Uncategorized

اول يوم دراسة بقلم محمد عبده

فقالت بصوت أعلى:

«كنت عارف إن بابا شريك فيها؟ وعرفت إن الدكتورة مريم موجودة؟»

سكت كمال.

رنا بدأت تبكي.

«أنا طول عمري فاكرة إن الجامعة دي ملك بابا وعيلتنا.»

قلت بهدوء:

«الظاهر إن الموضوع مش كده.»

لكنني كنت أشعر أن هناك جزءًا ناقصًا.

جزءًا لا يظهر في الأوراق.

قلت لسامح:

«فين الملف الأصلي؟»

قال:

«ده هو الملف الأصلي حسب الأرشيف.»

«لا. ده مش الأصلي.»

كمال رفع رأسه.

«إزاي؟»

أشرت إلى مكان صغير في أسفل الصفحة.

«الختم ده حديث.»

سامح اقترب.

وبمجرد ما شافه، تغير وجهه.

«معاكي حق.»

سألته:

«الختم الأصلي فين؟»

قال:

«في خزنة مجلس الأمناء.»

«هاتها.»

ذهب سامح إلى الغرفة المجاورة، وبعد دقائق عاد بملف آخر.

فتحناه.

كانت الصفحة نفسها موجودة.

لكن التوقيع لم يكن موجودًا.

والجملة المتعلقة بانتقال الملكية لم تكن موجودة أيضًا.

رفعت رأسي ببطء.

«حد بدّل الصفحات.»

كمال قال:

«مين؟»

نظرت إليه.

«ده السؤال اللي لازم نجاوب عليه.»

رنا مسحت دموعها.

«طب ليه حد يعمل كده؟»

قلت:

«علشان يخفي إن والدك ما كانش المالك الوحيد.»

ساد الصمت.

ثم سألت كمال:

«إنت قلت إن عيلتكم تبرعت بثلاثين مليون دولار للجامعة، صح؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«الفلوس دخلت من حساب مين؟»

لم يرد.

قلت:

«من حساب والد رنا؟ ولا من مؤسسة مستقلة؟»

قال:

«من مؤسسة عائلية.»

«اسمها؟»

«مؤسسة الشاذلي للتنمية.»

فتحت الملف المالي.

كان هناك رقم جعلني أتوقف.

«المبلغ مش ثلاثين مليون.»

كمال اقترب.

«أمال كام؟»

قلت:

«أربعة وأربعين مليونًا وثمانمائة ألف.»

رنا شهقت.

«يعني عيلتنا دفعت أكتر؟»

هززت رأسي.

«لا. معناها إن فيه مبلغًا إضافيًا اختفى من الحسابات.»

سامح قال:

«وده ممكن يفسر العقود اللي وصلتنا امبارح.»

نظرت إلى كمال.

«والفلوس دي راحت فين؟»

لم يجب.

لكن هاتفه رن مرة أخرى.

نظر إلى الشاشة، ثم أغلق المكالمة.

قلت:

«مين؟»

«أخويا.»

«والد رنا؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«رد.»

قال بتردد:

«مش عايز.»

«رد.»

ضغط زر الاتصال.

جاء صوت رجل متوتر من الطرف الآخر:

«كمال… خدوها وامشوا من الجامعة.»

كمال قال:

«إنت عارف إنها وصلت؟»

«عارف.»

«وعارف إنها الرئيسة الجديدة؟»

صمت الرجل.

ثم قال:

«أنا عارف أكتر من كده.»

رنا خطفت الهاتف من يد عمها.

«بابا!»

ساد الصمت.

ثم جاء صوت والدها:

«رنا؟»

قالت وهي تبكي:

«إنت تعرف الدكتورة مريم؟»

لم يجب.

«بابا، رد عليّ!»

بعد ثوانٍ طويلة، قال:

«أيوه.»

رنا تجمدت.

«من إمتى؟»

«من قبل ما تتولدي.»

شهقت.

«يعني إيه؟»

والدها قال:

«مريم كانت…»

ثم انقطع الاتصال.

نظرنا جميعًا إلى الهاتف.

«بابا؟»

لا رد.

اتصلت رنا مرة أخرى.

الهاتف مغلق.

رفعت عينيها نحوي.

«هو كان هيقول إيه؟»

لم أعرف ماذا أجيب.

لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا.

والدها لم يكن يخاف من التحقيق المالي.

كان يخاف من ظهور اسمي في هذه الجامعة.

قلت لسامح:

«عايزاك تعمل حاجة واحدة دلوقتي.»

«إيه؟»

«تجيب لي كل المستندات اللي تخص تأسيس الجامعة من أول يوم.»

«حاضر.»

ثم نظرت إلى كمال.

«وأنت هتفضل هنا.»

قال بغضب:

«إنتِ مش من حقك تأمريني.»

ابتسمت.

«من عشر دقائق كنت بتقول إنك صاحب الكلمة هنا.»

ثم أشرت إلى شعار الجامعة المعلق على الحائط.

«دلوقتي أنا الرئيسة.»

وقبل أن يرد، دخل موظف الأمن مسرعًا.

قال:

«دكتورة مريم… فيه حاجة لازم تشوفيها.»

«إيه؟»

ناولني ظرفًا أبيض.

«ده اتساب قدام مكتب الرئيسة.»

فتحته.

كانت بداخله صورة قديمة جدًا.

صورة لطفلة صغيرة تقف بجوار امرأة شابة.

نظرت إلى الطفلة.

ثم إلى المرأة.

يدي بدأت ترتعش.

لأنني عرفت المرأة فورًا.

كانت أمي.

لكن الطفلة…

لم تكن أنا.

كانت رنا.

وعلى ظهر الصورة كانت جملة قصيرة:

«رنا ليست ابنة يوسف الشاذلي.»

رفعت رأسي ببطء.

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت رنا خلفي:

«مريم… إنتِ بتبصي للصورة كده ليه؟»

لم أستطع الإجابة.

لأنني بدأت أفهم أن السر الذي أخفاه والداها عشر سنوات…

لم يكن متعلقًا بالجامعة فقط.

بل كان متعلقًا بهوية رنا نفسها.
اتجمدت وأنا ماسكة الصورة.

رنا كانت واقفة قدامي، مستنية إجابتي، لكني ما قدرتش أقول لها اللي مكتوب على ظهر الصورة.

مش لأن الحقيقة مش مهمة…

لكن لأن الحقيقة كانت أكبر من إنها تتقال في ممر الجامعة قدام الناس.

طويت الصورة وحطيتها داخل الملف.

رنا قربت مني.

«إنتِ مخبية عني إيه؟»

قلت:

«مش هنا.»

كمال تدخل بسرعة:

«رنا، لازم تمشي معايا.»

صرخت فيه:

«لا! أنا مش همشي معاك في أي مكان قبل ما أعرف الحقيقة!»

ثم بصت لي.

«مين البنت اللي في الصورة؟»

قلت:

«إنتِ.»

سكتت.

«وأنا؟»

«كنتِ طفلة.»

«والست اللي جنبّي؟»

نظرت إلى الصورة مرة أخرى.

«أمي.»

رنا اتسمرت مكانها.

«أمك؟»

هززت رأسي.

«أيوه.»

بدأت الدموع تنزل من عينيها.

«يعني أمي كانت تعرفك؟»

«واضح.»

«طب ليه؟»

لم أجد إجابة.

لأنني نفسي كنت أريد أن أعرف.

في تلك اللحظة، ظهر سامح البدري وهو يحمل صندوقًا معدنيًا قديمًا.

قال:

«لقيته في الأرشيف.»

وضع الصندوق على الطاولة.

كان عليه ملصق صغير مكتوب عليه:

ملفات خاصة — 2016.

فتحته.

في الداخل كانت هناك عشرات المستندات.

لكن أول ورقة شدت انتباهي كانت شهادة ميلاد قديمة.

أخذتها.

قرأت الاسم.

رنا يوسف عبدالسلام.

رفعت رأسي ببطء.

«إيه ده؟»

كمال اندفع نحوي.

«هاتِ الورقة.»

سحبتها بعيدًا.

«إنت عارف المستند ده؟»

لم يرد.

رنا خطفت الورقة من يدي.

وبدأت تقرأ.

ثم رفعت عينيها.

«اسمي… رنا يوسف عبدالسلام.»

قلت:

«أيوه.»

قالت:

«مش رنا يوسف الشاذلي؟»

كمال قال بسرعة:

«الورقة دي قديمة وممكن تكون غلط.»

سامح هز رأسه.

«مش غلط.»

فتح ملفًا آخر.

«فيه نسخة تانية من سجل الميلاد، وفيها نفس الاسم.»

رنا بدأت ترتجف.

«يعني أنا مش بنت بابا؟»

لم يرد أحد.

فقالت بصوت أعلى:

«أنا سألت سؤال!»

كمال اقترب منها.

«رنا، أبوكي هو اللي رباكي.»

صرخت:

«أنا مش بسألك مين رباني! بسألك مين أبويا الحقيقي!»

الصمت كان هو الإجابة.

ثم جاء صوت من خلفنا.

«أنا.»

التفتنا جميعًا.

كان والد رنا واقفًا عند باب الغرفة.

يوسف الشاذلي.

وجهه كان شاحبًا، وعيناه مليئتين بالتعب.

رنا جريت نحوه.

«قول لي الحقيقة.»

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

«أنا مش أبوكي.»

انهارت رنا على الكرسي.

«مين أبويا؟»

يوسف نظر إليّ.

«أبوكي الحقيقي مات من عشر سنين.»

قلت:

«مين؟»

أجاب:

«أخوكي.»

توقفت أنفاسي.

«أخويا؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«أنا معنديش أخ.»

قال:

«كان عندك.»

ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة.

ناولني إياها.

نظرت إليها.

كان شابًا في منتصف العشرينيات.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن ملامحه مألوفة جدًا.

قلت:

«مين ده؟»

يوسف قال:

«اسمه آدم.»

يدي بدأت ترتعش.

«آدم كان أخويا؟»

«أيوه.»

«وإنت تعرفه؟»

«أعرفه أكتر مما تتخيلي.»

ثم قال شيئًا جعل الغرفة كلها تصمت:

«آدم هو اللي أسس الجامعة معاكِ.»

حدقت فيه.

«معايا؟»

«أيوه.»

سامح نظر إلى العقود القديمة.

«وده يفسر التوقيع الثاني.»

يوسف قال:

«لكن آدم مات قبل افتتاح الجامعة.»

سألته:

«إزاي مات؟»

خفض رأسه.

«حادثة عربية.»

«حادث طبيعي؟»

لم يجب.

عرفت من سكوته أن الإجابة لا.

قلت:

«مين قتله؟»

رفع عينيه إليّ.

«أنا ما قلتش إن حد قتله.»

قلت:

«لكن وشك بيقول.»

لم يرد.

رنا كانت لا تزال تبكي.

«طب أنا إيه علاقتي بآدم؟»

يوسف أغمض عينيه.

«إنتِ بنته.»

رنا شهقت.

«إيه؟»

«آدم هو أبوكي الحقيقي.»

نظرت إليها.

كل القطع بدأت تتحرك في رأسي.

الصورة.

شهادة الميلاد.

التوقيع.

الجامعة.

الملف السري.

لكن كان هناك سؤال واحد أهم من كل شيء.

قلت:

«لو آدم كان أبو رنا… مين أمها؟»

يوسف نظر إليّ.

ثم قال:

«أمها كانت أختك.»

لم أفهم.

«أختي ماتت وهي صغيرة.»

قال:

«دي مش الحقيقة.»

تراجعت خطوة.

«إنت بتقول إيه؟»

«أختك عايشة.»

شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.

«فين؟»

قبل أن يجيب، رن هاتف يوسف.

نظر إلى الشاشة.

ثم تغير وجهه تمامًا.

قال:

«هي وصلت.»

«مين؟»

رفع عينيه نحوي.

«أم رنا.»

وفي نفس اللحظة، فُتح باب الغرفة.

دخلت امرأة ترتدي ملابس بسيطة، ووقفت أمامي.

نظرت إليها.

هي نظرت إليّ.

ثم قالت بصوت مرتعش:

«مريم…»

لم أستطع الحركة.

لأنني عرفت صوتها.

كان الصوت الذي ظللت أبحث عنه في ذاكرتي طوال طفولتي.

صوت أختي التي قيل لي إنها ماتت منذ عشرين سنة.

اقتربت مني.

«أنا آسفة.»

قلت بصعوبة:

«إنتِ…»

هزت رأسها وهي تبكي.

«أيوه. أنا أختك.»

رنا وقفت فجأة.

«ماما؟»

التفتت المرأة إليها.

وانهارت في البكاء.

«بنتي…»

لكنني لم أكن أستطيع التفكير في رنا وقتها.

كنت أفكر في شيء واحد فقط:

إذا كانت أختي حية طوال هذه السنوات…

فمين اللي دفنوه بدلها؟

وليه عائلتي أخفت عني الحقيقة؟

وقبل أن أسأل، وضعت أختي ظرفًا أسود في يدي.

وقالت:

«ده آخر شيء تركه آدم قبل ما يموت.»

فتحته.

وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا، وورقة واحدة.

كان مكتوبًا عليها:

«لو مريم وصلت لمنصب رئيسة الجامعة، افتحوا الخزنة رقم 17. الحقيقة كلها موجودة هناك.»

نظرت إلى يوسف.

ثم إلى كمال.

ثم إلى أختي.

وفهمت أن السر الحقيقي لم يبدأ اليوم…

بل بدأ قبل عشر سنوات، في الليلة التي مات فيها آدم.
في صباح اليوم التالي، كانت الجامعة مختلفة تمامًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى