صحة و جمال

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

نظرت إلى كمال الذي كان قد وصل إلى دار الرعاية.

قلت:

—أنت؟

لم ينكر.

قال بهدوء:

—كنت أحاول حمايته.

—من ماذا؟

قال:

—من محمود.

ثم أضاف:

—لكنني ارتكبت أكبر خطأ في حياتي عندما صدقت أن إخفاء الحقيقة سيحميه.

صرخت:

—أنت سرقت عشر سنوات من حياة ابني!

خفض رأسه.

—أعرف.

ثم اقترب مني وقال:

—لكن والدكِ طلب مني ذلك.

توقفت.

—والدي؟

أومأ.

—والدكِ كان يعرف أن محمود سيستخدم الطفل للسيطرة على الشركة.

—إذن لماذا لم يخبرني؟

قال:

—لأنه مات قبل أن يتمكن من الوصول إليكِ.

ثم أخرج آخر مستند.

—وهذه هي الوثيقة التي بحثوا عنها طوال هذه السنوات.

فتحتها.

كانت وصية والدي.

وفي آخر صفحة وجدت جملة واحدة:

“إلى ابنتي سلمى: عندما تعرفين الحقيقة، لا تحاولي إنقاذ الشركة… أنقذي نفسكِ وابنكِ أولًا.”

نظرت إلى ابني.

ثم إلى الأوراق.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الحرب الحقيقية لم تكن على المال.

كانت على مستقبل طفل حُرم من أمه عشر سنوات.

لكنني لم أكن أعرف بعد أن محمود كان يحتفظ بالسر الأخطر.

سرًا واحدًا، إذا ظهر، فسيسقط معه الجميع…

وفي تلك اللحظة، رن هاتف الضابط.

استمع للمكالمة.

ثم نظر إليّ وقال:

—وجدنا الحساب 714.

—وأين؟

قال:

—في بنك قديم بالإسكندرية.

ثم أضاف:

—والشخص الذي سحب آخر مبلغ منه منذ ثلاث سنوات…

لم يكمل الجملة.

لأن الاسم الذي ظهر أمامه على الشاشة كان:

سلمى عبد الرحمن.
الجزء السادس والأخير

حدقت في شاشة هاتف الضابط.

اسمي.

أنا التي سحبت آخر مبلغ من الحساب 714؟

لكنني لم أكن أعرف بوجود هذا الحساب أصلًا.

قلت:

—هذا مستحيل. أنا لم أذهب إلى هذا البنك طوال حياتي.

أجاب الضابط:

—نعرف ذلك. ولهذا السبب بالضبط أصبحتِ القضية أكبر.

عاد الجميع إلى الصمت.

كان فارس ينظر إلى المستندات بتركيز شديد.

ثم قال:

—أريد أن أرى سجل السحب.

عرض الضابط صورة للوثيقة.

كان هناك توقيع باسمي.

لكنني عرفته فورًا.

لم يكن توقيعي.

قال فارس:

—التوقيع مزور.

هنا اقترب كمال وقال:

—ليس المهم من وقع.

نظرت إليه.

—إذن ما المهم؟

قال:

—المهم هو من كان يعرف أن الحساب موجود.

نظرنا جميعًا إلى محمود.

كان واقفًا بصمت.

قلت:

—أنت.

هز رأسه.

—لم أكن وحدي.

—من كان معك؟

لم يجب.

فجأة دخل أحد رجال الشرطة وقال:

—وجدنا شيئًا في منزل محمود.

وضع على الطاولة حقيبة صغيرة.

فتحها.

كانت بداخلها عشرات الوثائق.

من بينها جواز سفر قديم.

وبمجرد أن رأيته، شعرت بالصدمة.

كان يحمل صورتي.

لكن الاسم لم يكن اسمي.

كان باسم امرأة أخرى.

قال الضابط:

—هذا الجواز استُخدم لفتح حسابات وتحويل أموال خارج البلاد.

قلت:

—من كانت هذه المرأة؟

نظر الضابط إلى محمود.

ثم قال:

—ليلى.

التفتُّ إليها.

كانت تبكي.

قالت:

—أنا لم أخطط لكل هذا.

قلت:

—لكنّك شاركتِ فيه.

أومأت.

—نعم.

ثم بدأت تعترف.

قالت إن محمود والمحامي اتفقا منذ سنوات على استخدام هويتي لإنشاء حسابات مالية.

وكانت الأموال تُنقل من الشركة إلى حسابات سرية.

لكنهم اكتشفوا أن والدِي كان يقترب من كشف كل شيء.

لذلك قرروا إخفاء بعض الأدلة.

ثم جاءت صدمة أخرى.

قالت ليلى:

—لكن الشخص الذي أعطانا التعليمات لم يكن محمود.

نظرت إليه.

كان وجهه شاحبًا.

قلت:

—من؟

قالت:

—كمال.

التفتُّ إليه.

ساد صمت ثقيل.

قلت:

—أنت كنت تدير كل شيء؟

هز رأسه.

—ليس كل شيء.

ثم قال:

—كنت أحاول السيطرة على الضرر.

صرخت:

—أي ضرر؟ أنت حرمتني من ابني!

خفض رأسه.

—أعرف.

قال فارس:

—كمال، حان الوقت لتقول الحقيقة.

ظل صامتًا للحظات.

ثم قال:

—والد سلمى اكتشف أن الشركة ستنهار بسبب اختلاسات ضخمة.

وأضاف:

—وكان يريد تسليم الأدلة للشرطة.

—فماذا فعلت؟

—حاولت منعه.

—هل قتلته؟

رفع عينيه نحوي.

—لا.

ثم قال:

—لكنني كنت السبب في آخر مواجهة بينه وبين الأشخاص الذين كانوا يسرقون الشركة.

أخرج الضابط تسجيلًا صوتيًا قديمًا.

كان صوت والدي.

قال:

—إذا حدث لي شيء، فكل الأدلة موجودة في الحساب 714.

ثم جاء صوت آخر.

صوت كمال.

—لن تسمح لك بالخروج بهذه الملفات.

ثم انتهى التسجيل.

شعرت بالدموع تنزل على وجهي.

قال كمال:

—كنت أعتقد أنني أستطيع السيطرة على الجميع.

ثم نظر إلى محمود.

—لكن ابني اتخذ قرارات أسوأ مني.

اقترب منه الضابط.

—أنت موقوف للتحقيق.

لم يقاوم.

أما محمود، فجلس على الكرسي وكأنه فقد كل شيء.

قلت له:

—كنت تستطيع أن تخبرني بالحقيقة.

رفع رأسه.

—كنت أخاف أن أخسرك.

ضحكت بحزن.

—أنت لم تخسرني اليوم يا محمود.

ثم قلت:

—أنت خسرتني منذ اليوم الذي قررت فيه أن أكون مجرد أداة في يدك.

بعد أسابيع، ظهرت نتائج التحقيق.

تم إثبات عمليات الاختلاس والتزوير.

وأثبتت الوثائق أن معظم الأصول التي نقلت إلى اسمي كانت في الأصل جزءًا من حصة والدي التي تركها لي.

أما الحساب 714، فقد أصبح أهم دليل في القضية.

تمت استعادة جزء كبير من الأموال.

وأُعيدت ملكية الشركة بصورة قانونية إلى أصحاب الحقوق الحقيقيين.

لكنني اتخذت قرارًا مختلفًا.

لم أحتفظ بإدارة الشركة.

بعت جزءًا من حصتي، وأنشأت مؤسسة صغيرة لمساعدة الأطفال الذين انفصلوا عن عائلاتهم بسبب النزاعات المالية والقانونية.

أما ابني، فانتقل للعيش معي.

في البداية كان يخاف من أن أتركه.

كان يسألني كل ليلة:

—أنتِ لن تذهبي، أليس كذلك؟

كنت أحتضنه وأقول:

—لن أذهب إلى أي مكان.

ومع مرور الوقت، بدأ يصدقني.

أما ليلى، فقد حصلت على حماية قانونية مقابل تعاونها مع التحقيق، لكنها اضطرت إلى مواجهة التهم المتعلقة بالتزوير والمشاركة في إخفاء الطفل.

والمحامي تلقى حكمًا قضائيًا بعد ثبوت تورطه في تزوير المستندات.

أما محمود، فقد خسر الشركة والمال والزواج.

لكنه في إحدى جلسات المحكمة نظر إليّ وقال:

—كنت أعتقد أن المال سيجعلني أقوى.

أجبته:

—المال لم يكن مشكلتك.

—إذن ماذا كان؟

قلت:

—أنك لم تعرف قيمة الأشخاص إلا بعد أن خسرتهم.

خرجت من المحكمة.

كان ابني ينتظرني خارجًا مع فارس.

ركض نحوي واحتضنني.

وفي تلك اللحظة، لم أفكر في الشركة.

ولا في المال.

ولا في محمود.

فقد فهمت أخيرًا معنى الجملة التي كتبها والدي قبل سنوات:

“لا تحاولي إنقاذ الشركة… أنقذي نفسكِ وابنكِ أولًا.”

كنت أعتقد أن زوجي أهانني في حفل زفاف شقيقته لأنه يكرهني.

لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة.

كان يريدني أن أصدق أنني لا أنتمي إلى عائلته، حتى لا أكتشف أنني كنت أمتلك جزءًا من إمبراطوريتهم منذ سنوات.

وفي النهاية، المرأة التي قالوا إنها جاءت لتأكل على حسابهم…

كانت هي المرأة التي أنقذت ما تبقى من ثروتهم.

والأهم من كل ذلك…

أنها استردت ابنها.

واستردت حياتها.

النهاية.
حكايات محمد عبده

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى