نظر إليها وقال:
— والدك لم يترك لكِ المال فقط.
توقف قليلًا.
— لقد ترك لكِ حقًا في ملكية جزء من الشركة منذ يوم ولادتك.
تجمدت ليلى.
ثم أضاف:
— ولهذا كان سامر يريد الوصول إلى هذه الوثيقة قبل أن تعرفي الحقيقة.
نظرت إلى سامر.
كان يعرف أن كل شيء انتهى.
لكن الحاج محمود قال جملة أخيرة:
— غدًا ستذهبين معي إلى البنك والمحكمة والمحامي.
ثم ابتسم.
— وسنستعيد كل ما حاولوا أخذه منكِ.
خرجت ليلى من المنزل دون أن تلتفت خلفها.
لكنها لم تكن تعرف أن صباح اليوم التالي سيحمل لها آخر مفاجأة…
مفاجأة ستجعلها تعيد النظر في كل ما حدث منذ اليوم الذي تزوجت فيه سامر.
النهاية في الجزء الأخير…
الجزء الأخير
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى قبل شروق الشمس.
لم تنم تقريبًا.
ظلت طوال الليل تفكر في كل ما حدث، وفي السنوات التي مرت عليها وهي تظن أنها تعيش زواجًا طبيعيًا.
وضعت الأوراق التي أعطاها لها الحاج محمود داخل حقيبتها، ثم خرجت من المنزل.
كان الحاج محمود ينتظرها في السيارة.
قال لها:
— هل أنتِ مستعدة؟
أجابت بهدوء:
— هذه المرة… نعم.
توجها أولًا إلى مكتب المحامي مروان.
وبعد ساعة من مراجعة المستندات، قال مروان:
— هناك شيء يجب أن تعرفيه قبل أن نبدأ الإجراءات.
نظرت إليه.
— ماذا؟
أخرج مستندًا قديمًا.
— والدك لم يكن مجرد شريك سابق في أعمال عائلة السيوفي.
توقفت ليلى عن التنفس للحظة.
— ماذا كان؟
قال:
— كان أحد المؤسسين الأوائل للشركة.
ثم أشار إلى اسم في العقد.
— وعندما قرر الانسحاب، احتفظ بحصة لم تكن قابلة للبيع أو النقل إلا بموافقة الوريث الشرعي.
سألت:
— ومن هو الوريث؟
نظر إليها مباشرة.
— أنتِ.
شعرت ليلى بدموعها تنزل دون أن تشعر.
قال الحاج محمود:
— والدك طلب مني قبل وفاته ألا أخبركِ حتى تبلغي السن القانونية وتكوني قادرة على إدارة حقوقك بنفسك.
— ولماذا لم تخبرني بعد ذلك؟
أجاب:
— لأنني كنت أراقب سامر.
صمت قليلًا.
— وكنت أريد أن أعرف هل سيتزوجك لأنه يحبك… أم لأنه يعرف شيئًا عن أموالك.
قالت ليلى:
— وماذا اكتشفت؟
أجاب الحاج محمود بحزن:
— للأسف، اكتشفت الحقيقة.
في تلك اللحظة، دخل أحد الموظفين مسرعًا.
— أستاذ مروان، وصلتنا رسالة جديدة.
فتح المحامي الرسالة.
ثم تغير وجهه.
— ماذا حدث؟ سألت ليلى.
رفع رأسه وقال:
— سامر اعترف.
تجمدت.
— اعترف بماذا؟
— اعترف بكل شيء.
أخبرهم أنه كان يعرف بحصة ليلى منذ عامين، وأن رنا لم تكن مجرد عشيقته، بل كانت جزءًا من خطة لإقناع ليلى بالطلاق والتنازل عن بعض حقوقها.
كما اعترف بأنه استعان بفؤاد لتحويل أموال الشركة إلى حسابات وسيطة، ثم استخدم جزءًا منها لشراء ممتلكات باسم رنا.
