
تغير وجهه.
“ماذا؟”
قلت:
“أجبني.”
أخذ الهاتف وشاهد التسجيل.
ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم قال:
“ربما كانت تبحث عن شيء يخصها.”
قلت:
“داخل منزل جدتي؟ وفي صندوق خاص بي؟”
لم يرد.
فتحت حقيبتي وأخرجت نسخة من الرسالة.
قلت:
“والآن أريد أن أعرف شيئًا آخر.”
نظر إليّ.
“ماذا؟”
قلت:
“لماذا كانت سارة تبحث عن هذه الأوراق أصلًا؟”
في تلك اللحظة، رن هاتف محمود.
كان المتصل هو سارة.
نظر إلى الشاشة، ثم إليّ.
قلت:
“رد.”
فتح المكالمة ووضعها على مكبر الصوت.
جاء صوت سارة مرتجفًا:
“هل هي معك؟”
قال محمود:
“نعم.”
صمتت قليلًا.
ثم قالت:
“هل أخبرتك؟”
سألها محمود:
“أخبرتني بماذا؟”
لم تجب.
قلت لها:
“أنا هنا يا سارة. لماذا أخذتِ أوراق جدتي؟”
ساد الصمت.
ثم انفجرت بالبكاء.
“أنا لم أكن أريد سرقتها!”
قلت:
“إذن ماذا كنت تريدين؟”
قالت:
“كنت أريد فقط أن أتأكد من شيء.”
سألتها:
“ما هو؟”
قالت بصوت منخفض:
“المنزل.”
تجمدت.
“ماذا عن المنزل؟”
قالت:
“كنت أريد أن أعرف إن كانت جدتك قد تركت شيئًا آخر غير البيت.”
نظرت إلى محمود.
ثم سألتها:
“ولماذا يهمك ذلك؟”
قالت:
“لأنني كنت أعرف أن هناك وثيقة.”
قلت:
“أي وثيقة؟”
لم تجب.
وفي تلك اللحظة، شعرت بأن القصة أكبر بكثير مما كنت أتصور.
قلت:
“سارة، إذا لم تخبريني الآن بالحقيقة، فسأترك الأمر للمحامي والشرطة.”
صرخت:
“لا! من فضلك!”
ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:
“أبي أخبرني قبل سنوات أن جدتك كانت تعرف سرًا عن عائلتنا.”
توقفت أنفاسي.
لم أفهم.
“أي سر؟”
قالت:
“سر يتعلق بملكية الأرض التي بُني عليها منزل البحيرة.”
تذكرت فجأة كلام جدتي قبل وفاتها.
كانت قد قالت لي ذات مرة:
“احتفظي بهذا البيت مهما حدث. سيأتي يوم تفهمين فيه لماذا حرصت على أن يكون باسمك أنتِ.”
في ذلك الوقت ظننت أنها مجرد وصية عاطفية.
لكن الآن…
بدأت أفهم أن كلماتها كانت تحمل تحذيرًا.
سألت سارة:
“ماذا كان أبيك يعرف؟”
قالت:
“قال إن هناك شخصًا من العائلة حاول الاستيلاء على الأرض منذ سنوات.”
سألتها:
“ومن كان ذلك الشخص؟”
صمتت طويلًا.
ثم قالت:
“والدي.”
نظرت إلى محمود.
كان وجهه شاحبًا.
لكن سارة لم تكن قد انتهت.
قالت:
“ولهذا كنت أبحث عن الأوراق.”
قلت:
“لكن لماذا أرسلت لكِ الصندوق إذن؟”
ضحكت سارة وسط بكائها.
“لأنني عندما فتحته في منزلي… وجدت شيئًا لم أتوقعه.”
توقفت.
“ماذا وجدتِ؟”
قالت:
“نسخة من وصية جدتك.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ثم أضافت:
“وفي الوصية… كان هناك اسم شخص آخر.”
قلت:
“من؟”
جاءت الإجابة بهدوء:
“اسم والدي.”
وفي اللحظة نفسها، فهمت لماذا كانت سارة تصرخ عندما فتحت الصندوق.
لم تكن خائفة من الهدية نفسها.
كانت خائفة مما كشفته الهدية.
لكنني لم أكن قد رأيت المفاجأة الأكبر بعد…
لأن الوثيقة التي وجدتها سارة لم تكن الوصية الكاملة.
كانت مجرد الصفحة الأولى.
أما الصفحة الأخيرة…
فكانت في مكان لم يخطر ببال أي منا أن يبحث فيه.
لم أنم تلك الليلة.
ظل سؤال واحد يطاردني:
أين يمكن أن تكون الصفحة الأخيرة من وصية جدتي؟
في الصباح، عدت إلى المنزل المطل على البحيرة وبدأت أفتش كل شيء.
فتحت الخزائن القديمة، وراجعت الصناديق، وقلبت الملفات التي تركتها جدتي.
لكنني لم أجد شيئًا.
حتى تذكرت شيئًا.
كانت جدتي دائمًا تقول لي:
“بعض الأشياء المهمة لا نضعها في مكان واضح… بل نضعها في مكان لا يخطر على بال أحد.”
تذكرت وسادة قديمة كانت تجلس عليها كلما جلست في غرفة المعيشة.
كانت قد خاطتها بنفسها.
نزعت غطاء الوسادة.
وفعلًا…
وجدت شيئًا مخبأً داخلها.
ظرفًا بنيًا صغيرًا.
كان عليه اسمي.
فتحت الظرف بيدين مرتجفتين.
في داخله كانت الصفحة الأخيرة من الوصية.
بدأت أقرأ.
كلما قرأت سطرًا، ازداد قلبي خفقانًا.
كانت جدتي قد كتبت أنها اشترت الأرض قبل سنوات طويلة، لكن والد محمود، حسن، حاول إقناعها بالتنازل عنها.
رفضت.
وبعد ذلك، اكتشفت أن حسن كان قد استخدم بعض المستندات القديمة بطريقة غير قانونية ليحاول إثبات أن له حقًا في الأرض.
لكن جدتي احتفظت بالأدلة.
والأخطر…
أنها لم تكن تثق به إطلاقًا.
ثم وصلت إلى آخر سطر.
كان مكتوبًا:
“إذا حاول حسن أو أحد من عائلته يومًا المطالبة بهذا المنزل، فهذه الوثائق ستثبت الحقيقة.”
أسفل الرسالة كان هناك توقيع جدتي.
وبجوار التوقيع اسم محامٍ قديم.
اتصلت بالمحامي الذي أتعامل معه وطلبت منه مراجعة المستندات.
وبعد ساعات، اتصل بي.
قال:
“لدي خبر جيد.”
سألته:
“ما هو؟”
قال:
“الوثائق قوية جدًا. ملكية المنزل والأرض باسمك، ولا توجد أي مطالبة قانونية صحيحة من عائلة زوجك.”
تنفست براحة.
لكنني سألته:
“وماذا عن المستندات التي أخذتها سارة؟”
قال:
“هذه هي المشكلة.”
توقفت.
“ماذا تقصد؟”
قال:
“هناك شيء آخر.”
أرسل لي صورة من وثيقة قديمة.
وقال:
“هذه الوثيقة تُظهر أن والد زوجك حاول بالفعل استخدام توقيع مزور منذ سنوات.”
شعرت بالصدمة.
لم أكن أعرف أن الأمر وصل إلى هذا الحد.
لكنني لم أكن مستعدة للصمت.
في اليوم التالي، طلبت من محمود أن يأتي إلى المنزل.
وصل بعد الظهر.
كان هادئًا على غير عادته.
قلت له:
“أريد منك أن تجيبني بصراحة.”
جلس أمامي.
“ماذا تريدين أن تعرفي؟”
وضعت الوثائق أمامه.
“هل كنت تعرف ما فعله والدك؟”
نظر إلى الأوراق.
