منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

لم أجب.

فقالت:

«هو متورط في حاجة؟»

نظرت إليها.

«مش عارفة.»

فجأة بدأت تهز رأسها.

«لا… مستحيل.»

«إنتِ تعرفي حاجة؟»

ترددت.

«أنا…»

«نادية، لو تعرفي أي حاجة لازم تقوليها.»

جلست على أقرب كرسي.

ثم قالت:

«من شهر تقريبًا، كريم سألني عنك.»

«سألِك عني؟»

«أيوه.»

«قال إيه؟»

نظرت إليّ بخوف.

«سألني إذا كنتِ لسه محتفظة بأوراق قديمة من فترة خدمتك الأولى.»

تجمدت.

«إيه الأوراق؟»

«ما قالش.»

«وإنتِ قلتي له إيه؟»

«قلت له إني ما أعرفش.»

ثم أضافت:

«وبعدها بأسبوع، سألني سؤال غريب.»

«إيه؟»

«قال لي: لو حصلت مشكلة كبيرة في شغلك، هل ممكن تخسري رتبتك؟»

لم أستطع الرد.

بدأت أراجع كل شيء.

كريم كان يعرف عن عملي أكثر مما كنت أعتقد.

لكنه لم يكن يعرف كل التفاصيل.

وفجأة فهمت شيئًا.

«هو كان بيحاول يعرف إذا كان ممكن يضغط عليّ.»

نادية بدأت تبكي.

«أنا آسفة.»

قلت:

«لسه ما نعرفش إذا كان كريم عمل حاجة.»

في تلك اللحظة دخل أحد الضباط مسرعًا.

«سيادة القائد، لازم تشوفي ده.»

وضع جهازًا لوحيًا أمامي.

كان يعرض تسجيلًا من كاميرا المراقبة.

ظهر كريم وهو يقف بجانب سيارة عند البوابة الخلفية.

ثم ظهر الرجل الغامض.

تحدثا لثوانٍ.

وبعدها أعطى كريم ظرفًا صغيرًا.

توقفت الصورة.

قلت:

«كبّروا الصورة.»

تم تكبيرها.

كان الظرف يحمل ختمًا رسميًا.

عرفت الختم فورًا.

كان خاصًا بأحد الملفات التي عملت عليها منذ سنوات.

قلت:

«إيه اللي حصل بعد كده؟»

قال الضابط:

«كريم دخل السيارة، والرجل مشي.»

«والظرف؟»

«مش موجود معاه دلوقتي.»

نظرت إلى نادية.

ثم إلى الضابط.

«فتشتوا العربية؟»

«أيوه.»

«لقيتوا إيه؟»

قال:

«ولا حاجة.»

ثم توقف.

«إلا حاجة واحدة.»

«إيه؟»

أخرج كيسًا شفافًا.

كان بداخله مفتاح معدني صغير.

نظرت إليه.

عرفته فورًا.

كان مفتاح خزانة قديمة في أحد المباني العسكرية التي أُغلقت منذ سنوات.

المكان الذي كانت تحفظ فيه النسخ الأصلية لبعض الملفات.

قلت بصوت منخفض:

«إزاي وصل المفتاح ده لكريم؟»

لم يجب أحد.

ثم جاء صوت كريم من خلفنا.

«لأني أنا اللي أخدته.»

استدرت.

كان واقفًا عند الباب.

حوله اثنان من أفراد الأمن.

وجهه لم يكن وجه رجل مذنب.

كان وجه شخص خائف.

اقترب مني.

وقال:

«بس قبل ما تحكمي عليّ… لازم تعرفي الحقيقة.»

قلت:

«إيه الحقيقة يا كريم؟»

تنفس بعمق.

ثم نظر إلى والدته.

«ماما، إنتِ لازم تسمعي الكلام ده كمان.»

نادية رفعت عينيها إليه.

قال:

«أنا ما كنتش بخونك، وما كنتش بساعد حد ضدك.»

ثم نظر إليّ مباشرة.

«أنا كنت بحاول أحميك.»

ضحكت بسخرية خفيفة.

«تحميني؟ بإخفاء معلومات عني؟ وبمقابلة شخص مرتبط بملف سري؟»

قال:

«لأن لو قلت لك، كنتِ هتدخلي في خطر أكبر.»

اقترب خطوة.

«الراجل اللي في الصورة مش عدوك.»

توقفت.

«أمال مين؟»

نظر إلى الرجل المسؤول عن الأمن.

ثم قال:

«هو الشخص الوحيد اللي يعرف مين سرّب معلومات من داخل المؤسسة من سبع سنين.»

شعرت بأن قلبي توقف.

سبع سنوات.

نفس الفترة التي بدأت فيها حياتي مع كريم.

قلت:

«إنت بتقول إن التسريب حصل وقت جوازنا؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

ثم أضاف:

«والشخص اللي سرّب المعلومات… كان قريب جدًا منك.»

ساد الصمت.

نظرت إلى كريم.

«مين؟»

لكنه لم يجب.

فقط أخرج هاتفه.

فتح صورة.

ثم مدها نحوي.

نظرت إلى الشاشة.

وكانت الصورة لشخص أعرفه منذ سنوات.

شخص كنت أثق فيه ثقة كاملة.

رفعت عيني إلى كريم.

«مستحيل.»

قال:

«أنا كنت عارف إنك مش هتصدقي.»

ثم أضاف:

«عشان كده جبت الدليل الليلة دي.»

وضع أمامي ملفًا بنيًا.

فتحت أول صفحة.

وكان هناك توقيع.

توقيع الشخص نفسه.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصفحة التالية…

لأن التوقيع كان موجودًا بجانب توقيع آخر.

توقيع لم أكن أتوقع رؤيته أبدًا.

توقيع حماتي… نادية.
ظللت أحدق في التوقيع.

لثوانٍ، لم أستوعب ما أراه.

ثم رفعت عيني إلى نادية.

كانت واقفة في مكانها، ووجهها شاحب تمامًا.

قلت:

«ده توقيعك؟»

لم تجب.

أعدت السؤال:

«نادية… ده توقيعك؟»

جلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.

«أيوه.»

توقفت أنفاسي.

كريم اقترب ووضع يده على الملف.

«بس اسمعي كل حاجة قبل ما تحكمي.»

قلت:

«إنت كنت عارف؟»

«عرفت من فترة قصيرة.»

«وعرفت إن أمي…»

قاطعته:

«هي مش اللي سرّبت المعلومات.»

نظرت إليه بدهشة.

«أمال التوقيع ده معناه إيه؟»

فتح الصفحة التالية.

كانت هناك مستندات قديمة، وأسماء، وتحويلات مالية.

قال:

«من سبع سنين، والدتك كانت بتحاول تشتري بيت قديم قريب من الميناء.»

نظرت إلى نادية.

هزت رأسها وهي تبكي.

«أيوه.»

«ليه؟»

قالت:

«كان مشروع استثمار.»

ثم صمتت.

كريم أكمل:

«لكن الشركة اللي كانت بتبيع الأرض كانت مرتبطة بشخص كان تحت التحقيق.»

قلب صفحة أخرى.

«نادية وقعت على أوراق من غير ما تعرف الحقيقة كاملة.»

نظرت إليها.

«وإيه علاقتها بالملف العسكري؟»

قال كريم:

«الشخص اللي كانت بتتعامل معاه استخدم توقيعها ومستنداتها كغطاء.»

ثم أضاف:

«هو اللي سرّب المعلومات.»

فهمت أخيرًا.

لم تكن نادية هي الخائنة.

لكنها، بسبب إهمالها وثقتها العمياء في أشخاص لا تعرفهم، أصبحت جزءًا من سلسلة الأحداث التي استمرت سبع سنوات.

قلت لها:

«ليه ما قلتيليش؟»

رفعت رأسها.

«لأني كنت خايفة.»

«من إيه؟»

«من إنك تعرفي إن كل الكلام اللي كنت بقوله لك عن شغلك… كان سببه إني كنت بحاول أبعدك عن الموضوع كله.»

صمتت.

ثم قالت:

«كنت عارفة إن في ناس بيسألوا عنك.»

تجمدت.

«إنتِ كنتِ عارفة؟»

«أيوه.»

«ومن إمتى؟»

«من بعد جوازكم بشهور.»

شعرت بغضب شديد.

«وكان ممكن يحصل لي إيه؟»

بكت.

«ما كنتش أعرف.»

اقترب كريم.

«وده السبب اللي خلاني أبدأ أحقق بنفسي.»

نظرت إليه.

«بس إنت خبيت عني.»

«كنت خايف أخسرك.»

«وكدبت عليّ.»

خفض رأسه.

«أيوه.»

كان اعترافه مؤلمًا أكثر من أي تبرير.

ثم دخل أحد الضباط.

«سيادة القائد، وصلنا تأكيد من القيادة.»

التفتنا إليه.

قال:

«الشخص اللي كان بيتواصل مع زوج حضرتك تم القبض عليه.»

سألته:

«وهو اعترف؟»

«اعترف بجزء كبير من الموضوع.»

«والتسريب؟»

«تم تحديد مصدره.»

ثم أعطاني ورقة.

نظرت إليها.

كان الاسم الذي ظهر أمامي هو نفس الشخص الموجود في الصورة.

الشخص الذي كنت أثق فيه لسنوات.

لكن هناك شيء آخر لفت انتباهي.

قلت:

«إيه ده؟»

أشار إلى سطر أسفل الصفحة.

«هو قال إن فيه شخص تاني كان بيساعده.»

«مين؟»

نظر إلى نادية.

ثم قال:

«شخص من عائلتكم.»

تجمد الجميع.

نظرت إلى كريم.

ثم إلى نادية.

لكن قبل أن أقول شيئًا، دخل ضابط آخر مسرعًا.

«تم العثور على الشخص الثاني.»

«مين؟»

قال الاسم.

وساد الصمت.

لأن الشخص الذي ذكره…

لم يكن نادية.

ولم يكن كريم.

كان شخصًا آخر من العائلة، الشخص الذي ظل طوال السنوات الماضية يتظاهر بأنه أقرب الناس إلينا.

عندها فقط فهمت لماذا كان كل شيء يحدث في تلك الليلة.

الحفل.

البلاغ.

بطاقتي العسكرية.

الحقيبة.

الصور القديمة.

والملف.

لم تكن مصادفة.

كان هناك من يريد أن يخرج كل شيء إلى النور.

وعندما عدت إلى القاعة، كانت الموسيقى قد توقفت.

كل الموجودين كانوا يعرفون أن شيئًا كبيرًا حدث.

وقفت في منتصف القاعة.

نظرت إلى نادية.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

ثم قلت لها:

«سبع سنين كنتِ بتبصي لي كأني غريبة.»

لم ترد.

«النهارده عرفتي مين أنا.»

هزت رأسها.

قلت:

«بس الحقيقة مش إني ضابط كبير.»

توقفت لحظة.

«الحقيقة إني كنت واحدة من الناس اللي خدموا البلد من غير ما تستنى تقدير من حد.»

ثم نظرت إلى كريم.

«والحقيقة كمان إن اللي بيحبك مش لازم يحميك بالكذب.»

خفض رأسه.

ثم قلت:

«أنا مش عارفة لسه إذا كنت هقدر أسامحك.»

اقترب مني.

«هستنى.»

التفت إلى نادية.

«وأنتِ… لو عايزة تصلحي اللي حصل، ابدئي بحاجة بسيطة.»

قالت:

«إيه؟»

قلت:

«بطلي تشوفي الناس من خلال وظيفتهم أو رتبتهم أو شكلهم.»

كانت تبكي.

ثم أضافت:

«لأنك قضيتِ سبع سنين بتحاولي تقللي مني… وفي ليلة واحدة، اكتشفتي إنك ما كنتيش تعرفيني أصلًا.»

ساد الصمت.

ثم بدأ التصفيق.

ليس تصفيقًا احتفاليًا.

بل تصفيقًا هادئًا بدأ من أحد الضباط، ثم تبعه آخرون.

وبعد ثوانٍ، كانت القاعة كلها واقفة.

أما أنا فلم أبتسم.

فقط وقفت بثبات.

لأول مرة، لم أشعر أنني مطالبة بإثبات أي شيء.

لأن الحقيقة ظهرت وحدها.

وفي آخر الليل، خرجت من القاعة مرتدية زيي الأبيض.

نظرت إلى الشارات الموجودة على كتفي.

وتذكرت كل مرة حاولت فيها نادية أن تجعلني أشعر أنني لا أنتمي.

ابتسمت لنفسي.

لأنني أدركت أخيرًا أن المشكلة لم تكن يومًا في أنني كنت غريبة عن عائلتها.

المشكلة أنها لم تكن تعرف قيمة الشخص الذي كان يقف أمامها طوال تلك السنوات.

وفي تلك الليلة…

لم أكن أنا التي انكشفت حقيقتها.

بل هي التي انكشفت حقيقتها أمام الجميع.
بعد مرور أسابيع، انتهت التحقيقات.

تمت تبرئة نادية من أي تورط متعمد، لكن الأوراق أثبتت أنها وقّعت على مستندات من غير ما تعرف حقيقتها، وده تسبب في سلسلة من الأحداث الخطيرة.

أما الشخص الذي استغل ثقتها، فقد تمت محاسبته على الأفعال التي ارتكبها.

وبالنسبة لكريم…

كانت علاقتنا هي أصعب شيء واجهته بعد كل ما حدث.

لم أكن غاضبة لأنه حاول حمايتي.

كنت غاضبة لأنه قرر أن يحميني من دون أن يمنحني حق معرفة الحقيقة.

وفي النهاية، لم أطلب منه أن يثبت حبه بالكلام.

قلت له:

«لو عايز نبدأ من جديد، يبقى من غير أسرار.»

هز رأسه.

«وعد.»

أما نادية، فتغيرت علاقتها بي تمامًا.

لم تصبح الأمور مثالية بيننا في يوم وليلة.

لكنها توقفت عن تقديمي باعتباري «مرات كريم».

في أول مناسبة عائلية بعد الحفل، وقفَت أمام الجميع وقالت:

«دي مش بس مرات ابني.»

ثم نظرت إليّ.

«دي ست خدمت بلدها سنين، وأنا كنت غلطانة لما قللت منها.»

لم أقل شيئًا.

اكتفيت بابتسامة صغيرة.

لأنني لم أكن بحاجة إلى اعتذار أمام الجميع.

كنت قد تعلمت منذ سنوات أن قيمتي لا يحددها رأي شخص آخر.

وفي ذلك اليوم، عندما خرجت من بيت العائلة، وقفت للحظة أمام الباب.

تذكرت أول مرة دخلت فيها هذا البيت.

وتذكرت كل مرة شعرت فيها أنني ضيفة.

ثم أدركت شيئًا بسيطًا:

أنا لم أكن يومًا دخيلة.

أنا فقط كنت أقف في مكان لم يعرف كيف يقدّرني.

رفعت رأسي، وعدت إلى سيارتي.

وفي اليوم التالي، ارتديت الزي الأبيض مرة أخرى.

لكن هذه المرة، لم أرتديه لأثبت شيئًا لنادية.

ولا لكريم.

ولا لأي شخص آخر.

ارتديته لأنني كنت فخورة بكل سنة قضيتها في خدمتي.

وبكل موقف تحملته.

وبكل مرة اخترت فيها الصمت بدل الدخول في معركة لا تستحق.

أما آخر رسالة وصلتني من نادية، فكانت قصيرة جدًا:

«دلوقتي فهمت ليه عمرك ما حاولتي تثبتي لي إنك قوية… لأن الناس القوية مش محتاجة تثبت نفسها.»

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

ثم أغلقت الهاتف.

وابتسمت.

لأنها أخيرًا فهمت.

في تلك الليلة، لم أكن أنا من تم الكشف عن حقيقتها.

بل الحقيقة هي التي كشفت للجميع من كانت نادية طوال السنوات الماضية.

ومنذ ذلك اليوم…

لم يعد أحد في العائلة يصفني بأنني «مرات كريم».

أصبحوا يعرفون اسمي.

ويعرفون رتبتي.

ويعرفون قصتي.

لكن الأهم…

أنني أنا نفسي لم أعد أشعر أنني مطالبة بإثبات أي شيء لأي شخص.
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى