
— أبوك ما ماتش بسبب المرض زي ما قالوا لكِ.
شعرت بأن العالم توقف.
— إيه؟
— أبوك تعرض لحادث بعد ما اكتشف الحسابات.
اقتربت منه وأنا لا أصدق.
— يعني أبويا اتقتل؟
— ما قلتش كده. قلت إن الحادث ما كانش عادي.
أخرج رامي هاتفه.
— وفي شخص واحد يقدر يثبت لكِ ده.
قلت:
— مين؟
نظر إليّ مباشرة.
— سارة.
اتسعت عيناي.
— سارة؟
— هي كانت آخر شخص شاف والدك قبل الحادث.
شعرت أن كل الخيوط التي كنت أظن أنها تتجه نحو محمود بدأت تتجمع حول شيء أخطر.
وفجأة رن هاتفي.
كان رقم المستشفى.
أجبت بسرعة.
جاءني صوت الممرضة مذعورًا:
— دكتورة مريم، لازم ترجعي المستشفى فورًا.
— محمود حصل له حاجة؟
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— محمود اختفى من غرفة العناية المركزة.
توقفت أنفاسي.
— إزاي؟!
— والأغرب… إن سارة اختفت هي كمان.
نظرت إلى رامي.
فقال بهدوء:
— الآن بدأت تفهمين لماذا كان أبوك يخاف من هذه العائلة.
وفي تلك اللحظة، وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول:
“مريم… لا تثقي في أي شخص. حتى زوجك لم يكن يخبرك الحقيقة كاملة.”
ثم وصلتني صورة.
صورة قديمة لوالدي…
وبجواره محمود وسارة معًا قبل زواجي بسنوات.
الجزء الخامس
حدقت في الصورة وكأنني أحاول أن أجد فيها إجابة.
كان أبي يقف في المنتصف، وإلى جواره محمود… أما سارة فكانت تقف خلفهما.
لكن الشيء الذي لفت انتباهي لم يكن وجودها.
بل التاريخ المكتوب على ظهر الصورة.
منذ سبع سنوات.
أي قبل زواجي من محمود بعامين.
رفعت عيني نحو رامي.
— إنت كنت عارف بالصورة دي؟
هز رأسه.
— لأ. أول مرة أشوفها.
— ومين بعتها لي؟
— الشخص الوحيد اللي كان عارف إن الصورة دي موجودة.
— مين؟
لم يجب.
رن هاتفي مرة أخرى.
رقم مجهول.
هذه المرة كانت رسالة صوتية.
شغلتها.
جاءني صوت امرأة تبكي.
— مريم… أنا سارة. لازم تسمعيني قبل ما تحكمي عليّ.
تجمدت في مكاني.
تابعت سارة:
— محمود مش هو الشخص اللي تتخيليه… لكنه كمان مش بريء. أنا كنت أعرف أبوك قبل ما أعرف محمود. وأبوك هو اللي طلب مني أساعده.
نظرت إلى رامي.
كان مذهولًا مثلي.
استمر التسجيل:
— واللي حصل الليلة دي مش حادث عادي. محمود عرف مين وراء كل حاجة، وحاول يهرب بي. لكنهم لحقونا.
ثم انقطع التسجيل.
أعدته مرة ثانية.
ثم ثالثة.
“حاول يهرب بي.”
إذن محمود وسارة لم يكونا في طريقهما إلى موعد سري كما كنت أظن.
كانا يحاولان الهروب من شخص ما.
لكن من؟
اتصلت بالمستشفى فورًا.
— هل تأكدتم من كاميرات المراقبة؟
أجابتني الممرضة:
— الشرطة وصلت وبتراجع التسجيلات.
— أنا جاية.
قبل أن أغادر، أمسك رامي بذراعي.
— مريم، لو رجعتي المستشفى، ما تروحيش لوحدك.
نظرت إليه.
— ليه؟
— لأن الشخص اللي بيحرك كل ده لسه حر.
وصلت إلى المستشفى بعد أقل من نصف ساعة.
كان رجال الشرطة في الممر.
رئيس القسم اقترب مني.
— مريم، لازم تسألي نفسك سؤال مهم.
— إيه؟
— إزاي شخص في حالة حرجة، مربوط بأجهزة، قدر يخرج من المستشفى من غير ما حد يلاحظ؟
لم أجد جوابًا.
ثم أشار إلى شاشة المراقبة.
ظهر محمود على التسجيل.
كان يمشي بصعوبة في ممر جانبي.
وبجواره شخص يرتدي ملابس طبية ويضع كمامة.
أوقفت الفيديو.
— مين ده؟
قال الضابط:
— لسه ما عرفناش.
تابعت التسجيل.
عند باب الطوارئ، ظهر شخص ثالث ينتظرهم.
وبمجرد أن التفت الرجل نحو الكاميرا…
شعرت بقلبي يتوقف.
كان رامي.
نظرت إليه عندما دخل من باب المستشفى.
— إنت كنت هنا؟
ارتبك.
— مريم، اسمعيني…
— إنت كنت بتساعد محمود يهرب؟
اقترب الضابط منه.
— هنحتاج ناخد أقوالك.
رفع رامي يديه.
— أنا ما خطفتش أخويا. أنا كنت بحاول أنقذه!
— من مين؟
نظر إليّ.
ثم قال:
— من أمي.
ساد الصمت.
شعرت أنني لم أعد أفهم شيئًا.
— نوال؟
أومأ.
— أمي كانت تعرف كل حاجة من البداية.
— إنت بتتهم أمك؟
— أنا مش بتهمها. أنا عندي دليل.
أخرج هاتفه.
فتح ملفًا صوتيًا.
كان تسجيلًا لمكالمة قديمة.
وسمعت صوت حماتي بوضوح:
— لازم محمود يفضل ساكت. مريم لو عرفت إن أبوها اكتشف الحقيقة قبل موته، كل اللي بنيناه هينهار.
ثم جاء صوت رجل آخر:
— وسارة؟
أجابت نوال:
— سارة عارفة دورها. هي اللي هتخلي مريم تصدق إن محمود خانها.
شعرت بصدمة قوية.
رفعت عيني إلى رامي.
— يعني سارة كانت جزءًا من الخطة؟
قال:
— في البداية… أيوه.
ثم أضاف:
— لكنها غيرت موقفها لما اكتشفت الحقيقة كاملة.
نظرت إلى شاشة المراقبة.
فجأة فهمت شيئًا.
ربما كل ما حدث خلال الأشهر الماضية لم يكن مجرد خيانة زوجية.
ربما كان هناك شخص يريدني أن أكره محمود…
حتى لا أبحث عن الحقيقة الحقيقية.
وقبل أن أستوعب الأمر، دخل شرطي مسرعًا.
— دكتورة مريم! لقينا عربية محمود.
— فين؟
— في طريق صحراوي خارج المدينة.
— ومحمود وسارة؟
هز رأسه.
— العربية فاضية.
ثم مد يده إليّ بكيس أدلة شفاف.
داخله كان هاتف محمود.
قال:
— لكن فيه رسالة واحدة اتبعتت قبل ما الجهاز يتقفل.
فتح الهاتف أمامي.
كانت الرسالة موجهة إليّ:
“مريم، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتك. افتحي الخزنة اللي في بيت أبوكِ القديم… وهتعرفي مين قتل الحقيقة قبل ما يقتل أي حد تاني.”
رفعت رأسي ببطء.
لأنني كنت أعرف شيئًا واحدًا…
البيت القديم لأبي كان مغلقًا منذ ثلاث سنوات.
ولم يدخل إليه أحد منذ وفاته.
الجزء قبل الأخير
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى بيت أبي القديم.
كان المكان مظلمًا وهادئًا، وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تمر عليه، وكأن كل شيء كان ينتظر عودتي.
فتشت في غرفة مكتبه حتى وجدت خلف إحدى اللوحات بابًا صغيرًا مخفيًا.
أدخلت الرقم الموجود في رسالة محمود.
انفتح الباب.
كانت هناك خزنة حديدية.
داخلها ملفات، وصور، وذاكرة إلكترونية صغيرة.
لكن أكثر ما أثار انتباهي كان شريطًا مسجلًا باسم محمود.
شغلته.
ظهر صوته متعبًا:
— مريم، لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
توقفت أنفاسي.
— أول حاجة لازم تعرفيها… إن الطفل اللي في بطن سارة مش ابني.
وضعت يدي على فمي.
أكمل محمود:
— أنا عرفت من البداية إن سارة حامل، لكن الحمل كان جزءًا من خطة اتعملت ضدي وضدك.
ثم كشف الحقيقة.
قبل سنوات، اكتشف والد مريم أن شريكه حسام الشامي كان يزوّر الحسابات ويحوّل أموال الشركة إلى حسابات سرية.
لكن قبل أن يفضحه، اكتشف أن شخصًا آخر كان يساعده.
نوال.
والدة محمود.
كانت هي التي تدير الحسابات السرية، بينما كان حسام يتحمل الواجهة.
والد مريم اكتشف الأمر، فهدد بإبلاغ الشرطة.
بعدها بأيام تعرض لحادث غامض.
لكن قبل وفاته، سلّم الأدلة إلى محمود.
— أبوكِ لم يمت وهو غافل عن الحقيقة يا مريم. كان يعرف أن حياته في خطر، ولذلك طلب مني أحميكِ.
ثم سكت التسجيل للحظات.
— تزوجتك لأنني أحببتك فعلًا، لكنني أخطأت عندما ظننت أن إخفاء الحقيقة سيحميكِ.
بدأت دموعي تنزل.
ثم سمعت الجملة التي جعلتني أفقد القدرة على التفكير:
— سارة لم تكن عشيقتي. كانت تعمل معي لجمع الأدلة ضد أمي.
فتحت فمي بدهشة.
كل ما رأيته كان كذبة.
الرسائل، اللقاءات، حتى الحمل…
لكن لماذا سمحت سارة للجميع أن يظنوا أنها زوجته؟
جاءت الإجابة في التسجيل:
— سارة وافقت على لعب هذا الدور حتى نتمكن من الوصول إلى الحسابات السرية. لكن أمي اكتشفت أننا نحقق في الأمر. بعدها هددتها، وحاولت إجبارها على الاستمرار في الكذبة.
ثم أضاف:
— والطفل ليس ابني. سارة كانت حاملًا من زوجها السابق، لكنه توفي قبل أن تعرف أنها حامل.
وضعت يدي على رأسي.
كل شيء بدأ يتضح.
وفجأة سمعت صوت باب المنزل يُفتح.
توقفت عن التنفس.
خطوات تقترب من غرفة أبي.
ثم ظهرت امرأة أمامي.
كانت نوال.
والدة محمود.
نظرت إلى الخزنة المفتوحة، ثم إليّ.
ولأول مرة لم تحاول إخفاء شيء.
قالت بهدوء:
— عرفت إنك هتوصلي للحقيقة في النهاية.
وقفت أمامها.
— إنتِ السبب في كل ده؟
ابتسمت ابتسامة باردة.
— كنت بحمي عيلتي.
— قتلتِ أبويا؟
تغير وجهها.
— أنا ما قتلتش أبوكِ.
ثم اقتربت مني وقالت:
— لكن أنا عارفة مين قتله.
تجمدت في مكاني.
— مين؟
نظرت خلفي إلى الخزنة.
ثم قالت:
— الشخص اللي كان أبوكِ يثق فيه أكثر من أي إنسان آخر.
وفي اللحظة نفسها، وصلني اتصال من محمود.
كان حيًا.
وكان صوته مرتجفًا:
— مريم… متصدقيهاش. أنا عرفت مين قتل أبوكي.
سكت لثوانٍ.
ثم قال:
— والشخص ده… موجود معاكي في البيت دلوقتي.
الجزء الأخير
تجمدت في مكاني.
نظرت إلى محمود عبر الهاتف، ثم رفعت عيني ببطء نحو نوال.
— محمود… إنت فين؟
جاء صوته متقطعًا:
— أنا مع سارة في مكان آمن. اسمعيني كويس… نوال مش هي اللي قتلت أبوكي.
ضحكت نوال بسخرية.
— قلت لكِ، أنا مجرد كنت بحاول أحمي العيلة.
صرخت في الهاتف:
— مين قتله إذن؟!
سكت محمود لثوانٍ.
ثم قال:
— سامح… المحاسب.
شعرت بصدمة.
تذكرت الرجل الذي قابلته في المكتب القديم.
سامح هو الذي أخبرني بكل شيء.
قال محمود:
— سامح كان شريكًا سريًا مع حسام. هو اللي زوّر الحسابات، ولما أبوكي اكتشف الحقيقة، تسبب في الحادث اللي مات فيه. وبعدها حاول يستخدمنا كلنا عشان يخفي الأدلة.
نظرت إلى نوال.
كانت تبكي.
قالت:
— كنت أعرف جزءًا من الحقيقة، لكنني خفت. بعد وفاة زوجي، سامح هددني، وقال إنه لو تكلمت هيفضح كل حاجة ويضيع ابني.
فهمت أخيرًا لماذا أخفت عني كل شيء.
لم تكن بريئة.
لكنها لم تكن العقل المدبر أيضًا.
رن جرس الباب.
تراجعت نوال خطوة.
دخل رجال الشرطة.
وخلفهم كان محمود على كرسي متحرك، وسارة إلى جواره.
حدقت فيه.
— إنت خرجت من المستشفى إزاي؟
ابتسم بتعب.
— رامي ساعدني. كنا بنحاول نوصل لسارة قبل سامح.
اقتربت سارة مني.
كانت عيناها مليئتين بالدموع.
— أنا آسفة يا مريم. كان لازم أقول لك الحقيقة من البداية.
نظرت إليها طويلًا.
— أنتِ كنتِ تعرفي إن محمود متزوج؟
— أيوه. لكن في البداية وافقت على الخطة عشان نكشف سامح ونسترجع الأوراق. بعد كده خفت، وطلبت من محمود يوقف كل شيء.
ثم وضعت يدها على بطنها.
— الطفل اللي في بطني مش ابنه. لكن سامح كان بيستخدم حملي عشان يضغط على محمود ويخليكِ تكرهيه.
في تلك اللحظة، فهمت لماذا كان محمود يحمل خاتم زواجنا طوال الوقت.
لم يكن ذلك يمحو كذبه.
لكنه جعلني أدرك أن الحقيقة كانت أعقد بكثير مما ظننت.
بعد أيام، تمكنت الشرطة من القبض على سامح، وعُثر على مستندات تثبت تورطه في اختلاس الأموال والتلاعب بالأدلة المتعلقة بحادث والدي.
أما نوال، فقد اعترفت بكل ما أخفته طوال السنوات الماضية.
لم أسامحها بسهولة.
ولم أسامح محمود أيضًا.
لكنه جاء إلى المستشفى بعد خروجه من العلاج، ووضع خاتم زواجنا أمامي.
— أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية. لو قررتِ تسيبيني، هتقبل. لكن لو ادتيني فرصة، أوعدك إن مفيش سر واحد هيتخبى عنك تاني.
نظرت إلى الخاتم.
ثم إليه.
— أنا مش هرجع للحياة القديمة.
هز رأسه.
— فاهم.
— ولو رجعنا، هنبدأ من الصفر… من غير كذب، ومن غير أسرار.
ابتسم لأول مرة.
وبعد أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة أمام المحكمة، وتم تبرئة اسم والدي من كل الاتهامات المالية التي حاول سامح إلصاقها به.
أما أنا، فاحتفظت بخاتمي.
ليس لأنني نسيت ما حدث…
بل لأنني أدركت أن الكرامة ليست دائمًا في الرحيل، كما أن التسامح ليس معناه نسيان الألم.
أحيانًا تكون الكرامة في أن تعرف الحقيقة كاملة، ثم تختار بنفسك ما إذا كنت ستغلق الباب…
أم ستفتحه مرة أخرى، لكن بشروطك أنت.
تمت
حكايات محمد عبده




