
«محمود، إنت مكبر الموضوع ليه؟ نادية طول عمرها بتحاول توقع بينا».
لكن محمود المرة دي مكنش مستعد يصدق أي كلام بسهولة.
قال لها:
«أنا بسألك سؤال واضح، إيه اللي حصل من 9 شهور؟».
داليا كانت قاعدة على سرير الفحص، ودموعها بتنزل، وبتحاول تمنع محمود من الاستمرار في الكلام.
قالت:
«كفاية يا محمود، أنا مش قادرة أستحمل الضغط ده».
لكن محمود لف ناحيتها وقال:
«إنتِ كمان هتجاوبيني. أنا عايز أعرف الحقيقة».
الدكتور شريف تدخل وقال:
«من فضلكم، العيادة مش مكان مناسب للخلافات العائلية. لكن فيه نقطة مهمة، وأنا محتاج أعرف إذا كان فيه أي معلومات طبية سابقة متعلقة بالحمل أو فحوصات اتعملت خارج العيادة».
داليا نزلت عينيها في الأرض.
وفي اللحظة دي، رانيا طلبت من محمود يخرج معاها بره الغرفة.
في الممر، محمود مسك دراع أخته وقال:
«اتكلمي يا رانيا، أنا مش هسيب الموضوع يعدي المرة دي».
رانيا اتنفست بعمق وقالت:
«فاكر لما داليا دخلت حياتك؟ وقتها أبوك كان رافض العلاقة، وكان بيقول إنك لسه متجوز وعندك بنتين، وإنك لازم تحل مشاكلك الأول».
محمود رد:
«عارف الكلام ده، كملي».
قالت:
«قبل ما تعلن داليا خبر الحمل، حصلت مشكلة كبيرة بينها وبين شخص من ماضيها. وجاتلي البيت وطلبت مني أساعدها».
محمود حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة.
«ساعدتيها في إيه؟».
رانيا سكتت شوية، وبعدها قالت:
«كانت خايفة من إن موضوع قديم يظهر، وطلبت مني أحتفظ ببعض الأوراق عندي لحد ما الأمور تهدى».
محمود قرب منها وقال:
«أوراق إيه؟».
رانيا بدأت تعيط وقالت:
«أنا غلطت لما وافقت أساعدها، لكن والله مكنتش عايزة أدمّر حياتك».
محمود صرخ:
«إنتِ بتتكلمي عن مراتي اللي أنا اتطلقت منها عشانها، ولا عن داليا اللي كنت فاكر إنها بتحبني؟».
رانيا مردتش.
وفجأة خرج الدكتور شريف من الغرفة وقال:
«أستاذ محمود، أنا محتاج حضرتك تشوف مستند موجود في الملف القديم».
في غرفة الطبيب، فتح الدكتور تقريرًا طبيًا قديمًا كان محفوظًا في ملف داليا.
وقال:
«أنا مش هقدر أحكم على أي علاقة أو أنسب طفل لحد من خلال حسابات الحمل وحدها. لكن فيه اختلافات في البيانات محتاجة مراجعة، وده السبب اللي خلاني أطلب استكمال الفحوصات».
محمود سأله:
«يعني ممكن يكون الطفل مش ابني؟».
الدكتور رد:
«ممكن نحدد بعض الأمور الطبية، لكن إثبات الأبوة محتاج تحليل متخصص وإجراءات صحيحة، وموافقة الأطراف المعنية. مش عايزك تبني قرارك على مجرد شك».
داليا بدأت تبكي بصوت أعلى.
وقالت:
«أنا مش عايزة أعمل أي تحليل!».
محمود بص لها طويلًا وقال:
«ليه؟ لو كل حاجة زي ما بتقولي، إيه اللي يخوفك؟».
ردت وهي بتنهار:
«لأنك مش هتصدقني مهما عملت!».
في اللحظة دي، دخل الحاج حسن ومعاه محامي العيلة.
كان محمود اتصل بوالده وطلب منه ييجي فورًا.
الحاج حسن بص لابنه وقال:
«إيه اللي بيحصل هنا؟ إنت هتفضح العيلة كلها بسبب كلام ست اتطلقت منك؟».
محمود رد لأول مرة من غير خوف:
«أنا مش هحمي سمعة حد على حساب حقي في معرفة الحقيقة».
الحاج حسن اتغيرت ملامحه وقال:
«خلي بالك من كلامك يا محمود».
لكن رانيا، اللي كانت ساكتة طول الوقت، قررت أخيرًا تتكلم.
قالت:
«كفاية يا بابا. محمود لازم يعرف كل حاجة».
الحاج حسن بص لها بغضب:
«إنتِ كمان هتدخلي في الموضوع؟».
رانيا طلعت من شنطتها ظرفًا قديمًا، وحطته على الترابيزة.
وقالت:
«دي الأوراق اللي داليا طلبت مني أخبيها».
محمود فتح الظرف، وبدأ يراجع المستندات.
كان فيها مراسلات قديمة، وتواريخ لمواعيد مقابلات، وبعض الفواتير، وتقارير طبية من مركز آخر.
لكن الصدمة الأكبر كانت في ورقة مكتوب فيها اسم شخص كان محمود يعرفه كويس.
«كريم منصور».
محمود رفع عينه وقال:
«كريم ده مين؟».
رانيا ردت:
«ده ابن خال داليا، وكان قريب منها جدًا قبل ما تتعرف عليك».
داليا صرخت:
«إنتِ وعدتيني إنك مش هتتكلمي!».
محمود رجع بص لها وقال:
«يعني إيه وعدتها؟ إنتوا كنتوا مخبيين إيه عني؟».
داليا غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
وبعد لحظات من الصمت، قالت:
«أنا كنت أعرف كريم من زمان، وكانت بينا علاقة انتهت قبل ما أعرفك. ولما حصل الحمل، كنت خايفة أخسرك، وخايفة كمان أخسر المكانة اللي بقيت فيها وسط عيلتك».
محمود حس إن الأرض بتتهز تحته.
قال بصوت منخفض:
«إنتِ مش عارفة الحمل حصل إمتى؟».
داليا مردتش.
قال تاني:
«الطفل ابني ولا لأ؟».
رفعت عينيها والدموع في وشها، وقالت:
«أنا مش هقدر أأكدلك أي حاجة من غير تحليل».
في الوقت ده، كان الحاج حسن واقف في ركن الغرفة، وشكله مشغول بحاجة تانية تمامًا.
محمود لاحظ ده وسأله:
«بابا، إنت كنت تعرف حاجة عن الموضوع؟».
الحاج حسن رد بعصبية:
«أنا معرفش أي حاجة، وكل اللي يهمني إنك متعملش فضيحة».
لكن رانيا قالت:
«بابا، إنت كنت عارف إن داليا عندها ماضٍ مع كريم، وطلبت مني أساعدها أخفي الموضوع عشان كنت خايف محمود يسيبها».
محمود بص لأبوه بذهول.
«إنت كنت عارف؟».
الحاج حسن حاول يبرر:
«أنا كنت بحاول أحافظ على استقرارك. إنت كنت مصمم عليها، وكنت شايف إن وجود ولد في العيلة هيحل مشاكل كتير».
محمود ضحك ضحكة حزينة وقال:
«يعني إنت كنت عارف إن فيه احتمال كبير إن الطفل مش ابني، ومع ذلك كنت بتشجعني أطلق مراتي وبناتي عشان الولد اللي مستنيه؟».
الحاج حسن سكت.
وهنا فهم محمود إن الموضوع أكبر من مجرد خيانة أو علاقة انتهت.
عيلته كلها كانت مستعدة تضحي باستقرار بناته وكرامتهم، لمجرد حلمهم بوجود حفيد ذكر يحمل اسم السيوفي.
بعد أسبوعين، ظهرت نتيجة الفحوصات المتخصصة، بعد استكمال الإجراءات الطبية اللازمة.
وكانت النتيجة واضحة:
محمود لم يكن الأب البيولوجي للطفل المنتظر.
الخبر نزل عليه كالصاعقة.
أما داليا، فاعترفت أخيرًا إن كريم هو والد الطفل، وإنها كانت بتتمنى إن محمود يتقبل الحمل وينسب الطفل لنفسه، خصوصًا بعد ما عرفت قد إيه عيلته متعلقة بفكرة وجود وريث ذكر.
محمود أنهى علاقته بداليا فورًا، وطلب منها ألا تتواصل معه إلا في الأمور القانونية الضرورية.
الحاجة فوزية انهارت لما عرفت الحقيقة.
كانت طول الوقت بتحتفل بالحفيد المنتظر، وبتحكي لكل الناس عن اسم العيلة اللي هيتوارثه.
لكنها اكتشفت إن هوسها بوجود ولد خلاها تظلم حفيدتيها الحقيقيتين، ملك وجنى.
أما الحاج حسن، فحاول يلم الموضوع ويحافظ على سمعة العيلة، لكن محمود رفض يسمع أي تبرير.
قال له:
«أنا مش زعلان عشان الطفل طلع مش ابني بس. أنا زعلان عشان إنتوا خلتوني أصدق إن بناتي مش كفاية، وإن وجود ولد هو اللي هيخليني أبقى أب حقيقي».
الحاج حسن حاول يرد، لكن محمود خرج من البيت.
لأول مرة، بدأ يفكر في كل اللحظات اللي ضيعها مع بناته.
افتكر يوم ميلاد ملك، وأول يوم دخلت فيه المدرسة.
وافتكر جنى لما كانت بتجري عليه أول ما يرجع من الشغل.
وافتكر آخر مرة سألته فيها:
«بابا، هتلعب معايا النهارده؟».
وكان رده وقتها:
«مشغول يا حبيبتي».
دموعه نزلت من غير ما يحس.
بعد شهر، كنت أنا والبنات بدأنا نستقر في دبي.