أما نوال…
فقد اعترفت بأنها ساعدته في إخفاء بعض المستندات، لكنها لم تكن تعرف حجم الخطة بالكامل.
وضعت ليلى يدها على وجهها.
لم تبكِ هذه المرة.
قالت:
— وماذا سيحدث الآن؟
أجاب المحامي:
— سيتم التحقيق في كل شيء، وستعود إليكِ حقوقك القانونية، أما الأموال التي ثبت تحويلها بشكل غير قانوني فسيتم تتبعها واستردادها وفقًا للقانون.
ثم أخرج ورقة أخرى.
— وهناك شيء آخر.
نظرت إليه.
— ماذا؟
ابتسم الحاج محمود لأول مرة منذ أيام.
— لقد قررت أن أعطيكِ منصبًا في مجلس إدارة الشركة.
تفاجأت ليلى.
— أنا؟ لكنني لا أعرف إدارة الشركات.
قال:
— تعرفين إدارة الناس أكثر مما تتخيلين.
ثم أضاف:
— والأهم أنك تعرفين قيمة المال الذي تكسبينه بجهدك.
تذكرت مرسمها القديم.
الألوان.
اللوحات.
الحلم الذي تركته من أجل زواجها.
قال الحاج محمود:
— وأعتقد أن الوقت حان لتستعيدي شيئًا آخر أيضًا.
أخرج مفتاحًا صغيرًا.
— مرسمك القديم.
نظرت إليه بدهشة.
— ماذا؟
— اشتريته قبل سنوات عندما علمت أنكِ ستغلقينه.
قالت ليلى:
— لماذا؟
ابتسم.
— لأنني كنت أعرف أنك ستعودين إليه يومًا.
لأول مرة منذ بداية تلك الكارثة، ابتسمت ليلى بصدق.
بعد أشهر، انتهت القضية.
استُعيد جزء كبير من الأموال، وفقد سامر منصبه، وبدأت الإجراءات القانونية المتعلقة بالتلاعب المالي والتزوير.
أما رنا، فقد ابتعدت عن الجميع بعدما أدركت أن الحياة التي وعدها بها سامر لم تكن موجودة أصلًا.
ونوال؟
اعتذرت لليلى.
لم تطلب منها أن تسامحها.
قالت فقط:
— كنت أمًا سيئة عندما اخترت ابني على الحق.
أجابتها ليلى:
— أنا لا أكرهكِ، لكنني لن أعود إلى الماضي.
ثم أغلقت الباب بهدوء.
وبعد عام، كانت ليلى تقف داخل مرسمها الجديد، surrounded by paintings and sunlight, بينما كانت لوحة كبيرة معلقة على الحائط تحمل اسم:
«البداية من جديد».
دخل الحاج محمود وقال:
— هل ندمتِ على شيء؟
نظرت ليلى إلى اللوحة.
ثم ابتسمت.
— ندمت فقط على أنني احتجت إلى صفعة كي أكتشف أنني كنت أستحق حياة أفضل.
ضحك الحاج محمود.
— وهل أنتِ سعيدة الآن؟
نظرت حولها.
مرسمها.
عملها.
استقلالها.
وهدوء قلبها.
ثم قالت:
— لأول مرة منذ سنوات… نعم.
وهكذا انتهى زواج ظنت ليلى أنه حياتها كلها، لتكتشف في النهاية أنه كان مجرد الباب الذي قادها إلى حياة جديدة.
أما سامر، فقد خسر زوجته وثقة والده ومنصبه، والأهم أنه خسر المرأة الوحيدة التي وقفت بجانبه عندما لم يكن يملك شيئًا.
والدرس الذي بقي مع ليلى إلى الأبد:
لا تجعل حبك لشخص يجعلك تتخلى عن نفسك، لأن الشخص الذي يحبك حقًا لن يطلب منك أن تختفي حتى يلمع هو.
النهاية.




