قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب أخي محمود.

كان ينتظرني ومعه ملف كبير يحتوي على مجموعة من المستندات.

جلست أمامه وسألته:

“إيه اللي اكتشفته؟”

فتح الملف وأخرج عدة أوراق.

قال:

“من حوالي شهرين، نادر تواصل مع مكتب تسويق عقاري، وطلب تقييم الشقة الموجودة في سموحة، وسأل عن إمكانية إتمام البيع بتوكيل.”

شعرت بالصدمة.

“توكيل؟! هو معاه توكيل مني؟”

هز محمود رأسه.

“لا، مفيش أي توكيل صادر منك يسمح له بالبيع. لكن الأهم إنه كان بيحاول يعرف إزاي يقدر يتصرف في الشقة من غير ما تكوني موجودة.”

وضعت يدي على فمي.

ثم سألته:

“والشقة اللي فيها أمه؟”

أجاب:

“نفس الموضوع تقريبًا. هو كان بيسأل عن إمكانية بيعها أو نقل ملكيتها، رغم إنها مسجلة باسمك.”

نظرت إلى الأوراق مرة أخرى.

لم أكن أتخيل أن الرجل الذي عاش معي تحت سقف واحد لسنوات، كان يفكر في التصرف في ممتلكاتي بهذه الطريقة.

قال محمود بنبرة جادة:

“أنا مش عايزك تتسرعي في أي قرار. هنراجع كل المستندات، ونتأكد إن مفيش أي تصرف قانوني حصل من غير موافقتك.”

أومأت برأسي.

ثم أخرجت هاتفي وفتحت رسالة قديمة من نادر.

كانت رسالة أرسلها لي قبل عدة أشهر، يطلب فيها مني التوقيع على بعض الأوراق بحجة تحديث بيانات العقارات.

وقتها كنت مشغولة، وقلت له يترك الأوراق حتى أراجعها مع المحامي.

لكنه لم يفتح الموضوع مرة أخرى.

عرضت الرسالة على محمود.

قرأها أكثر من مرة، ثم قال:

“كويس جدًا إنك محتفظة بيها. متوقعيش على أي ورقة جديدة قبل مراجعتها.”

في تلك اللحظة، رن هاتفي.

كان نادر.

تركت الهاتف يرن عدة مرات، ثم أجبت.

قال بصوت هادئ على غير عادته:

“كارولين، إحنا لازم نتكلم.”

قلت:

“اتفضل، أنا سامعاك.”

قال:

“أنا عايز أصلح اللي حصل. الليلة اللي فاتت كانت صعبة، وماما ساعات بتتصرف من غير ما تفكر.”

أجبته:

“المشكلة مش في تصرفات أمك بس. المشكلة إنك كنت واقف جنبها وبتتفرج.”

قال:

“أنا غلطت، بس مش معنى كده إننا نهدم بيتنا.”

قلت:

“إنت كنت بتدور على مشتري لشقتي يا نادر. عايزني أصدق إنك كنت بتحاول تصلح بيتنا؟”

ساد الصمت.

ثم قال:

“مين قالك الكلام ده؟”

أجبته:

“الأوراق والمراسلات اللي وصلتني.”

تغير صوته فجأة.

“إنتِ بتراقبيني؟!”

قلت بحدة:

“أنا مش محتاجة أراقبك عشان أعرف إنك بتتصرف في حاجة مش ملكك.”

ثم أنهيت المكالمة.

عدت إلى المنزل في المساء، ووجدت نادر ينتظرني.

كان يجلس في غرفة المعيشة، وبجواره والدته فريدة.

بمجرد أن دخلت، وقفت حماتي وقالت:

“أخيرًا وصلتي! إحنا مستنيينك من ساعة.”

وضعت حقيبتي على الطاولة وسألت:

“خير؟”

قالت فريدة وهي تحاول إظهار الهدوء:

“أنا مش جاية أعمل مشاكل. أنا ست كبيرة، ومش عايزة أخسر ابني بسبب خلاف حصل في عيد ميلادي.”

نظرت إليها دون رد.

أكملت:

“إنتِ عارفة إن نادر ابني الوحيد، وأنا تعبت في تربيته. ومش من العدل إنك تحرميه من بيته وتمنعي عنه أمه.”

قلت:

“أنا مش بحرم حد من حاجة مش بتاعته. لكن أنا مش هقبل إن حد يهين أولادي في وجودي، وبعدها يتوقع مني إني أتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.”

تدخل نادر بسرعة:

“خلاص يا كارولين، كفاية كلام في الموضوع ده.”

التفت إليه وقلت:

“لسه ما بدأناش أصلًا.”

ثم أخرجت نسخة من المستندات ووضعتها أمامهما.

نظرت فريدة إلى الأوراق، وعندما رأت اسمِي على عقد ملكية الشقة، تغير لون وجهها.

قالت بصوت منخفض:

“يعني أنا طول السنين دي كنت عايشة في شقة مش ملك ابني؟”

أجبتها:

“إنتِ كنتِ عايشة في شقة وفرتها لكِ بموافقتي، وكنتِ بتعتبريها بيتك. وأنا عمري ما حسستك إنك ضيفة.”

ثم نظرت إلى نادر وقلت:

“لكن اللي مش هقدر أتجاهله إنك كنت بتحاول تبيع ممتلكاتي من ورايا.”

قفزت فريدة من مكانها وقالت:

“مستحيل! ابني عمره ما يعمل كده!”

وقبل أن أجيبها، رن جرس الباب.

ذهبت وفتحته.

كان أخي محمود يقف أمام الباب، وبيده ملف آخر.

دخل ونظر إلى نادر مباشرة.

ثم قال:

“مساء الخير. أنا جاي بخصوص المستندات اللي ظهرت، وفيه حاجة لازم تتوضح قبل ما الموضوع يتصعد.”

ارتبك نادر بمجرد رؤيته.

أما محمود فوضع الملف على الطاولة، وأخرج منه ورقة واحدة.

ثم قال جملة جعلت فريدة تجلس على أقرب كرسي وهي تضع يدها على صدرها:

“يا نادر، إحنا اكتشفنا إنك مش بس كنت بتحاول تبيع الشقة… إنت كمان استخدمت اسم كارولين في إجراء مالي من غير علمها.”

اتسعت عيناي.

نظرت إلى أخي وسألته:

“إجراء مالي إيه؟”

فتح محمود الملف وأشار إلى الورقة.

“في مستندات محتاجة مراجعة، وفيه توقيع منسوب ليكي لازم نتأكد من صحته.”

نظرت إلى نادر.

كان وجهه قد أصبح شاحبًا تمامًا.

وسألته بصوت مرتعش من الغضب:

“إنت عملت إيه بالضبط يا نادر؟”

لكنه لم ينطق بكلمة واحدة.

وفي تلك اللحظة، فهمت أن حفل عيد الميلاد الذي أهانني فيه زوجي وحماتي لم يكن سوى بداية لكشف حقيقة أخطر بكثير.

يتبع في الجزء الرابع…
### الجزء الرابع والأخير: سقط القناع وعاد الحق لأصحابه!

ظل نادر واقفًا في منتصف غرفة المعيشة، ووجهه شاحب، بينما كان أخي محمود يضع المستندات فوق الطاولة.

نظرت إلى أخي وسألته:

“محمود، إيه اللي حصل بالضبط؟”

فتح الملف وأخرج صورة من مستند مالي، ثم قال:

“من حوالي شهر، نادر قدم طلب للحصول على تمويل بضمان عقاري، واستخدم بيانات الشقة اللي باسمك. المشكلة إن فيه توقيع منسوب ليكي على ورقة الموافقة، وإحنا محتاجين نتحقق من صحته.”

شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.

التفتُّ إلى نادر وقلت:

“إنت وصلت بيك الأمور إنك تستخدم اسمي وتوقيعي من غير علمي؟!”

حاول الدفاع عن نفسه وقال:

“أنا كنت محتاج الفلوس عشان أرتب مستقبلنا. مكنتش ناوي أضرك.”

رد محمود بحزم:

“لو كنت فعلًا بتفكر في مستقبل أسرتك، كنت طلبت موافقتها. مش هتستخدم مستندات باسمها من غير إذن.”

صرخت فريدة:

“بس ابني عمره ما يسرق! إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟!”

نظرت إليها وقلت:

“محدش اتهم ابنك بحاجة قبل ما تظهر الحقيقة. لكن أنا مش هسمح لأي حد يتصرف في ممتلكاتي أو يستخدم اسمي من غير موافقتي.”

ثم التفت إلى محمود وطلبت منه استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، ومراجعة المستندات والتحقق من التوقيع، والتأكد من عدم وجود أي التزامات مالية تم تسجيلها دون علمي.

أما نادر، فجلس على الأريكة ووضع رأسه بين يديه.

قال بصوت منخفض:

“كارولين، أنا غلطت. بس صدقيني، أنا كنت مضغوط.”

سألته:

“مضغوط من إيه؟”

رفع رأسه وقال:

“كنت عايز أعيش حياة أحسن، وكنت عايز أساعد أمي، وكنت حاسس إن الناس شايفاني أقل منك.”

ضحكت بحزن.

“يعني بدل ما تحاول تكون شريك حقيقي ليا، قررت تستغل اللي عندي عشان تثبت للناس إنك ناجح؟”

لم يجب.

أكملت:

“أنا عمري ما عايرتك بفلوسي، ولا طلبت منك تكون أغنى مني. كنت محتاجة منك حاجة واحدة بس، إنك تحترمني وتحترم ولادي.”

في تلك اللحظة، خرجت سلمى من غرفتها، وكانت تسمع جزءًا من الحديث.

اقتربت مني وأمسكت يدي.

قالت:

“ماما، إحنا هنفضل عايشين هنا؟”

احتضنتها وقلت:

“طبعًا يا حبيبتي. ده بيتنا، ومحدش هيقدر يحسسكوا إنكم مش مرغوب فيكم تاني.”

نظر نادر إلى ابنته وقال:

“سلمى، أنا آسف يا حبيبتي.”

لكنها لم تقترب منه.

قالت بهدوء:

“أنا مش زعلانة عشان تيتة مش عايزانا في الحفلة. أنا زعلانة عشان إنت كنت عارف إنها بتوجعنا، ومع ذلك دخلت وسيبتنا.”

انخفض رأس نادر، ولم يجد ما يقوله.

أما فريدة، فبدأت تبكي وهي تقول:

“أنا مكنتش أقصد إن الموضوع يوصل لكده. أنا كنت عايزة عيد ميلادي يبقى مختلف.”

نظرت إليها وقلت:

“كان ممكن يكون مختلف فعلًا، لو كنتِ فكرتي إن فرحة الحفلة مش أهم من مشاعر طفلين. يوسف كان مدخر مصروفه عشان يفرحك، وسلمى تعبت أسبوع كامل عشان تعمل لك ألبوم صور. إنتِ رفضتي حتى تاخدي منهم الهدايا.”

وضعت فريدة يديها على وجهها.

لأول مرة، لم تجد كلمات تبرر بها تصرفها.

بعد أيام، بدأت إجراءات الطلاق بشكل رسمي.

وبمساعدة أخي محمود، تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية ممتلكاتي، ومراجعة أي مستندات أو التزامات مالية حاول نادر إدخال اسمي فيها.

كما تم إخطار نادر رسميًا بأن الشقة التي كنا نعيش فيها ملكي وحدي، وأن عليه ترتيب انتقاله منها وفق الإجراءات القانونية.

أما شقة فريدة في الشيخ زايد، فقد أبلغتها أنني لن أستمر في تحمل نفقاتها ومصاريفها الشهرية.

لم أطلب منها الخروج في نفس اليوم، ولم أرد أن أتعامل معها بالقسوة نفسها التي عاملتني بها.

لكنني أوضحت أن استمرار إقامتها أو أي ترتيبات مستقبلية تخص الشقة ستكون وفق اتفاق قانوني واضح، وليس بناءً على افتراض أنها ملك ابنها.

وبعد فترة، اضطر نادر إلى الانتقال إلى شقة أخرى، بينما رتبت فريدة أمورها المعيشية بعيدًا عن الأموال التي كنت أرسلها لها كل شهر.

أما أنا، فكان أهم شيء بالنسبة لي هو استعادة الهدوء داخل منزلي.

في أحد الأيام، كنت أجلس مع سلمى ويوسف على مائدة الإفطار.

كان يوسف يلون دفترًا صغيرًا، بينما كانت سلمى تساعدني في إعداد الطعام.

فجأة، رفع يوسف رأسه وسألني:

“ماما، هو إحنا كده بقينا مرتاحين؟”

ابتسمت ومسحت على شعره.

“إحنا طول عمرنا بخير يا حبيبي، بس دلوقتي هنتعلم إن راحتنا مش مرتبطة برضا أي حد عننا.”

ثم أخرج يوسف من درج غرفته الهدية التي كان قد اشتراها لجدته.

نظر إليها قليلًا وقال:

“ماما، أنا ممكن أدي طقم الشاي ده لحد تاني؟”

سألته:

“تحب تديه لمين؟”

ابتسم وقال:

“ممكن نديه لتيتا أمينة، جارتنا؟ هي دايمًا بتسأل علينا وبتفرح لما تشوفنا.”

احتضنته بقوة.

كان ذلك كافيًا لأعرف أن قسوة الآخرين لم تنجح في تغيير قلبه الطيب.

أما نادر، فقد حاول التواصل معي عدة مرات.

أرسل رسائل طويلة يطلب فيها فرصة جديدة، ويتحدث عن السنوات التي قضيناها معًا، وعن أنه لم يكن يتوقع أن تنتهي الأمور بهذه الطريقة.

لكنني كنت قد اتخذت قراري.

لم يكن الطلاق بسبب حفلة عيد ميلاد، ولا بسبب خلاف على شقة أو أموال.

كان بسبب سنوات من التنازلات، ومواقف كثيرة صمتُّ فيها حتى لا أخسر زواجي، إلى أن جاء اليوم الذي رأيت فيه طفليّ يقفان خارج باب مغلق، بينما والدُهما يدخل ويتركهما خلفه.

وبعد عدة أشهر، وصلني خبر أن فريدة أقامت تجمعًا عائليًا صغيرًا بمناسبة عيد ميلادها، وسألت عن سلمى ويوسف، وأرسلت مع أحد الأقارب هديتين لهما ورسالة اعتذار.

لم أمنع أطفالي من قبول الاعتذار، لكنني تركت لهم حرية التعامل مع مشاعرهم دون ضغط.

فأنا لم أكن أريد أن يتعلموا الكراهية، بل أن يتعلموا أن التسامح لا يعني السماح للآخرين بتكرار الأذى.

وفي النهاية، أدركت درسًا لن أنساه أبدًا:

ليس كل من يعيش في بيتك يستحق أن يكون جزءًا من عائلتك، وليس كل من يحمل اسم زوجك يستحق أن يكون شريك حياتك.

لقد خسرت زواجًا كنت أحاول الحفاظ عليه بأي ثمن، لكنني ربحت شيئًا أهم بكثير.

ربحت كرامتي، وراحة أطفالي، وحقهم في أن يعيشوا داخل منزل لا يشعرون فيه أنهم عبء على أحد.

فالعائلة الحقيقية ليست من يجلس معك على مائدة واحدة، بل من يرفض أن يتركك واقفًا خلف الباب عندما تحتاج إليه.

تمت بحمد الله ❤️

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى