
ولم يستطيعوا إثبات أنها أجرت حتى معاملة مالية واحدة من تلك الأموال.
لكن ذلك لم يكن مهمًا.
فالعائلة كانت تمتلك محامين أقوياء، ونفوذًا واسعًا، وعلاقات في كل مكان.
أما سارة، فلم يكن لديها سوى طفلة صغيرة… ولا شيء تقريبًا.
تم فصلها من عملها.
وبدأ أهل المنطقة يعاملونها وكأنها لصّة.
ولم يعد أحد يجرؤ على توظيفها في أي عمل له علاقة بالمال.
اضطرت إلى تنظيف المنازل، وخياطة ملابس الأطفال في المدارس، وقبول أي عمل تستطيع القيام به، فقط حتى تتمكن من توفير الطعام لابنتها نور.
شعر عمر بموجة غضب لم يكن يتوقعها.
بعد يومين، توجه بنفسه إلى منزلها.
فتحت سارة الباب، واحتاجت إلى عدة لحظات حتى تتعرف إليه.
سقطت قطعة القماش التي كانت تمسك بها من يدها.
قالت بصوت مرتجف:
“عمر؟”
أجاب:
“نعم… أنا.”
تحولت دهشتها سريعًا إلى مرارة.
قالت:
“هل جئت لترى ماذا حدث للفتاة التي أقسمت لها أنك ستعود من أجلها؟”
أراد عمر أن يبرر غيابه.
أراد أن يخبرها أن السنوات لم تكن كما تتخيل.
لكنه توقف فجأة عندما خرجت نور من خلف والدتها واحتضنت ساقها بقوة.
نظر عمر إلى الطفلة.
وشيء ما في عينيها جعله يفقد القدرة على التنفس للحظات.
كان قد رأى ذلك اللون الأخضر الفاتح من قبل مرة واحدة فقط طوال حياته.
في عيني والدته.
همس:
“سارة… كم عمر نور؟”
اختفى اللون من وجهها.
ثم قالت بصوت حاسم:
“ارحل.”
قال عمر:
“يجب أن أعرف.”
احتضنت سارة طفلتها بقوة، وكأنها تحاول حمايتها من العالم كله.
ثم قالت:
“وعودك لم تعد تعني لي شيئًا منذ زمن طويل.”
وأغلقت الباب في وجهه.
عاد عمر ببطء إلى سيارته، بينما ظل تاريخ واحد يتكرر في رأسه بلا توقف.
قبل أربع سنوات.
المرة الوحيدة التي عاد فيها إلى بلدته خلال ستة وعشرين عامًا.
الليلة التي التقى فيها بسارة من جديد.
الليلة التي حاولا كلاهما دفنها في أعماق ذاكرته.
وفجأة…
فهم عمر أن تلك الطفلة الصغيرة يمكن أن تغير كل شيء.
بل ربما تكون هي المفتاح لكشف سر أخطر بكثير مما تخيل.
سر يتعلق بعائلته.
وبسارة.
وبالأموال التي اختفت.
وبأربع سنوات كاملة من الأكاذيب.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر عمر بالخوف من الحقيقة التي كان على وشك اكتشافها.
الجزء الثاني — الحقيقة التي لم يكن مستعدًا لسماعها
ظل عمر جالسًا داخل سيارته أمام منزل سارة، غير قادر على تشغيل المحرك.
كان سؤال واحد يضرب رأسه بقوة:
لماذا تشبه نور والدته؟
حاول إقناع نفسه بأن الأمر مجرد مصادفة.
لكن ذاكرته عادت إلى تلك الليلة قبل أربع سنوات.
الليلة التي التقى فيها بسارة بعد غياب طويل.
كان وقتها قد عاد إلى بلدته لإنهاء بعض الأعمال، ولم يكن يتوقع أن يراها.
وعندما وقعت عيناه عليها في أحد المطاعم الصغيرة، شعر وكأن السنوات الست والعشرين لم تمر أبدًا.
تحدثا لساعات.
عن الماضي.
عن الأحلام التي لم تتحقق.
عن الحياة التي اختارها كل منهما.
وفي نهاية تلك الليلة، افترقا بطريقة جعلت كليهما يعتقد أن الماضي انتهى إلى الأبد.
لكن الآن كانت هناك طفلة عمرها ثلاث سنوات.
وكان توقيت ميلادها قريبًا بشكل مخيف من تلك الليلة.
أخرج عمر هاتفه واتصل بمحاميه.
قال:
“أريد منك شيئًا واحدًا.”
“تفضل.”
“أريد أن أعرف كل شيء عن سارة منصور خلال السنوات الأربع الماضية.”
صمت المحامي لحظة.
ثم سأل:
“كل شيء؟”
أجاب عمر:
“كل شيء. وظائفها، حساباتها، قضاياها، وكل ما يتعلق بعائلة الشناوي.”
ثم أضاف:
“وبطريقة سرية تمامًا.”
أنهى المكالمة، لكنه لم يتحرك.
وبعد دقائق، خرجت سارة من المنزل وهي تحمل كيسًا صغيرًا.
رأته.
توقفت.
قالت:
“لماذا ما زلت هنا؟”
نزل عمر من السيارة.
“لأنني لم أحصل على إجابة.”
“لن تحصل عليها.”
“هل نور ابنتي؟”
تجمدت سارة.
لم تجبه.
وكان صمتها أقوى من أي اعتراف.
اقترب عمر خطوة.
“أربع سنوات يا سارة… لماذا لم تخبريني؟”
رفعت عينيها إليه.
“لأنني حاولت.”
“ماذا؟”
ضحكت بمرارة.
“حاولت أن أصل إليك.”
ثم أضافت:
“لكن عائلتك سبقتني.”
شعر عمر بقشعريرة.
“ماذا تقصدين؟”
أخرجت سارة هاتفها، وفتحت رسالة قديمة.
ناولته الهاتف.
قرأ عمر الرسالة.
كانت من رقم مجهول.
“إذا حاولتِ التواصل مع عمر مرة أخرى، ستخسرين ابنتك.”
تجمدت ملامحه.
“من أرسل هذه؟”
“لم أعرف.”
“هل لديك رسائل أخرى؟”
هزت رأسها.
“كانت هناك عشرات الرسائل.”
ثم قالت:
“وفي كل مرة كنت أحاول الاقتراب منك، كانوا يذكرونني بأنهم يستطيعون أخذ نور مني.”
نظر عمر إلى الطفلة من خلف النافذة.
ثم عاد بعينيه إليها.
“من هم؟”
قالت سارة:
“أنت تعرف عائلتك جيدًا.”
—
الجزء الثالث — ملف المليوني جنيه
في مساء اليوم نفسه، وصل المحامي إلى مكتب عمر.
وضع أمامه ملفًا سميكًا.
قال:
“أعتقد أنك يجب أن تجلس قبل أن تقرأ هذا.”
فتح عمر الملف.
كانت الصفحة الأولى تتعلق بحسابات عائلة الشناوي.
والثانية تتعلق بالتحويلات المالية.
والثالثة جعلت وجهه يتغير.
كانت هناك تحويلات مالية ضخمة تمت قبل أربع سنوات مباشرة.
لكن الأموال لم تذهب إلى حساب سارة.
بل ذهبت إلى شركة وهمية.
والشركة كانت مسجلة باسم شخص واحد.
كمال الشناوي.
رفع عمر عينيه.
“لكنهم قالوا إن سارة سرقت الأموال.”
أجاب المحامي:
“وهنا المشكلة.”
أخرج مستندًا آخر.
“الأموال لم تختفِ.”
“ماذا؟”
“تم تحويلها إلى الخارج.”
ثم وضع أمامه كشفًا مصرفيًا.
“وهذه التحويلات تمت باستخدام توقيع إلكتروني من جهاز كان موجودًا في مكتب كمال الشناوي.”
شعر عمر بالغضب.
“إذن لقد لفّقوا لها التهمة.”
“يبدو ذلك.”
ثم قال المحامي:
“لكن هناك شيء آخر.”
“ماذا؟”
فتح صفحة أخيرة.
“هناك دفعة مالية كبيرة خرجت من حساب كمال الشناوي قبل أسبوع واحد فقط من ولادة نور.”
رفع عمر رأسه ببطء.
“إلى من؟”
تردد المحامي.
“إلى مستشفى خاص.”
“ولماذا؟”
“هذا ما لم نعرفه بعد.”
ظل عمر صامتًا.
ثم قال:
“أريد سجلات المستشفى.”
—
الجزء الرابع — المرأة التي تعرف الحقيقة
في صباح اليوم التالي، ذهب عمر إلى المستشفى بنفسه.
لم يكن يريد أن ينتظر المحامي.
استطاع الوصول إلى موظفة قديمة كانت تعمل في قسم الحسابات.
كانت امرأة تدعى هدى.
عندما ذكر اسم سارة، تغير وجهها.
قالت:
“لماذا تسأل عنها الآن؟”
أجاب:
“لأنني أعتقد أن حياتها دُمرت ظلمًا.”
تنهدت هدى.
ثم قالت:
“كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي.”
تجمد عمر.
“ماذا تقصدين؟”
أخرجت مفتاحًا صغيرًا من حقيبتها.
“هناك غرفة تخزين في الطابق السفلي. احتفظت بشيء منذ أربع سنوات.”
نزلا معًا إلى القبو.
فتحت هدى صندوقًا قديمًا.
كان بداخله ملف طبي.
قالت:
“هذا الملف لم يكن يجب أن يبقى هنا.”
فتح عمر الملف.
ثم توقف.
كانت هناك ورقة تثبت أن سارة دخلت المستشفى قبل أربع سنوات.
وكان اسم الطبيب موجودًا.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط اليد في أسفل الصفحة:
“يجب عدم إبلاغ الأب.”
ارتجفت يد عمر.
“من الأب؟”
نظرت إليه هدى مباشرة.
“أنت.”
شعر وكأن الأرض تحركت تحت قدميه.
ثم أخرجت ورقة أخرى.
وقالت:
“لكن هذا ليس أسوأ شيء.”
“ماذا يوجد أيضًا؟”
أجابته بصوت منخفض:
“الطفلة لم تكن مجرد سر.”
“ماذا تقصدين؟”
نظرت هدى حولها، ثم همست:
“كانت هناك محاولة لتغيير هوية الطفلة في السجلات.”
تراجع عمر خطوة.
“من فعل ذلك؟”
لم تجب.
لكن قبل أن يغادر، أعطته ظرفًا بنيًا.
قالت:
“افتحه عندما تكون وحدك.”
—
الجزء الخامس — الظرف
عاد عمر إلى مكتبه وأغلق الباب.
ظل ينظر إلى الظرف عدة دقائق.
ثم فتحه.
وجد بداخله صورة قديمة.
صورة لسارة وهي تحمل رضيعة.
وعلى ظهر الصورة تاريخ.
اليوم التالي للولادة.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه.
كانت سارة ترتدي سوار المستشفى.
وبجوارها امرأة أخرى.
امرأة يعرفها عمر جيدًا.
كانت نادية الشناوي، زوجة عمه.
حدق في الصورة.
“ماذا كانت تفعل هنا؟”
ثم وجد ورقة أخرى.
كانت نسخة من سجل ولادة.
قرأ الاسم.
ثم توقف.
اسم الأم:
سارة منصور.
أما خانة الأب…
فكانت فارغة.
لكن أسفلها كان هناك توقيع تم شطبه بالحبر.
اقترب عمر من الورقة.
كان يستطيع رؤية بعض الحروف رغم الشطب.
عمر…
جلس على الكرسي.
لم يعد هناك مجال للشك.
نور ابنته.
لكن لماذا حاولت عائلة الشناوي إخفاء الأمر؟
وما علاقة نادية بالمستشفى؟
وفجأة رن هاتفه.
رقم مجهول.
أجاب.
لم يتحدث أحد لثوانٍ.
ثم جاء صوت رجل مسن:
“إذا كنت قد بدأت في البحث عن نور، فتوقف.”
قال عمر:
“من أنت؟”
ضحك الرجل بهدوء.
“الشخص الوحيد الذي يعرف لماذا كان يجب أن تختفي تلك الطفلة.”
ثم أغلق الخط.
وقف عمر فورًا.
كان يعرف صوت الرجل.
لقد سمعه مئات المرات في حياته.
كان صوت عمه…
كمال الشناوي.
الجزء قبل الأخير — الحقيقة التي أخفاها الجميع
ظل عمر ممسكًا بالهاتف بعد أن انقطع الاتصال.
لم يكن بحاجة إلى أن يسمع الاسم.
كان يعرف الصوت جيدًا.
كمال الشناوي.
عمه.
الرجل الذي اتهم سارة بالسرقة قبل أربع سنوات، والذي كان طوال تلك السنوات يظهر أمام الجميع باعتباره رجل الأعمال المحترم الذي دافع عن سمعة عائلته.
لكن عمر أصبح يعرف الآن أن القصة لم تكن كما رواها أحد.
اتصل بمحاميه فورًا.
“أريد كل المستندات المتعلقة بحسابات كمال.”
“لقد أرسلت لك كل ما وجدته.”
“لا. أريد شيئًا آخر.”
“ماذا؟”
قال عمر:
“أريد أن أعرف أين ذهبت الأموال التي اختفت قبل أربع سنوات، ومن المستفيد الحقيقي منها.”
بعد أقل من ساعة، جاء الرد.
وكان يحمل مفاجأة أكبر.
لم تذهب الأموال إلى حسابات كمال مباشرة.
بل إلى ثلاث شركات مختلفة.




