
الجزء الثاني والاخير
الجزء الثاني
اتنين من أفراد الأمن الرسمي قربوا من المنصة بخطوات سريعة، والقاعة كلها كانت ساكتة تمامًا.
سميحة بدأت تتراجع خطوة لورا، لكنها حاولت تخفي خوفها ورفعت صوتها قائلة:
«إنتوا جايين تعملوا إيه؟! دي بنت قليلة الأدب، وأنا بربيها على طريقتي! دي مشكلة عائلية ومالكمش دعوة بيها!»
اللواء حسن الشاذلي بص لها ببرود وقال:
«مشكلة عائلية؟ إنتِ شايفة إن إصابة ذراع ضابطة أثناء حفل رسمي، وأمام مئات الشهود، مجرد مشكلة عائلية؟»
سميحة اتلخبطت، لكنها حاولت تبرر تصرفها.
«هي اللي استفزتني! طول عمرها شايفة نفسها علينا، ومن يوم ما دخلت الخدمة وهي فاكرة إنها بقت شخصية مهمة!»
واحد من أفراد الأمن الرسمي طلب منها تسلّم الكرسي اللي في إيدها.
لكنها رفضت وقالت بعصبية:
«مش هسلّم حاجة! أنا مرات أبوها، ومن حقي أتعامل معاها زي ما أنا عايزة!»
في اللحظة دي، اللواء أشار للطبيب المختص الموجود في القاعة عشان يفحص أثري.
الطبيب قرب مني، وبمجرد ما لمس دراعي، صرخت من شدة الألم.
قال بجدية: «واضح إن فيه إصابة، ولازم ننقلها للمستشفى فورًا».
حاولت أقف، لكن اللواء حسن سندني وقال بهدوء:
«ماتحاوليش تتحركي يا بنتي. إنتِ مش مطالبة تثبتي قوتك لحد. كفاية اللي قدمتيه».
الكلمة دي هزّتني من جوايا.
لأنها كانت أول مرة من سنين طويلة أحس إن فيه حد واقف في ضهري.
وفجأة، سمعت صوت أبويا وهو بيقوم من مكانه.
قال بتوتر: «يا سيادة اللواء، أرجوك، خلينا نحل الموضوع بهدوء. سميحة عصبية شوية، ومش قصدها تأذي ذراع بنتي».
اللواء لف له ببطء.
«بنتك؟ غريبة! من شوية كنت قاعد بتتفرج عليها وهي بتتعرض لموقف صعب، وماحاولتش حتى تقوم من مكانك».
أبويا اتكسف، وبص للأرض.
أما أخويا غير الشقيق، كريم، فحاول يتدخل وقال باستهزاء:
«هي أصلًا طول عمرها بتحب تعمل فيها بطلة. أكيد مكبرة الموضوع عشان تلفت الانتباه».
اللواء بص له وقال بنبرة حاسمة:
«إنت كمان هتسكت، لأن اللي حصل هنا مش مسرحية عائلية».
ثم التفت ناحيتي وسألني:
«تقدري تقولي لنا اسمك بالكامل ورتبتك؟»
جاوبته بصوت متعب:
«النقيب مريم البورتر، يا فندم».
هز رأسه، ثم نظر للحاضرين وقال:
«واضح إن فيه ناس كتير هنا مش عارفة مين الست اللي واقفة قدامهم، ولا عارفة إيه اللي قدمته لبلدها».
سميحة ضحكت بسخرية وقالت:
«ومين يعني؟! هي مش أكتر من بنت فاشلة، وأنا أعرفها كويس من وهي صغيرة».
اللواء تجاهل كلامها، وأشار لأحد الضباط الموجودين بالقرب من المنصة.
الضابط فتح ملفًا رسميًا كان موضوعًا على الطاولة، وأخرج منه مستندًا.
ثم قال اللواء بصوت واضح:
«النقيب مريم مش مجرد ضابطة حصلت على وسام بسبب أثر تعرضت له أثناء الخدمة. دي شاركت في مهمة رسمية شديدة الصعوبة، وقدرت تنقذ أرواح عدد من زملائها بعد ما تعرضت مجموعتها لموقف مفاجئ».
القاعة بدأت تتهامس.
وأكمل اللواء:
«ورغم الأثر اللي تعرضت له، رفضت تسيب زملاءها، وفضلت معاهم لحد ما وصلت المساعدة. واللي حصل النهارده مش أول مرة تثبت فيها شجاعتها».
