روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

بعدين رجعت لسارة.

— آخر مرة هسألك… إيه اللي في دفتر هبة؟

سارة بدأت تبكي.

لكن دموعها المرة دي ما أثرتش فيا.

قالت:

— هبة كانت مريضة.

— أنا عارف.

— وكانت بتخاف على ليان.

— عارف.

— وكانت عارفة إنها مش هتعيش كتير.

صوتي ارتفع:

— قولي الحقيقة!

سكتت.

حسام تدخل:

— إحنا لازم نمشي.

بصيت له:

— محدش هيمشي.

أخرجت موبايلي.

— أنا سجلت كل اللي حصل من أول ما دخلتوا البيت.

حسام بص لسارة.

وسارة بصت له.

كنت بكذب.

ما كانش معايا تسجيل مباشر لهم في اللحظة دي.

لكنهم ما كانوش عارفين.

حسام قال:

— أنت بتلعب لعبة خطيرة.

قلت:

— اللعبة خلصت.

وفتحت باب البيت.

— اخرجوا.

حسام خرج.

سارة فضلت واقفة.

قلت لها:

— وإنتِ كمان.

لكنها ما تحركتش.

قالت:

— مارك… اسمعني.

— مش عايز أسمع حاجة.

— لو خرجت دلوقتي، ممكن تندم.

ضحكت.

— أنا ندمت أصلًا إني وثقت فيكي.

خرجت سارة.

قفلت الباب.

ولما اتأكدت إنهم مشيوا، رجعت بسرعة ناحية أوضة ليان.

فتحت الباب.

لقيتها قاعدة على السرير.

قلت:

— العلبة فين؟

أشارت للشنطة الصغيرة بتاعتها.

فتحتها وأخرجت العلبة الخشب.

حطيتها على السرير.

كانت مقفولة بقفل صغير.

دورت في جيبي، لكن ما كانش معايا مفتاح.

ليان قالت:

— ماما هبة قالت إن المفتاح مع بابا.

بصيت لها باستغراب.

— معايا؟

هزت رأسها.

— قالتلي: بابا هيعرف.

بدأت أفكر.

هبة ماتت من أربع سنين.

بعد وفاتها، أنا احتفظت بكل حاجتها تقريبًا في مخزن صغير.

صور.

خطابات.

مجوهرات.

كتب.

حتى حاجات بسيطة كانت تخصها.

لكن مفتاح؟

ما افتكرتش.

دخلت المخزن.

وبدأت أفتش.

بعد حوالي عشرين دقيقة، لقيت صندوق قديم كان هدية من هبة.

فتحته.

جواه ساعة يد قديمة.

وخلف الساعة كان فيه مفتاح صغير.

اتسمرت مكاني.

كنت فاكر إن المفتاح مجرد جزء من صندوق قديم.

أخذته.

ورجعت لغرفة ليان.

دخلته في قفل العلبة.

فتح.

جواها كان فيه دفتر أسود.

ومظروف أبيض.

وميموري كارد صغيرة.

فتحت الدفتر.

الصفحة الأولى كانت مكتوبة بخط هبة:

“مارك… لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.”

حسيت بقلبي بيتقبض.

كملت القراءة.

“أنا مش خايفة على نفسي.”

وقفت.

ثم قرأت السطر التالي:

“أنا خايفة على ليان.”

رفعت عيني لبنتي.

كانت بتبص لي من غير ما تفهم.

رجعت للدفتر.

“في ناس هتحاول تقنعك إن مرضي هو سبب وفاتي. ما تصدقهمش.”

يدي بدأت ترتعش.

هبة كانت بتقول إن موتها لم يكن طبيعيًا.

كملت:

“قبل وفاتي بأشهر، اكتشفت إن في حد بيحاول يستولي على البيت.”

بصيت للمظروف.

ثم رجعت للدفتر.

“لكن البيت مش أهم حاجة.”

“البيت مجرد مفتاح.”

وقفت عن القراءة.

مفتاح لإيه؟

قلبت الصفحة.

وكانت الجملة التالية أقصر من كل اللي قبلها:

“الشخص اللي لازم تخاف منه مش الغريب.”

“الشخص موجود بالفعل في حياتك.”

في اللحظة دي، فهمت إن هبة كانت تقصد شخصًا أعرفه.

لكن مين؟

قلبت الصفحة بسرعة.

وفي أسفلها كان مكتوب:

“لو سارة دخلت حياتك يومًا، افتكر إني كنت أعرفها.”

توقفت أنفاسي.

سارة؟

أنا قابلت سارة بعد وفاة هبة بسنة ونصف.

إزاي هبة كانت تعرفها؟

فتحت المظروف.

جواه صورة قديمة.

الصورة كانت لهبة واقفة قدام مكان ما أعرفوش.

وبجانبها…

كانت سارة.

أصغر سنًا.

لكن من غير أي شك…

هي.

ليان قربت مني.

— بابا… دي ماما سارة؟

ما قدرتش أرد.

قلبت الصورة.

كان مكتوب خلفها تاريخ يعود إلى قبل وفاة هبة بثلاث سنوات.

يعني قبل ما أقابل سارة بسنين.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر سطر:

“لو حصل لي أي شيء، ابحث عن الرجل الذي كان معنا في هذه الصورة.”

بصيت للصورة مرة تانية.

كان فيه رجل واقف في الخلفية.

وجهه واضح.

وعرفته فورًا.

كان…

حسام.

نفس الرجل اللي خرج من بيتي منذ دقائق.

وفجأة وصلني إشعار على موبايلي.

رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت صورة لليان وهي نايمة.

وتحت الصورة جملة واحدة:

“لو فتحت الميموري كارد… مش هتلاقي بنتك في البيت لما تصحى.”

رفعت عيني ناحية سرير ليان.

لكن السرير كان…

فارغًا.
صرخت:

— ليان!

جريت ناحية السرير.

الغطاء كان متزحزح، والوسادة على الأرض.

لكن بنتي اختفت.

فتحت باب الحمام.

فاضي.

فتشت تحت السرير.

مفيش.

جريت للصالة.

باب الشقة كان مقفول.

لكن شباك غرفة ليان كان مفتوح.

وقفت للحظة وأنا مش قادر أستوعب.

إزاي خرجت؟

وإزاي محدش سمع حاجة؟

ثم لاحظت حاجة صغيرة على الأرض.

مشبك شعر ليان.

كان واقع جنب الشباك.

مسكته، وقلبي بدأ يدق بعنف.

اتصلت بالشرطة فورًا.

وبعدها اتصلت بحارس العمارة وطلبت منه يقفل البوابات وما يسمحش لأي عربية تخرج.

نزلت السلم جري.

وأول ما وصلت للمدخل، لقيت الحارس واقف جنب الباب.

صرخت:

— حد خرج من هنا؟

هز رأسه بسرعة.

— لا يا أستاذ مارك.

— متأكد؟

— من عشر دقايق تقريبًا، كان فيه راجل نزل من السلم الخلفي.

— شكله إيه؟

وصفته.

كان حسام.

لكن الحارس أضاف:

— كان شايل طفلة.

حسيت إن الدنيا اسودت قدام عيني.

— فين راح؟

— ركب عربية سودا.

— رقمها؟

الحارس قال الرقم.

طلعت موبايلي واتصلت بالشرطة وبلغتهم.

ثم فجأة افتكرت الميموري كارد.

رجعت للشقة.

قعدت قدام اللابتوب، وإيدي بتترعش.

دخلت الكارت.

كان عليه ملف واحد فقط.

اسمه:

“الحقيقة الأخيرة”

فتحته.

ظهر تسجيل قديم.

هبة كانت قاعدة قدام الكاميرا.

وشكلها كان مرهق.

لكن صوتها كان واضح.

قالت:

— مارك، لو وصلت للفيديو ده، يبقى غالبًا أنا مت.

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

— وممكن تكون سارة موجودة في حياتك.

حبست نفسي.

— لازم تعرف إن سارة ما ظهرتش صدفة.

اتجمدت.

هبة كملت:

— أنا عرفتها قبل ما تموت أمي بست سنين.

ظهر رجل في الفيديو.

كان نفس حسام.

هبة قالت:

— حسام كان شريك والدي في مشروع قديم. وبعد خلاف كبير بينهم، اكتشفت إنهم كانوا بيستخدموا شركات وهمية للاستيلاء على أملاك ناس تانية.

ثم رفعت ورقة أمام الكاميرا.

— وأنا اكتشفت إن بيت البحر كان جزءًا من مخطط أكبر.

قلبت الورقة.

— البيت ما كانش مجرد بيت.

ظهر على الشاشة اسم شركة.

شركة النيل للتطوير العقاري.

هبة قالت:

— الأرض اللي عليها البيت قيمتها الحقيقية أكبر بعشرات المرات من اللي مارك يعرفه.

لكن ده ما كانش كل شيء.

قالت:

— لما حاولت أبلغ عنهم، بدأوا يضغطوا عليا.

ثم نظرت للكاميرا مباشرة.

— وبعدها قابلت سارة.

شعرت إن الدم انسحب من وجهي.

— سارة كانت بتشتغل معاهم.

الفيديو استمر.

— في البداية، كنت فاكرة إنها مجرد وسيطة. لكن بعد فترة اكتشفت إنها كانت بتجمع معلومات عن مارك وليان.

هنا فهمت كل حاجة.

ليه كانت بتصور ليان؟

ليه كانت بتسأل عن أوراق البيت؟

وليه كانت بتراقب تحركاتي؟

هبة قالت:

— لو سارة قربت من مارك، فده معناه إنهم لسه عايزين يوصلوا للبيت.

ثم أضافت جملة جعلتني أتوقف:

— لكن في حاجة أخطر… أنا ما كنتش خايفة على البيت.

— أنا كنت خايفة إنهم يستخدموا ليان كورقة ضغط.

وقفت من مكاني.

بنتي كانت فعلًا هي الورقة.

رجعت للفيديو.

هبة قالت:

— مارك، اسمعني كويس. ما تثقش في أي ورقة تتقدم لك باسم ليان.

ثم ظهرت على الشاشة صورة لشهادة ميلاد.

قالت:

— فيه تزوير هيحصل بعد وفاتي.

قربت الصورة من الكاميرا.

— هيحاولوا يثبتوا إن حضانة ليان ممكن تنتقل لشخص تاني.

بدأت أفهم سبب كل الفيديوهات اللي سارة كانت بتصورها.

كانت بتصنع دليلًا.

دليل يبين إنني أب مهمل، وإن ليان غير مستقرة معي.

ثم قالت هبة:

— لو حصل ده، ابحث عن المحامي “عادل منصور”.

كتبت الاسم فورًا.

لكن قبل ما أقوم، ظهر شيء غريب في آخر الفيديو.

هبة كانت بتبص ناحية الباب.

واضح إنها سمعت صوتًا.

ثم همست:

— هو وصل.

الفيديو توقف.

حدقت في الشاشة.

مين “هو”؟

في نفس اللحظة، وصلني اتصال.

رقم مجهول.

رديت.

جاء صوت رجل:

— بنتك معانا.

صرخت:

— عايز إيه؟

— الميموري كارد.

— خدها.

— والدفتر.

— هديك كل حاجة.

ضحك.

— مش كل حاجة.

سكت.

قال:

— عايزين البيت كمان.

— لو أذيتوا بنتي…

قاطعني:

— لو عايزها ترجع، عندك ساعتين.

ثم أرسل موقعًا.

مخزن قديم في أطراف الإسكندرية.

وقبل ما يقفل، قال:

— وما تجيبش الشرطة.

المكالمة انتهت.

فضلت واقف في مكاني.

كنت عارف إن أي خطوة غلط ممكن تعرض ليان للخطر.

لكن في نفس الوقت، كان عندي شيء هم ما يعرفوش إني اكتشفته.

هبة قالت لي أبحث عن المحامي عادل منصور.

اتصلت بالرقم الموجود في دفتر هبة.

بعد ثلاث رنات، رد رجل مسن.

قلت:

— حضرتك الأستاذ عادل منصور؟

سكت طويلًا.

ثم قال:

— مين معايا؟

— أنا مارك… زوج هبة.

صمت مرة أخرى.

ثم تغير صوته.

— كنت مستني مكالمتك من أربع سنين.

شعرت بقشعريرة.

— تعرف سارة؟

قال:

— أعرفها.

— وحسام؟

— أعرفه.

— تعرف ليان؟

صمت.

ثم قال:

— أعرف الحقيقة عن ليان.

وقتها شعرت إن قلبي توقف.

قلت:

— إيه الحقيقة؟

لكن عادل لم يجب مباشرة.

قال:

— لو عايز بنتك ترجع، لازم تيجي لي الأول.

— فين؟

أعطاني عنوان مكتبه.

وقبل ما أقفل، قال:

— ومارك… خد بالك.

— من إيه؟

قال:

— الشخص اللي خطف ليان مش هو أخطر شخص في القصة.

ثم أغلق الهاتف.

نظرت إلى الساعة.

كان أمامي أقل من ساعتين.

أخذت الدفتر والميموري كارد.

ثم خرجت.

لكن قبل ما أوصل لباب العمارة، ظهر إشعار جديد على موبايلي.

صورة أخرى.

ليان كانت قاعدة على كرسي.

وكانت عينيها مغطاة.

لكن خلفها ظهر شخص لم أكن أتوقع رؤيته.

سارة.

وتحت الصورة رسالة قصيرة:

“ما تروحش للمحامي.”

عرفت وقتها إنهم كانوا يراقبونني لحظة بلحظة.

لكنهم لم يعرفوا شيئًا واحدًا…

أنني لم أكن ذاهبًا إلى المحامي وحده.

كنت قد بدأت أجهز لهم مفاجأة ستقلب الخطة كلها عليهم.
لم أنم طوال الطريق.

كنت أقود سيارتي باتجاه مكتب المحامي عادل منصور، لكن عقلي كان في مكان آخر تمامًا.

صورة ليان وهي مخطوفة كانت لا تزال أمام عيني.

والجملة التي كتبها الخاطفون:

“ما تروحش للمحامي.”

كانوا يراقبونني.

لكن السؤال الحقيقي كان: من أين كانوا يعرفون كل تحركاتي؟

أوقفت السيارة قبل مكتب المحامي بمسافة، ونزلت منها من طريق جانبي.

لم أرد أن يراني أحد.

دخلت المبنى من الباب الخلفي، وصعدت إلى الطابق الثالث.

طرقت باب المكتب ثلاث مرات.

فتح عادل بنفسه.

كان رجلًا في أواخر الستينات، وملامحه تحمل إرهاق سنوات طويلة.

نظر إلى وجهي، ثم قال:

— أنت شبه هبة جدًا.

قلت بعصبية:

— بنتي اتخطفت.

أغلق الباب فورًا.

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

وضعت الدفتر أمامه.

ثم أخرجت الميموري كارد.

— عايز الحقيقة كلها.

ظل عادل صامتًا للحظات.

ثم قال:

— هبة لم تمت بسبب مرضها.

شعرت كأنني تلقيت ضربة في صدري.

— إيه؟

— كانت مريضة فعلًا، لكن مرضها لم يكن السبب الوحيد.

— قصدك إيه؟

فتح درجًا قديمًا وأخرج ملفًا.

— قبل وفاتها بشهرين، هبة جاءت إليّ ومعها أدلة ضد مجموعة من الأشخاص كانوا يحاولون الاستيلاء على أرض ضخمة في الإسكندرية.

— وبيت البحر؟

— كان جزءًا من الأرض.

قلبت صفحات الملف بسرعة.

وجدت أسماء شركات، عقودًا، تحويلات مالية، وتوقيعات.

ثم رأيت اسمًا أعرفه.

سارة.

قلت:

— كانت شريكتهم؟

عادل هز رأسه.

— في البداية كانت مجرد وسيطة.

ثم نظر في عيني مباشرة.

— لكن بعد ذلك أصبحت أقرب شخص إلى هبة.

تراجعت خطوة.

— إزاي؟

— هبة كانت تثق فيها.

— وأنا كمان كنت بثق فيها.

قال عادل:

— وده بالضبط اللي كانوا عايزينه.

وضعت يدي على رأسي.

كل شيء بدأ يتجمع أمامي.

سارة لم تدخل حياتي بالصدفة.

كانت تعرف هبة.

ثم انتظرت.

انتظرت حتى أصبحت أنا وحيدًا.

حتى أصبحت ليان تحتاج إلى أم.

ثم اقتربت منا.

قلت:

— وليه كانوا عايزين ليان؟

عادل سكت.

ثم قال:

— لأن ليان هي الوريثة القانونية لبعض الحقوق المرتبطة بالأرض.

رفعت رأسي.

— لكن أنا الوصي عليها.

— بالضبط.

ثم أخرج ورقة أخرى.

— لذلك كانوا يحتاجون أولًا إلى إثبات أنك أب غير صالح.

تذكرت الفيديوهات.

العصير.

تصوير ليان.

كل المشاهد التي كانت سارة تصنعها.

لم تكن تعاقب ليان.

كانت تصنع ملفًا ضدي.

قلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى