اعمال

الجزء الثاني والاخير

وأنا رجعت أشتغل في مجال التصميم والإدارة اللي كنت بعيدة عنه خلال فترة الجواز.

في يوم، وصلني اتصال من رقم مصري.

لما رديت، سمعت صوت محمود.

كان صوته مختلف تمامًا، مفيهوش غرور ولا عصبية.

قال:

«إزيك يا نادية؟».

رديت بهدوء:

«الحمد لله، خير؟».

سكت شوية، وبعدها قال:

«أنا عرفت الحقيقة كلها. وعايز أعتذرلك».

مردتش.

كمل كلامه:

«أنا ظلمتك، وظلمت البنات. كنت فاكر إن الفلوس والاسم والولد هما اللي بيعملوا العيلة، ومكنتش شايف إن عندي بنتين كانوا محتاجين أب يكون موجود في حياتهم».

قلت له:

«الاعتذار مش هيغير اللي حصل يا محمود».

قال بصوت مكسور:

«عارف، ومش طالب منك ترجعي. أنا بس عايز فرصة أشوف بناتي وأصلح اللي أقدر عليه».

قلت له:

«البنات مش لعبة نرجعها ونبعدها حسب ظروفك. لو عايز تكون أب ليهم، لازم تثبت ده بالأفعال، مش بالكلام».

قال:

«أنا مستعد».

قلت:

«يبقى ابدأ باحترامهم، واحترم حياتهم الجديدة، وأي تواصل معاهم يكون بشكل منظم ومناسب ليهم».

وبعدها قفلت المكالمة.

مكنتش حاسة بالشماتة فيه.

الحقيقة إن اللي حصل معاه كان نتيجة اختياراته، وأنا مكنتش محتاجة أنتقم منه عشان أعيش مرتاحة.

بعد فترة، سافر محمود إلى دبي بعد ما تم ترتيب الزيارة بشكل قانوني وبالاتفاق على مصلحة البنات.

أول ما شاف ملك وجنى، وقف قدامهم ومكنش عارف يبدأ الكلام إزاي.

ملك فضلت باصة له شوية، وبعدها قالت:

«إنت وحشتني يا بابا، بس أنا زعلت لما قلت إنك عايز ولد ومش عايزنا».

محمود نزل على ركبته قدامها، ودموعه في عينيه.

قال:

«أنا غلطت يا ملك، وغلطت في حقك إنتِ وأختك. ومفيش أي حاجة في الدنيا ممكن تخليكم أقل من أي حد».

جنى قربت منه وسألته:

«يعني إنت لسه بابانا؟».

حضنها وقال:

«هفضل باباكم طول عمري، ولو سمحتوا ادوني فرصة أثبتلكم إني اتغيرت».

أنا كنت واقفة بعيد، بتابع الموقف من غير ما أتدخل.

ماكنتش عايزة أحرم البنات من أبوهم، لكن في نفس الوقت مكنتش هسمح لحد يرجع يجرحهم تاني.

بعد الزيارة، محمود بقى يتواصل مع البنات بانتظام، وبدأ يتحمل مسؤولياته تجاههم، بعيدًا عن الوعود الكبيرة والكلام اللي ملوش معنى.

أما أنا، فكنت بدأت صفحة جديدة.

صفحة مفيهاش إهانة، ولا مقارنة، ولا انتظار لحد يقرر قيمتي.

وفي يوم، كنت قاعدة مع أختي سمر في البلكونة، والبنات بيلعبوا قدامنا.

سمر بصتلي وقالت:

«عمرك ندمتي إنك مشيتي وسافرتي؟».

ابتسمت وبصيت للبنات وقلت:

«أبدًا. أنا مكنتش بهرب من جوازة انتهت، أنا كنت بنقذ نفسي وبناتي من حياة كانت بتخلينا نحس إننا مش كفاية».

سمر مسكت إيدي وقالت:

«ربنا يعوضك خير».

ابتسمت وقلت:

«الحمد لله. أنا اكتشفت إن العيلة مش اسم عيلة، ولا ولد يشيل لقب، ولا فلوس وعقارات. العيلة الحقيقية هي الناس اللي بتحبك وتحترمك وبتفضل جنبك وقت الشدة».

وبصيت لملك وجنى وهما بيضحكوا، وحسيت إن عندي أغلى حاجة ممكن أي إنسان يتمناها.

وفي النهاية، محمود خسر زوجته بسبب غروره، وكاد يخسر بناته بسبب اعتقاده إن الولد أهم من البنت. أما أنا، فربحت نفسي وبدأت حياة جديدة مع بنتين كانوا طول عمرهم كفاية وزيادة.

العبرة من الحكاية: قيمة الإنسان مش في كونه ولد أو بنت، ولا في اسم العيلة اللي بينتمي ليها، لكن في أخلاقه وحبه ومسؤوليته تجاه اللي حواليه.
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى