
«لأن اللي حصل مش مجرد خلاف بين طالبتين.»
ثم أشرت إلى هاتفي المكسور.
«فيه اعتداء على ممتلكات، وفيه شهادة كاذبة، وفيه موظف أمني أصدر قرارًا من غير ما يتحقق من الواقعة.»
محمود فوزي بدأ يتلعثم:
«أنا… أنا كنت بحاول أحافظ على النظام.»
قلت:
«النظام مش معناه إنك تصدق صاحب النفوذ من غير دليل.»
ساد الصمت.
ثم دخلنا جميعًا إلى مبنى الإدارة.
بعد دقائق، ظهرت التسجيلات على الشاشة.
شاهدنا رنا وهي تعترض طريقي.
ثم ظهر بوضوح أن صديقتها حاولت دفعي.
ثم ظهرت رنا وهي تسقط هاتفي أرضًا وتدوس عليه.
وبعدها ظهر المشهد الذي ألقت فيه النقود على وجهي.
رنا غطت وجهها بيديها.
«أنا… أنا مكنتش أقصد…»
قلت:
«لكن حصل.»
كمال ظل صامتًا.
ثم قال:
«أنا آسف عن تصرف بنت أخويا.»
نظرت إليه.
«الاعتذار مقبول.»
تنفس براحة.
ثم أضفت:
«لكن مش كفاية.»
رفع رأسه.
«إيه قصدك؟»
«عايزة أعرف ليه رئيس الأمن صدق كلامها من غير تحقيق.»
كمال لم يرد.
سامح البدري قال:
«دي نقطة مهمة فعلًا.»
نظرت إلى كمال.
«خصوصًا إن اسمه ظهر في الملف اللي وصلني امبارح.»
تجمد.
«أي ملف؟»
قلت:
«ملف العقود والامتيازات المالية.»
لأول مرة، تغيرت ملامحه تمامًا.
«إنتِ استلمتي الملف؟»
«أيوه.»
«ومين بعته لك؟»
«لو كنت أعرف، مكنتش سألت.»
ظل يحدق في وجهي.
وفي اللحظة دي، دخل موظف شاب مسرعًا إلى الغرفة.
كان يحمل ظرفًا بنيًا كبيرًا.
اقترب من سامح وقال:
«الظرف ده وصل حالًا للرئيسة الجديدة.»
أخذه سامح ووضعه أمامي.
فتحت الظرف.
كان بداخله ملف قديم، وصورة عائلية، وورقة مطوية.
أول ما شفت الصورة، توقفت أنفاسي.
كانت صورة لرجل وامرأة وطفلة صغيرة.
الطفلة كانت رنا.
وعلى ظهر الصورة كان مكتوبًا بخط يد واضح:
«الحقيقة التي أخفيناها عنها لمدة عشر سنوات… بدأت الآن.»
رفعت عيني ببطء.
رنا كانت تقف بالقرب من الباب.
كانت تراقبني.
قلت:
«رنا… تعالي هنا.»
اقتربت بخوف.
وضعت الصورة أمامها.
«تعرفي الصورة دي؟»
بمجرد ما شافتها، تغير وجهها.
«دي… دي صورتي وأنا صغيرة.»
«مين دول؟»
أشارت إلى الرجل والمرأة.
«أبويا وأمي.»
فتحت الورقة.
كان فيها اسم واحد فقط.
مريم عبدالسلام.
رنا نظرت إليّ.
ثم إلى الورقة.
ثم عادت تنظر إليّ مرة أخرى.
«إنتِ؟»
لم أجب.
لأنني في تلك اللحظة، فهمت أن الموضوع أكبر بكثير من فساد إداري أو عقود مشبوهة.
كان هناك سر عائلي مدفون منذ عشر سنوات.
وسرعان ما ستكتشف رنا أن حياتها كلها بُنيت على كذبة.
لكن قبل أن أتمكن من قول أي شيء، رن هاتف كمال.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
ثم قال بصوت منخفض:
«مستحيل…»
سألته:
«مين؟»
رفع عينيه نحوي.
«والد رنا.»
ثم سكت لحظة.
«بيقول إن لازم نقفل الجامعة النهارده فورًا.»
تبادلنا النظرات.
قلت:
«وليه؟»
كمال لم يجب.
وفي اللحظة التالية، وصلت رسالة جديدة إلى هاتفه.
قرأها.
ثم أسقط الهاتف من يده.
لأن الرسالة كانت تحتوي على جملة واحدة:
«مريم وصلت… إذن الوقت انتهى. قولوا لرنا الحقيقة قبل ما تكتشفها بنفسها.»
فضلت الرسالة ظاهرة على شاشة هاتف كمال، والجملة الأخيرة بتتكرر في دماغي:
«مريم وصلت… إذن الوقت انتهى.»
رنا كانت واقفة جنبي، ووشها مليان أسئلة.
قالت:
«عمي… هو بابا يعرفها؟»
كمال ما ردش.
«أنا بسألك! بابا يعرف الدكتورة مريم؟»
حاول يبعد عينيه عنها.
«رنا، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.»
ضحكت بسخرية.
«كل مرة بتقولولي كده. من وأنا صغيرة وكل ما أسأل عن حاجة تقوليلي: مش وقته.»
ثم بصت لي.
«إنتِ تعرفي أبويا؟»
قلت:
«لا. لكن واضح إن أبوك يعرفني.»
سامح البدري كان واقف عند المكتب، وبدأ يقلب في الأوراق القديمة اللي وصلتني.
فجأة قال:
«دكتورة مريم… لازم تشوفي ده.»
ناولني مستندًا أصفر اللون.
كان عقد تأسيس قديم للجامعة.
قلبت الصفحة الأولى، ثم الثانية.
وفي الصفحة الأخيرة كان فيه توقيعان.
الدكتور يوسف الشاذلي.
و…
الدكتورة مريم عبدالسلام.
توقفت تمامًا.
رنا اقتربت.
«إيه ده؟»
قلت:
«التوقيع ده… توقيعي.»
رنا شهقت.
«إزاي؟»
نظرت إلى التاريخ.
كان العقد مؤرخًا قبل عشر سنوات.
قلت:
«أنا كنت وقتها في الثانية والعشرين.»
كمال قال بسرعة:
«مستحيل يكون توقيعك.»
رفعت عيني إليه.
«أنا كمان كنت هقول كده.»
لكن كان هناك شيء آخر.
في أسفل الصفحة، بجانب توقيعي، كانت توجد جملة مكتوبة بخط صغير:
«في حالة وفاة أحد الطرفين، تنتقل ملكية الحصة بالكامل إلى الطرف الآخر.»
سألت:
«يعني إيه الكلام ده؟»
سامح ابتلع ريقه.
«يعني حسب العقد… الجامعة اتأسست بالشراكة بين شخصين.»
نظرت إليه.
«مين الشخص الثاني؟»
أشار إلى اسم الدكتور يوسف الشاذلي.
والد رنا.
شعرت رنا وكأن الأرض تحركت تحت قدميها.
«بابا شريك في الجامعة؟»
كمال تدخل:
«رنا، اسمعيني…»
صرخت:
«إنت كنت عارف؟!»
لم يجب.