أبويا رفع رأسه فجأة، وكأنه بيسمع عني لأول مرة.
أما سميحة، فاختفت الابتسامة من على وشها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
اللواء قرب من الميكروفون وقال:
«وفيه معلومة تانية لازم الكل يعرفها… مريم تم ترشيحها مؤخرًا لتولي مسؤولية مهمة داخل إحدى الوحدات الرسمية، بناءً على تقارير رسمية عن كفاءتها وشجاعتها».
سميحة بصت لي بصدمة، وبعدها بصت لأبويا.
أما أبويا، فبدأ يحاول يقرب مني ويقول:
«مريم… يا بنتي، أنا كنت…»
لكن اللواء رفع إيده وأوقفه.
وقال جملة خلت القاعة كلها تسكت من جديد:
«قبل ما تحاول تبرر موقفك، فيه شخص لازم يسمع الحقيقة كاملة… لأن اللي حصل النهارده مش مجرد موقف تعرضت له ضابطة، ده كشف عن سر عائلي خطير أخفي عن مريم لسنين طويلة».
وفي اللحظة دي، فتح اللواء الملف على صفحة معينة، وطلب من الضابط قراءة الاسم المكتوب فيها…
والاسم اللي ظهر في المستند كان كفيل يقلب حياة مريم وعيلتها بالكامل!
الجزء الثالث
القاعة كلها كانت مستنية تعرف إيه السر اللي اللواء حسن الشاذلي بيتكلم عنه.
الضابط اللي كان ماسك الملف بص في الورق مرة تانية، وبعدها رفع عينيه وقال:
«الاسم الموجود في المستند هو اللواء المتقاعد محمود البورتر… والد النقيب مريم».
اتجمدت مكاني.
محمود البورتر كان اسم أبويا، لكن عمري ما تخيلت إن اسمه ممكن يكون موجود في ملف رسمي بالشكل ده.
بصيت للواء حسن وسألته بصوت ضعيف:
«حضرتك تقصد إيه يا فندم؟ إيه علاقة أبويا بالموضوع؟»
اللواء سكت لحظة، وبعدها قال:
«والدك كان في الخدمة الرسمية، وخدم سنوات طويلة، لكنه اضطر يترك الخدمة بعد حادث قديم. والحقيقة إن فيه تفاصيل مهمة عن الحادث ده ماحدش حكاها لك».
بصيت لأبويا.
كان واقف ووشه شاحب، وإيده بتترعش.
سألته: «بابا… إنت كنت في الخدمة؟»
ما ردش.
سميحة تدخلت بسرعة وقالت: «الكلام ده ملوش أي لازمة دلوقتي! إحنا جايين نحضر تكريمها، مش نفتح دفاتر قديمة!»
اللواء بص لها وقال: «بالعكس، الدفاتر القديمة هي اللي هتفسر حاجات كتير».
وبعدين طلب من الضابط يطلع مستند تاني من الملف.
كان تقريرًا رسميًا قديمًا، عليه تاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة.
بدأ اللواء يشرح:
«في المهمة اللي اتعرض فيها والد مريم للأثر، كان فيه جندي شاب قدّم تضحية كبيرة عشان ينقذ زملاءه. الجندي ده كان اسمه عادل، وكان والد مريم الحقيقي».
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
بصيت لأبويا، وبعدها سألت اللواء:
«يعني إيه والدي الحقيقي؟ مش فاهمة!»
اللواء قرب مني وقال بهدوء:
«محمود مش والدك البيولوجي يا مريم. هو اللي رباكي بعد غياب والدك عادل، وده كان بناءً على اتفاق حصل بين العيلتين».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كنت طول عمري فاكرة إن أبويا هو والدي الحقيقي، وإن أمي غابت وأنا صغيرة، وإن سميحة دخلت حياتنا بعد كده.
لكن دلوقتي اكتشفت إن فيه جزء كبير من حياتي كنت محرومة من معرفته.
بصيت لمحمود وقلت:
«إنت كنت عارف كل ده؟»
رفع عينيه ليا، والدموع بدأت تتجمع فيها.
قال بصوت مكسور: «أيوه يا مريم… كنت عارف».
«ومن إمتى؟»
«من يوم ما جيتي تعيشي معايا».
حسيت بغصة في حلقي.
«وليه ماقولتليش؟ ليه سبتني طول السنين دي فاكرة إنك أبويا الحقيقي؟»




