روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

سكت للحظات.
ثم قال:
— والدك أخفى عنك شيئًا مهمًا.
نظرت إلى أبي.
كان وجهه قد تغير.
— ماذا تقصد؟
قال فؤاد:
— الصندوق العائلي لم يكن ملكك وحدك.
تجمدت.
— ماذا؟
— عندما توفي جدك، ترك جزءًا من ثروته لأبنائه وأحفاده. والدك أعاد هيكلة الصندوق بطريقة جعلته يسيطر عليه بالكامل.

نظرت إلى أبي.
— هل هذا صحيح؟
لم يجب.

قال فؤاد:
— اسأليه عن العقد الأصلي.
ثم أغلق الهاتف.

بقيت ممسكة بالهاتف دون أن أتكلم.
التفت إلى والدي.
— أبي… ماذا يقصد؟

جلس والدي ببطء.
ثم قال:
— كان يجب أن أخبرك منذ سنوات.
— ماذا؟
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالحزن.
— هناك جزء من الصندوق لم يكن من حقي أن أضعه تحت سيطرتي وحدي.
صمت.
ثم أضاف:
— لكنه أيضًا ليس من حق فؤاد أن يأخذه.

شعرت أنني دخلت في قصة أكبر مما تخيلت.
لم تعد القضية مروان فقط.
ولا تزوير توقيعي فقط.
كانت هناك أسرار قديمة داخل عائلتي نفسها.

وققبل أن أتمكن من طرح سؤال آخر، فتح المحامي جهاز الكمبيوتر وقال:
— لدينا مشكلة أكبر.
نظرت إليه.
قال:
— وصلنا الآن إشعار رسمي بأن هناك جلسة ستُعقد خلال ثلاثة أيام للنظر في مطالبة فؤاد.
ثم أضاف:
— وإذا لم نقدم المستندات الأصلية قبل الجلسة…
قد نخسر جزءًا كبيرًا من أموال الصندوق.

نظرت إلى والدي.
ثم إلى طفلي النائم في عربة الأطفال بجانبي.
وأدركت أن المعركة الأخيرة بدأت.
لكن هذه المرة…
لن أهرب.
سأواجه كل شخص حاول أن يستغل ثقتي.
حتى لو كان من عائلتي.

وفي تلك الليلة، بينما كنت أرتب أوراقي، وصلني ظرف بلا اسم.
فتحته.
كان بداخله مستند واحد فقط.
وعلى رأس الصفحة كانت عبارة جعلتني أفقد القدرة على التنفس:
«العقد الأصلي للصندوق العائلي… موجود في مكان لم يبحث فيه أحد من قبل.»
وتحت العبارة كان هناك عنوان.
عنوان منزل جدي القديم.
المنزل الذي ظل مغلقًا منذ أكثر من عشرين عامًا.

نكمل الجزء الأخير ونكشف سر العقد الأصلي ومن كان يدير المؤامرة من خلف الجميع.

الجزء الأخير
في صباح اليوم التالي، انطلقت مع والدي إلى منزل جدي القديم.
كان المنزل يقع في أطراف المدينة، بعيدًا عن الضوضاء.
منذ وفاة جدي، لم يدخله أحد تقريبًا.

عندما وصلنا، أخرج أبي مفتاحًا قديمًا من جيبه.
فتح الباب بصعوبة.
دخلنا.
كانت رائحة الغبار تملأ المكان، والأثاث مغطى بقطع قماش بيضاء.

تقدمت ببطء وأنا أتذكر طفولتي.
هنا كنت أجلس مع جدي.
وهنا كان يحتفظ بأوراقه المهمة.

قال أبي:
— أين وجدنا الرسالة؟
أخرجت الظرف.
— وصلني بالأمس دون اسم.
أخذ أبي الورقة وقرأ العنوان.
ثم نظر إليّ.
— الشخص الذي أرسلها يعرف شيئًا لا يعرفه أحد تقريبًا.

بدأنا البحث.
فتشنا الأدراج والخزائن والغرف القديمة.
وبعد ساعتين، قال والدي:
— ليان… تعالي.

كان يقف أمام مكتبة خشبية ضخمة.
أشار إلى أحد الرفوف.
— هذه كانت غرفة أبي.
اقتربت.
وجدنا خلف مجموعة من الكتب صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحناه.
كان بداخله ملف قديم مغلق بختم شمعي.
وعلى الغلاف كتب بخط جدي:
«إلى ليان، عندما تصبحين مستعدة لمعرفة الحقيقة.»

شعرت بصدمة.
— كان يعرف أنني سأصل إليه يومًا؟
قال أبي:
— يبدو ذلك.

فتحت الملف.
كانت الصفحات قديمة، لكنها محفوظة بعناية.
وفي الصفحة الأولى وجدت نسخة من العقد الأصلي للصندوق العائلي.
قرأت البنود بسرعة.
ثم توقفت.

كان جدي قد ترك الجزء الأكبر من الثروة لأحفاده، لكنه وضع شرطًا واضحًا:
لا يستطيع أي فرد من العائلة بيع أو تحويل أي جزء من الأموال دون موافقة المستفيدين المحددين.
والأهم…
كان اسمي أحد المستفيدين الأساسيين.

قلت:
— إذن فؤاد لا يملك الحق في المطالبة بالأموال.
قال أبي:
— ليس بهذه الطريقة.

لكنني قلبت الصفحة الأخيرة.
وجدت توقيع جدي.
ثم وجدت توقيعًا آخر.
توقيع والدي.

قلت:
— أبي… لماذا وقعت أنت؟
جلس والدي على الكرسي.
— لأن جدك طلب مني إدارة الصندوق حتى تبلغي سن الرشد.
— لكنني تجاوزت سن الرشد منذ سنوات.
— أعرف.
— إذن لماذا لم تخبرني؟
صمت.
ثم قال:
— لأنني كنت أحاول حمايتك.

نظرت إليه بغضب.
— حمايتي من ماذا؟
قال:
— من فؤاد.

اتسعت عيناي.
— ماذا؟
— كان عمك يعاني من ديون كبيرة منذ سنوات. وكان يريد الحصول على نصيبه من أموال العائلة بأي طريقة.
ثم أضاف:
— وعندما رفضت، بدأ يبحث عن شخص يستطيع الوصول إليك.

وفجأة فهمت.
مروان.
لم يكن اختيار مروان لي صدفة.
كان جزءًا من الخطة.

وفي اليوم التالي، انعقدت الجلسة.
حضر فؤاد ومحاموه.
وحضر مروان أيضًا.
كان وجهه مختلفًا تمامًا.
لم يعد الرجل الواثق الذي عرفته.
جلس صامتًا، وعيناه إلى الأرض.

دخلنا القاعة.
قدم محامي والدي العقد الأصلي.
ثم قدمنا المستندات التي تثبت عمليات التحويل والتوقيعات المزورة.
بدأ موقف فؤاد ينهار.

لكن المفاجأة جاءت عندما طلب القاضي من مروان الإدلاء بشهادته.
رفع مروان رأسه.
نظر إليّ.
ثم قال:
— أريد أن أقول الحقيقة.

تجمد فؤاد.
— مروان!
لكن مروان لم ينظر إليه.
قال:
— فؤاد هو من طلب مني الاقتراب من ليان.

ساد الصمت.
أكمل:
— أخبرني أن زواجها سيمنحني فرصة للوصول إلى أموالها.

شعرت بألم في صدري.
كنت أعرف الحقيقة، لكن سماعها منه كان مختلفًا.

قال مروان:
— في البداية كنت أتقد أنني سأحصل على جزء من المال فقط.
ثم ابتلع ريقه.
— لكن عندما اكتشفت أنها أقوى ماليًا مما أخبرني فؤاد، بدأت أخاف.

سأله المحامي:
— لماذا؟
أجاب:
— لأن فؤاد هددني.
— بماذا؟
— قال إنه إذا فشلت، فسوف يجعلني أتحمل وحدي مسؤولية كل التحويلات.
ثم نظر إليّ.
— لذلك حاولت إجبار ليان على توقيع أوراق التنازل.

أغمضت عيني.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
فقط شعرت أن آخر جزء من الصورة اكتمل.

بعد ساعات، صدر القرار.
تم رفض مطالبة فؤاد بالأموال.
وبدأت الإجراءات القانونية المتعلقة بالتزوير والاختلاسات.

أما مروان، فقد اضطر إلى تحمل عواقب ما فعله.
وسلمى قدمت اعترافًا رسميًا بما تعرفه، وبدأت هي الأخرى في مواجهة نتائج مشاركتها.

خرجت من المحكمة مع والدي.
كان طفلي بين ذراعي.
نظر إليّ أبي وقال:
— أنا آسف لأنني أخفيت عنك الحقيقة كل هذه السنوات.
نظرت إليه.
— وأنا غاضبة منك.
ابتسم بحزن.
— أعرف.
ثم قلت:
— لكنني سامحتك.
احتضنني.
وفي تلك اللحظة شعرت أنني أغلقت آخر باب يربطني بالماضي.

مرت سنتان.
كبر آدم.
وأعدت بناء حياتي من جديد.
عدت إلى العمل، وأسست شركة جديدة، لكن هذه المرة باسمي وبقراراتي وحدي.
لم أعد أخبر الجميع عن أموالي.
ولم أعد أسمح لأحد بأن يجعلني أشعر أنني ضعيفة لأنني وثقت به.

أما مروان، فقد أصبحت حياته مختلفة تمامًا.
لم يعد لديه المنزل الذي كان يتباهى به.
ولا الأموال التي ظن أنه سيحصل عليها.
والأهم…
لم تعد لديه المرأة التي كان يعتقد أنها لن تستطيع العيش بدونه.

وفي أحد الأيام، بينما كنت أجلس في حديقة المنزل مع آدم، سألني:
— ماما، لماذا أنتِ سعيدة؟
نظرت إليه وابتسمت.
— لأنني تعلمت شيئًا مهمًا يا حبيبي.
— ماذا؟
احتضنته وقلت:
— أحيانًا، أكثر لحظة نظن فيها أننا خسرنا كل شيء… تكون هي اللحظة التي نكتشف فيها أننا أنقذنا أنفسنا.

نظر إليّ آدم وابتسم.
وضممت طفلي إلى صدري.
وتذكرت تلك الليلة في القطار.
الليلة التي وقفت فيها وحيدة، حاملًا ومتعبة، بينما كان زوجي يضحك.
كنت أظن وقتها أنني نزلت من قطار.
لكن الحقيقة…
أنني في تلك اللحظة نزلت من حياة كاملة لم تكن تستحقني.

ومنذ ذلك اليوم، لم أنظر إلى الوراء.
لأنني اكتشفت أن بعض الأبواب عندما تغلق خلفك…
لا تكون خسارة.
بل نجاة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى