روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

ماذا حدث لجدي؟

وليه كل الأشخاص دول قضوا 38 سنة بيخفوا الحقيقة عني؟

لكن قبل ما أقدر أقلب الصفحة…

سامح مد إيده وأخذ الملف.

وقال:

“كفاية.”

نظرت له.

“ليه؟”

ابتسم وقال:

“لأن الصفحة الأخيرة… فيها اسمي.”

وفي نفس اللحظة، دخل المحامي بتاعي ومعاه رجال الشرطة.

وقال:

“لا، يا أستاذ سامح.”

“الصفحة الأخيرة فيها أسماء كل المتورطين.”

سكت الجميع.

وأنا لأول مرة…

ابتسمت.

لأن اللعبة انتهت.

لكن الحقيقة الكاملة…

كانت لسه على وشك الظهور.

يتبع في النهاية…

دخل المحامي ومعاه رجال الشرطة، وفجأة المكان كله اتقلب.

سامح رجع خطوة للخلف.

أمي حطت إيدها على صدرها.

داليا بدأت تبكي.

أما فؤاد، ففضل واقف ساكت، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.

بصيت للمحامي وقلت:

“إنت كنت عارف؟”

قال:

“كنت شاكك، لكن ماكانش عندي دليل كفاية.”

وأشار للملف اللي كان سامح ماسكه.

“الملف ده هو الدليل.”

سامح حاول يخفيه وراه.

لكن أحد الضباط أخده منه.

بدأ يقلب الصفحات.

كل صفحة كانت بتكشف جزءًا جديدًا من القصة.

تحويلات مالية.

توقيعات.

عقود مزورة.

وأسماء شركات وهمية.

ثم وصل لآخر صفحة.

رفع عينيه وقال:

“الصفحة دي فيها اعتراف.”

بصيت لأمي.

كانت منهارة.

قالت بصوت ضعيف:

“أنا ماكنتش عايزة كل ده يحصل.”

رديت:

“بس حصل.”

قالت:

“كنت خايفة.”

“خايفة من إيه؟”

دموعها نزلت.

“من الفقر.”

سكت الجميع.

ثم بدأت تحكي.

قبل ولادتي، كان جدي قد كتب وصية تجعلني الوريثة الأساسية لجزء كبير من أمواله.

لكن بشرط أن تظل الأموال تحت إدارة أبي الذي رباني حتى أبلغ الثامنة والثلاثين.

أمي كانت تعرف أن بمجرد وصولي لهذا السن، ستنتهي سيطرتها.

لذلك بدأت، بمساعدة سامح، في نقل مبالغ من التركة إلى حسابات وشركات مختلفة.

أما داليا…

فكانت في البداية تنفذ ما يطلبانه منها.

لكن بعد وفاة أبي الذي رباني، اكتشفت حجم التلاعب.

ومن وقتها بدأت تحتفظ بنسخ من المستندات.

كانت تخاف أن تتكلم.

وفي نفس الوقت كانت تحاول، بطريقتها الخاطئة، حماية جزء من أموالي.

أما فؤاد…

فكان شريكًا في البداية.

لكنه بعد ذلك ندم.

وحاول كشف الحقيقة.

ولهذا اختفى سنوات.

ثم جاء دور جلال.

والدي البيولوجي.

كان يعرف أنني ابنته، لكنه لم يستطع الاقتراب مني طوال هذه السنوات بسبب الصراع على التركة وخوفه من أن يتم استخدامي ضده.

سألته:

“طيب وجدي؟”

هنا ساد الصمت.

فؤاد هو اللي رد:

“جدك ما اختفاش.”

بصيت له.

“يعني إيه؟”

قال:

“مات بشكل طبيعي، لكن قبل وفاته بأيام اكتشف أول عملية تحويل.”

“وعلشان كده كتب الوصية؟”

“أيوه.”

ثم أضاف:

“وكان عارف إن أمك وسامح هيحاولوا السيطرة على كل حاجة.”

بصيت لأمي.

“وأبويا اللي رباني؟”

انفجرت في البكاء.

وقالت:

“كان هيبلغ عن كل حاجة.”

سألتها:

“وإنتِ ضربتيه؟”

هزت رأسها وهي بتبكي.

“أنا دفعتُه بعيدًا أثناء الخلاف… وقع واتصاب.”

سكتت.

“ولما وقع، خفت.”

سامح قاطعها:

“مافيش داعي للكلام ده.”

لكن الشرطة أوقفته.

والتحقيقات بعد كده أثبتت إن سامح هو اللي أخفى جزءًا من الأدلة، وساعد في تحويل الأموال وإخفاء المستندات.

أما وفاة أبي، فتم فتح التحقيق فيها من جديد بناءً على التسجيلات والأدلة القديمة.

ولأول مرة منذ 38 سنة…

الحقيقة خرجت للنور.

أما أنا؟

في صباح اليوم التالي، رجعت لنفس المطعم اللي احتفلت فيه بعيد ميلادي.

نفس المكان.

نفس الطاولات.

نفس النجفة.

لكن المرة دي كنت لابسة فستان جديد.

دخلت لوحدي.

قعدت على نفس الكرسي.

وطلبت قهوة.

الجرسون ابتسم وقال:

“احتفال جديد؟”

ابتسمت وقلت:

“أيوه.”

“بمناسبة إيه؟”

بصيت من الشباك.

وقلت:

“بداية جديدة.”

ماعدتش محتاجة أثبت لأي حد أنا مين.

ولا أشرح ليه ماعدتش أساعد كل شخص يمد إيده.

ولا أدفع حساب أخطاء غيري.

أما داليا…

فبعد التحقيق، اعترفت بكل اللي تعرفه.

وخسرت جزءًا كبيرًا من ثقتي فيها.

لكنها كانت أول واحدة وقفت قدام المحكمة واعترفت بالحقيقة.

أما لارا، فبعتت لي رسالة بعد أيام.

كتبت:

“خالتي نورا… أنا آسفة.”

ما رديتش وقتها.

وبعد فترة، رديت بكلمتين:

“اتعلمي من اللي حصل.”

أما أمي…

فلم أقطع عنها كل شيء، لكن علاقتنا تغيرت للأبد.

لأن في حاجات لما تنكسر…

مش بترجع زي الأول.

والثروة؟

رجعت لي قانونيًا بعد انتهاء الإجراءات.

لكن أهم شيء حصل لم يكن المال.

كان إني أخيرًا عرفت أنا مين.

عرفت إن أبويا اللي رباني، رغم كل الأسرار، اختار يحميني.

وعرفت إن جلال، رغم غيابه، كان أبي الحقيقي.

وعرفت إن العائلة مش دايمًا هي الأشخاص اللي يحملون نفس اسمك.

العائلة هي الشخص اللي يحميك وقت ما تكون ضعيف…

مش الشخص اللي يستغلك وقت ما تكون طيب.

وفي آخر زيارة لي لقبر أبي الذي رباني، وقفت أمامه طويلًا.

قلت:

“سامحني إني ما فهمتكش بدري.”

وضعت وردة على القبر.

ثم ابتسمت.

لأول مرة منذ سنوات، ماكانش عندي أي سر أخبيه.

ولا حساب لازم أدفعه.

ولا شخص لازم أرضيه.

كنت فقط…

نورا.

وفي يوم عيد ميلادي التالي، رجعت لنفس المطعم.

لكن المرة دي…

لما الجرسون حط التورتة قدامي، ماكانش فيه عيلة كاملة تنتظر مني أدفع الحساب.

كان فيه أشخاص اخترتهم أنا.

أصدقاء.

وأشخاص وقفوا بجانبي وقت الحقيقة.

أشعلت الشموع.

وأغمضت عيني.

ولما فتحتها، تمنيت أمنية واحدة:

أن أعيش بقية عمري من غير ما أسمح لأي شخص أن يجعلني أشعر أن قيمتي أقل منه.

ثم نفخت الشموع.

وانتهت الحكاية…

لكن الدرس فضل:

أحيانًا الإهانة اللي بتوجعك في لحظتها، بتكون هي نفسها اللحظة اللي تكتشف فيها قيمتك الحقيقية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى