
وبعدها رفعت راسها وقالت:
«ماما، ينفع ألبس الفستان بكرة؟»
ابتسمت وقلت:
«طبعًا يا حبيبتي».
سألتني:
«حتى لو مفيش فرح؟»
ضحكت وقلت:
«الفستان بتاعك إنتِ، مش بتاع الفرح. البسيه وقت ما تحبي، ولما تكوني مبسوطة».
وفي اللحظة دي، حسيت إننا بدأنا نرجع لبعض بعد يوم كان ممكن يخلّي بنتي تشك في أهم حاجة في حياتها.
### الفصل السابع: بعد مرور ثلاثة شهور
عدت الأيام الأولى بصعوبة.
كان فيه مصاريف لازم تتراجع، وحجوزات اتلغت، وضيوف اتصلوا يسألوا عن السبب، وأشخاص حاولوا يقنعوني إني كنت متسرعة.
بعضهم قال إن فارس كان ممكن يتغير بعد الجواز.
وبعضهم قال إن كل العائلات فيها خلافات، وإنه كان المفروض أدي الموضوع فرصة تانية.
لكن كل مرة كنت أفتكر ليلى وهي بتسألني إذا كنت هختارها أو أختار فارس، كنت بتأكد إن قراري كان في مكانه.
أنا مش بدور على حياة من غير مشاكل، لأن مفيش حياة بالشكل ده.
أنا كنت بدور على شريك أقدر أواجه معاه المشاكل من غير ما أحس إن بنتي لازم تدفع تمن وجودها في حياتي.
بعد حوالي شهر، فارس بعتلي رسالة طويلة.
اعتذر فيها عن اللي حصل، وقال إنه كان تحت ضغط والدته، وإنه ماكانش يقصد يجرح ليلى.
قال كمان إنه أدرك إنه غلط لما حاول يفرض ترتيبات تخص بيتنا من غير ما يناقشها معايا.
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
كنت مصدقة إنه ممكن يكون ندم فعلًا، لكن الندم مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
رديت عليه برسالة قصيرة، قلت له فيها إني أتمنى له الخير، لكني مش هارجع للعلاقة.
بعدها بفترة، سمعت من ناس مشتركة بيننا إن علاقته بوالدته بقت فيها خلافات، وإنه بدأ يفكر في قراراته بشكل مختلف.
ماحاولتش أتابع أخباره، ولا كنت محتاجة أعرف إذا كان اتغير فعلًا أو لأ.
لأن التغيير الحقيقي اللي كنت محتاجاه ماكانش مجرد اعتذار منه.
كنت محتاجة أرجع أحس بالأمان في حياتي، وأساعد بنتي ترجع تثق في نفسها وفي مكانها عندي.
وده كان أهم من أي حاجة تانية.
أما البيت، ففضل زي ما هو.
نفس الجنينة الصغيرة، ونفس المطبخ اللي ليلى بتحب تعمل فيه الحلويات، ونفس الطرقة اللي كانت بتتدرب فيها على المشي يوم فرحي.
وفي يوم جمعة، بعد مرور تلات شهور تقريبًا، كنا بنرتب الأوضة، ولقيت ليلى الفستان البنفسجي في آخر الدولاب.
طلعته، ونفضت عنه التراب، وبعدها لبسته وخرجتلي.
لفت قدامي وهي بتضحك وقالت:
«ماما، شايفة؟ لسه حلو!»
ضحكت وقلت لها:
«ده أجمل من يوم ما اشتريناه».
قربت مني وقالت:
«عارفة يا ماما؟ أنا كنت فاكرة إن علشان إنتِ تكوني سعيدة، لازم أنا أتنازل عن حاجات كتير».
مسكت إيديها وقلت:
«وأنا كنت فاكرة إن الشخص اللي بحبه هيقدر يفهم ده من غير ما أشرح. لكن إحنا الاتنين اتعلمنا حاجة مهمة».
سألتني:
«إيه هي؟»
قلت لها:
«إن العيلة السعيدة مش هي العيلة اللي شكلها حلو في الصور، ولا اللي كل الناس بتقول عليها إنها مثالية. العيلة السعيدة هي اللي كل واحد فيها يقدر يكون على طبيعته، من غير خوف، ومن غير ما يحس إنه لازم يختفي علشان غيره يرتاح».
ابتسمت ليلى، وبعدها حضنتني.
وفي اللحظة دي، عرفت إننا بدأنا فعلًا صفحة جديدة.
مش الصفحة اللي كنت برسمها مع فارس، لكن صفحة فيها صدق أكتر، وخوف أقل، وحدود واضحة.
### الفصل الأخير: الفستان البنفسجي والنهاية اللي ماكنتش متوقعاها
بعد ستة شهور، كنت واقفة في المطبخ بجهز العشاء، وليلى قاعدة على الترابيزة بتحل واجب الرياضيات.
فجأة رفعت راسها وقالت:
«ماما، فاكرة يوم الفرح؟»
ابتسمت رغم إني ماكنتش متوقعة السؤال.
«طبعًا فاكرة يا حبيبتي».
قالت:
«أنا وقتها كنت فاكرة إنك هتزعلي مني علشان مشيتش معاكي في الفرح».
قعدت جنبها وقلت:
«أنا زعلت علشان كنتِ موجوعة، مش علشان الفستان أو الفرح».
سكتت شوية، وبعدين سألتني:
«لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي نفس الحاجة؟»
مسكت إيديها وقلت من غير تردد:
«أيوه. كنت هعمل نفس الحاجة، ويمكن كنت هسأل أسئلة أكتر من بدري. لكني مش ندمانة إني وقفت علشان أحميكي وأحمي نفسي من حياة ماكنتش مطمنة لها».
ليلى ابتسمت، ورجعت تبص في كراستها.
وبعد دقائق، قالت جملة بسيطة فضلت فاكرها طول عمري:
«أنا دلوقتي عارفة إنك ممكن تحبي حد، لكن ده مش معناه إنك لازم توافقي على كل حاجة بيعملها».
بصيت لها بفخر.
«بالضبط يا حبيبتي. الحب مش معناه إننا نتنازل عن احترامنا لنفسنا، ولا إننا نقبل إن حد يخلينا نحس إن الناس اللي بنحبهم عبء علينا».
في المساء، بعد ما خلصنا العشاء، طلعنا الجنينة وقعدنا تحت الشجر.
كانت ليلى بتحكيلي عن المدرسة وصحباتها، وأنا بسمعها وأضحك معاها.
حياة عادية جدًا، مفيهاش فساتين فخمة، ولا قاعات أفراح، ولا صور عائلية مرتبة.
لكن كان فيها شيء ماكنتش عايزة أخسره أبدًا.
الراحة.
راحة إني أكون أم من غير ما أعتذر عن أمومتي، وامرأة من غير ما أضطر أختار بين حقي في السعادة وحق بنتي في إنها تحس بالأمان.
وفي اللحظة دي، افتكرت الجملة اللي قالتها ليلى قبل فرحي بساعة:
«ماما، إنتِ تستاهلي عيلة سعيدة».
وقتها، كنت فاكرة إنها بتطلب مني أتنازل عن جزء من حياتها علشان أقدر أبدأ حياة جديدة.
لكن الحقيقة كانت عكس كده تمامًا.
بنتي ماكانتش محتاجة تختفي علشان أنا أكون سعيدة.
وأنا ماكنتش محتاجة أتجوز أي شخص علشان أثبت لنفسي إن حياتي بدأت من جديد.
أحيانًا، أصعب قرار بناخده هو اللي بيحمينا من مستقبل كنا فاكرينه حلمنا، وأحيانًا النهاية اللي بنخاف منها بتكون هي البداية الحقيقية لحياة نستحقها.
أما الفستان البنفسجي، ففضل موجود في دولاب ليلى.
وكل ما كانت تشوفه، ماكنتش بتفتكر اليوم اللي رفضت تمشي فيه جنبي.
كانت بتفتكر اليوم اللي اتعلمت فيه إن الحب الحقيقي ما بيطلبش منها تختفي، وإنها عمرها ما كانت عائق في طريق سعادتي.
لأن العيلة السعيدة مش هي اللي بتجبر طفل يبعد علشان الكبار يرتاحوا، لكنها العيلة اللي بتخلي أصغر فرد فيها يحس إنه محبوب، ومقبول، وليه مكان محفوظ مهما اتغيرت الحياة.
تمت




