
ودخل الرجل الذي ظن الجميع أنه مات منذ أكثر من عشرين عامًا.
كمال الشافعي.
الجزء الرابع
تجمدت في مكاني.
الرجل الذي دخل الغرفة كان مطابقًا تمامًا للصورة القديمة.
نفس ملامح الوجه.
نفس النظرة الحادة.
لكنني كنت أعرف أن هذا الرجل مات قبل أكثر من عشرين عامًا.
نظر إليّ طويلًا ثم قال:
—أنتِ تشبهين والدكِ كثيرًا يا سلمى.
تراجعت خطوة.
—من أنت؟
ابتسم.
—أعتقد أنكِ تعرفين الإجابة.
قال فارس:
—كمال الشافعي؟
ضحك الرجل.
—كنت أعرف أن فارس سيكتشف الأمر في النهاية.
ثم نظر إلى محمود.
—لكنني لم أتوقع أن يكون ابني بهذه السذاجة.
ظهر الغضب على وجه محمود.
—قلت إنك لن تظهر أمامها!
رد كمال:
—وأنت قلت إنك ستستعيد الشركة دون أن تؤذيها.
ثم نظر إليّ.
—لكن ابنك لم يلتزم بكلامه.
قلت:
—أريد الحقيقة.
جلس كمال بهدوء.
—الحقيقة يا سلمى أن والدك لم يسرق أي أموال.
نظرت إليه بصدمة.
—إذن لماذا كانت توقيعاته على التحويلات؟
قال:
—لأنه كان يحقق في سرقة أكبر.
ثم أخرج ملفًا قديمًا.
—والدك اكتشف أن الأموال التي اختفت من الشركة لم تذهب إلى حسابات مجهولة كما اعتقد الجميع.
وضع ورقة أمامي.
—كانت تذهب إلى حسابات يسيطر عليها شخص من داخل العائلة.
قلت:
—محمود؟
هز رأسه.
—ليس وحده.
نظرت إلى محمود.
كان واقفًا في زاوية الغرفة ووجهه شاحب.
قال كمال:
—ليلى كانت تساعده.
تذكرت كل ما حدث.
حفل الزفاف.
المنزل.
اختبار الحمل.
الأوراق.
كل شيء.
لكنني سألت:
—وماذا عن الحساب 714؟
قال كمال:
—كان الحساب الذي استخدمه والدك لجمع الأدلة.
—لكن لماذا كانت الأموال تدخل إليه؟
—لأن والدك أراد أن يجعل السارق يعتقد أن الأموال ما زالت تحت سيطرته.
ثم قال:
—لكن عندما اقترب من كشف الحقيقة، حدث ما لم يكن متوقعًا.
—موته؟
صمت كمال.
ثم قال:
—نعم.
شعرت بدموعي تنزل لأول مرة.
—هل قتلتموه؟
قال بسرعة:
—لا.
ثم أضاف:
—لكننا نعرف من تسبب في موته.
صرخت:
—من؟
نظر إلى محمود.
لم يقل شيئًا.
فهمت.
استدرت نحو زوجي.
—أنت؟
هز محمود رأسه بعنف.
—لا!
قال كمال:
—ليس محمود.
ثم أخرج صورة.
كان الرجل الموجود فيها هو الشخص الذي رأيته في الصورة القديمة مع والدي.
قلت:
—من هذا؟
أجاب:
—اسمه حاتم راضي.
ثم قال:
—كان المستشار المالي للشركة.
فارس اقترب من الصورة.
—مستحيل.
نظر إليه كمال.
—ماذا؟
قال فارس:
—هذا الرجل توفي قبل خمسة عشر عامًا.
ابتسم كمال.
—وهذا ما يريدك الجميع أن تصدقه.
في تلك اللحظة فهمت أن القضية أكبر بكثير من محمود وليلى.
كان هناك شخص يختبئ خلف الجميع.
شخص ظل يحرك الخيوط لسنوات.
لكنني سألت:
—لماذا ظهرت الآن؟
نظر إليّ كمال.
—لأنك أصبحتِ المالكة المسيطرة للشركة.
—وماذا تريد مني؟
قال:
—أن تفعلي ما كان والدك يريد فعله قبل وفاته.
أخرج ظرفًا آخر.
—افتحيه.
فتحته.
وجدت رسالة بخط يد والدي.
بدأت أقرأ:
“ابنتي سلمى، إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع إنهاء ما بدأتُه.”
توقفت.
ثم تابعت:
“لا تثقي بمحمود، ولا تثقي بوالد محمود، ولا تثقي بأي شخص يقول إنه جاء لحمايتك.”
رفعت رأسي.
نظرت إلى كمال.
ثم إلى فارس.
شعرت بالشك تجاه الجميع.
تابعت الرسالة:
“الشخص الذي تبحثين عنه ليس داخل الشركة.”
ثم كانت الجملة الأخيرة:
“إنه أقرب إليكِ مما تتخيلين.”
سقطت الرسالة من يدي.
قال فارس:
—هذا لا يعقل.
لكن كمال قال:
—بل يعقل جدًا.
ثم أضاف:
—والدك كان يعلم أن الخطر يأتي من داخل دائرتكِ الشخصية.
سألت:
—من؟
قبل أن يجيب، سمعنا صوت خطوات في الممر.
استدار الجميع.
دخلت ليلى.
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها رجل يرتدي بدلة رمادية.
توقف عندما رآني.
ثم ابتسم.
عرفته فورًا.
كان محامي العائلة الذي تولى كل الأوراق التي وقعتها قبل ثلاث سنوات.
قلت:
—أنت!
ابتسم.
—كنت أتمنى ألا تكتشفي الأمر بهذه السرعة.
اقترب فارس منه.
—أنت من زور التوقيعات؟
قال:
—بعضها.
ثم نظر إليّ.
—لكن ليس توقيع والدك.
سألته:
—ماذا تريد؟
قال:
—التوقيع الأخير.
ضحكت.
—لن أوقع شيئًا.
اقترب أكثر.
—ستوقعين.
—ولماذا؟
أخرج ملفًا.
—لأن هناك وثيقة واحدة فقط تفصل بينك وبين خسارة كل شيء.
وضعها أمامي.
قرأت العنوان.
“إقرار بالتنازل عن الحصة المسيطرة.”
نظرت إليه.
—هل تظن أنني سأوقع؟
ابتسم.
—لا.
ثم قال:
—لكنني أعرف شيئًا عن ابنتك.
تجمدت.
لم يكن لدي أطفال.
أو هكذا كنت أعتقد.
نظرت إليه بصدمة.
—ماذا قلت؟
قال:
—قبل عشر سنوات، عندما تزوجتِ محمود، حدث شيء لم يخبركِ به أحد.
اقترب مني وهمس:
—كان هناك طفل.
شعرت أن العالم توقف.
—أي طفل؟
نظر إلى محمود.
كان يبكي.
قال المحامي:
—ابنكِ.
صرخت:
—أنا لم أنجب طفلًا!
قال:
—هذا ما قيل لكِ.
ثم أخرج صورة قديمة.
كانت لامرأة تحمل طفلًا رضيعًا.
وعلى ظهر الصورة تاريخ زواجي من محمود.
قال:
—في الليلة التي ولدتِ فيها طفلكِ، تم تسجيله باسم شخص آخر.
لم أستطع الكلام.
ثم نظر إلى ليلى.
—وكانت هي أول من عرف مكانه.
استدرت نحو ليلى.
كانت تبتسم.
قلت:
—أين ابني؟
قالت:
—إذا وقعتِ، ستعرفين.
اقتربت منها.
—وإذا لم أوقع؟
ابتسمت.
—فلن تريه أبدًا.
لكن قبل أن أجيب، رن هاتف فارس.
أجاب.
ثم تغير وجهه.
نظر إليّ وقال:
—سلمى…
—ماذا حدث؟
قال:
—هناك طفل موجود في دار رعاية في القاهرة يحمل اسمًا مرتبطًا باسمكِ.
توقفت أنفاسي.
—كم عمره؟
نظر إلى الشاشة.
ثم قال:
—عشر سنوات.
نظرت إلى محمود.
كان ينهار أمامي.
قلت:
—أنت كنت تعرف؟
لم يجب.
صرخت:
—هل كنت تعرف أن لدي طفلًا طوال عشر سنوات؟
رفع عينيه نحوي وقال:
—كنت أعرف.
ثم قال شيئًا جعل قلبي يتحطم:
—لكن الطفل لم يكن ابنكِ وحدكِ.
ساد الصمت.
سألته:
—ماذا تقصد؟
نظر إلى ليلى.
ثم قال:
—لأن الحقيقة هي أن الطفل…
توقف.
وقبل أن يكمل، انفتح باب الغرفة بعنف.
دخلت الشرطة.
وتقدم أحد الضباط نحو المحامي.
—أنت مطلوب للتحقيق في قضية تزوير واختلاس تعود إلى سبع سنوات.
ارتبك الجميع.
ثم نظر الضابط إليّ وقال:
—لكن لدينا خبر أهم.
أخرج هاتفه وعرض صورة الطفل.
وقال:
—لقد وجدنا الطفل.
حدقت في الصورة.
وضعت يدي على فمي.
لأنني تعرفت على وجهه فورًا.
لم يكن يشبه محمود.
ولم يكن يشبه ليلى.
بل كان يشبه…
والدي.
الجزء الخامس — قبل الأخير
حدقت في صورة الطفل وكأنني أحاول إقناع نفسي أن ما أراه مجرد وهم.
كان عمره عشر سنوات تقريبًا.
شعره أسود.
عيناه واسعتان.
وكان هناك شيء في ملامحه جعل قلبي يرتجف.
كان يشبه والدي بشكل مخيف.
قلت للضابط:
—أين هو؟
أجاب:
