
وبعدين سألتها:
— فاكرة الكاميرا اللي ماما سارة بتصورك بيها؟
هزت راسها.
قلت:
— أنا عايز أعرف هي فين.
ليان أشارت ناحية الدولاب.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت سارة من بره:
— مارك… التاكسي وصل!
بصيت لبنتي.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت اللي كنت فاكره أكثر مكان آمن لينا…
ممكن يكون أخطر مكان موجود.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها…
إن الفيديوهات اللي كانت سارة بتصورها لليان ما كانتش هي أخطر حاجة.
لأن نسخة احتياطية من تسجيل كاميرا تانية كانت هتكشف إن ليان ما كانتش الهدف الحقيقي الوحيد…
وإن الشخص اللي كانوا بيخططوا ضده من البداية…
كان أنا.
أول ما سمعت صوت سارة وهي بتقول إن التاكسي وصل، قلبي بدأ يدق أسرع.
كان لازم أتصرف طبيعي.
فتحت باب الأوضة وخرجت وأنا بابتسم.
سارة كانت واقفة في الصالة، ماسكة موبيلها، والكوباية لسه في إيدها.
قالت:
— مستعجلين، السواق مستني تحت.
بصيت للكوباية.
— ليان كانت عطشانة؟
سارة ابتسمت بسرعة.
— آه، عملتلها عصير قبل ما تروح تنام.
بصيت ناحية بنتي.
ليان كانت واقفة ورايا، ساكتة تمامًا.
قلت:
— خلاص، أنا غيرت رأيي.
سارة عقدت حاجبيها.
— غيرت رأيك في إيه؟
— مش هسافر.
سكتت.
لثانية واحدة بس، ملامحها اتغيرت.
ابتسامتها اختفت.
وبعدين رجعت بسرعة.
— ليه؟ الاجتماع مهم.
— اتلغى.
كذبت.
فضلت باصة لي ثواني طويلة.
— متأكد؟
ضحكت.
— طبعًا.
قربت مني وحاولت تحضني، لكني رجعت خطوة للخلف.
وقلت:
— أنا تعبان شوية، هدخل أرتاح.
دخلت الأوضة وقفلت الباب.
وأول ما بقيت لوحدي، فتحت موبايلي.
كان عندي تطبيق مربوط بكاميرات البيت.
أنا اللي كنت مركبه من شهور، لكن عمري ما اهتميت أراجع التسجيلات.
سارة كانت دايمًا بتقول إن وجود الكاميرات بيخلي البيت أكثر أمانًا.
فتحت التسجيلات.
ورجعت لليوم اللي فات.
وبدأت أتابع.
في البداية، مفيش حاجة غريبة.
سارة دخلت المطبخ.
حضرت العصير.
حطت حاجة صغيرة في الكوباية.
لكن التسجيل من زاوية الكاميرا ما كانش واضح.
كبرت الصورة.
وشفت إيدها وهي بتحط نقط من زجاجة صغيرة.
اتجمدت.
كانت ليان صادقة.
كملت المشاهدة.
بعد دقائق، ليان دخلت المطبخ.
سارة ادتها الكوباية.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، بدأت ليان تتحرك بشكل غريب فعلًا.
كانت بتتكلم بسرعة.
تضحك من غير سبب.
وبعدين بدأت تعيط.
سارة كانت ماسكة الموبايل وبتصورها.
لكن الغريب إن سارة ما حاولتش تهديها.
كانت بتوجه عليها الكاميرا وتقول:
— قولي تاني إنك مش عايزة تعيشي هنا.
ليان كانت بتعيط.
— أنا عايزة بابا.
سارة قربت الموبايل منها.
— قولي إن بابا مش بيراعيكي.
ليان هزت راسها.
— لأ.
سارة قالت ببرود:
— قوليها.
قفلت الفيديو للحظة.
كنت حاسس بالغضب بيحرقني من جوه.
لكن بعد ثواني رجعت أكمل.
وفجأة شفت حاجة أخطر.
في نفس التسجيل، بعد ما نامت ليان، دخل شخص غريب من باب البيت.
رجل.
كان لابس جاكيت غامق وكاب على رأسه.
قرب من سارة.
وبمجرد ما شال الكاب…
عرفته.
كان “ياسين”.
الراجل اللي ليان قالت إنه بيتكلم مع سارة عن بيت هبة.
قعدوا في الصالة.
وسارة قالت:
— مارك لغى السفر.
ياسين اتوتر.
— إزاي؟
— مش عارفة.
— هل شك في حاجة؟
سارة سكتت.
وبعدين قالت:
— مش مهم. عندنا وقت.
ياسين قرب منها.
— الوقت مش في صالحنا.
سارة بصت له.
— لو البيت اتباع، كل حاجة هتخلص.
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد محاولة لإبعاد ليان عني.
كانوا عايزين البيت.
بيت هبة.
لكن ليه؟
البيت كان باسمي أنا بعد وفاتها، ومعاه أوراق ملكية كاملة.
ومفيش سبب يخلي سارة أو ياسين يهتموا بيه بالشكل ده.
كملت التسجيل.
ياسين أخرج ملف بني من شنطته.
حطه على الترابيزة.
وقال:
— المحامي قال إن لازم الإمضاء يحصل قبل نهاية الشهر.
سارة قالت:
— ومارك؟
ياسين رد:
— مارك لازم يقتنع إن البيع لمصلحة ليان.
سارة ضحكت.
— بعد الفيديوهات دي، هيصدق أي حاجة.
حسيت بدمّي بيغلي.
لكن الكلام اللي بعده هو اللي خلاني أقوم من مكاني.
سارة قالت:
— المشكلة مش في مارك.
ياسين بص لها.
— أمال في مين؟
سارة ردت بهدوء:
— في هبة.
سكت ياسين.
ثم قال:
— ما إحنا قلنا إن الموضوع اتقفل من أربع سنين.
سارة هزت رأسها.
— لأ… ما اتقفلش.
وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
هبة ماتت من أربع سنين.
إيه اللي ممكن يكون لسه مفتوح؟
قربت من شاشة الموبايل أكتر.
ياسين قال:
— لو مارك عرف إن هبة كانت…
وفجأة التسجيل انقطع.
ظهر إشعار:
“الكاميرا غير متصلة.”
ضربت إيدي على المكتب.
مين فصل الكاميرا؟
وليه في اللحظة دي بالذات؟
خرجت من الأوضة بهدوء.
سارة كانت في المطبخ.
قلت:
— سارة؟
لفت ناحيتي.
— نعم؟
— فاكرة الكاميرا اللي في الصالة؟
ملامحها اتغيرت للحظة.
— كاميرا إيه؟
ابتسمت.
— ولا حاجة.
دخلت المطبخ.
فتحت التلاجة، كأني بدور على حاجة.
وفي نفس الوقت كنت براقبها من انعكاس باب التلاجة.
لاحظت إنها فتحت موبايلها بسرعة.
وبدأت تكتب رسالة.
بعد ثواني، موبايل ياسين اهتز.
كان واقف في مدخل البيت.
يعني هو لسه موجود.
والأغرب…
إنه ما كانش لوحده.
لما بصيت من شباك الصالة، شفت عربية سوداء واقفة قدام البيت.
وفيها شخص ثالث.
رجل ما أعرفوش.
فضل قاعد جوه العربية، كأنه مستني إشارة.
رجعت بسرعة ناحية ليان.
لقيتها قاعدة على السرير وبتلون في كراسة.
قعدت جنبها وقلت:
— ليان، حبيبتي… عايز أسألك سؤال.
رفعت عينيها.
— نعم يا بابا؟
— إنتِ شوفتي الراجل اللي اسمه ياسين قبل كده؟
هزت راسها.
— آه.
— كان بييجي كتير؟
— مش كتير.
— كان بيكلم ماما عن إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— عن الدفتر.
قلبي توقف.
— دفتر إيه؟
قالت:
— دفتر ماما هبة.
— إنتِ شوفتيه؟
هزت راسها.
— ماما سارة كانت بتدور عليه.
— فين؟
ليان بصت للباب، وبعدين قربت مني وهمست:
— أنا عارفة مكانه.
حسيت إن نفسي اتقطع.
— فين يا ليان؟
أشارت ناحية الدولاب القديم.
— ماما هبة قالتلي قبل ما تموت إن لو حد سألني عنه…
وسكتت.
— قالتلك إيه؟
ليان بدأت تعيط.
— قالتلي أقول لبابا بس.
وقتها فهمت إن بنتي كانت شايلة سر عمره أربع سنين.
سر ممكن يفسر ليه سارة وياسين مستعدين يعملوا أي حاجة علشان يوصلوا للدفتر.
فتحت الدولاب.
وراء صندوق قديم كانت هناك علبة خشب صغيرة.
أخرجتها.
لكن قبل ما أفتحها…
سمعت صوت ارتطام قوي من الصالة.
وبعدين صوت سارة وهي بتصرخ:
— مارك! إنت فين؟
بصيت لليان.
وحطيت العلبة تحت هدومي.
وخرجت.
سارة كانت واقفة وسط الصالة.
ياسين اختفى.
والباب الخارجي كان مفتوح.
لكن الرجل اللي كان في العربية…
كان واقف جوه البيت.
ولما شافني، قال جملة واحدة:
— إحنا جايين ناخد حاجة تخص هبة.
في اللحظة دي، عرفت إن الليلة دي مش هتنتهي من غير ما أعرف الحقيقة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن العلبة اللي خبّيتها تحت هدومي كانت تحتوي على شيء أخطر بكتير من مجرد أوراق ملكية.
كانت تحتوي على دليل يثبت إن موت هبة…
ما كانش بالبساطة اللي كنت مصدقها طول الأربع سنين.
وقفت قدام الراجل الغريب وأنا بحاول أبان هادي.
لكن الحقيقة إن كل خلية في جسمي كانت بتصرخ إن في حاجة غلط.
بصيت له وقلت:
— إنت مين؟
ابتسم ابتسامة باردة.
— اسمي حسام.
— وإيه اللي جابك بيتي؟
قبل ما يرد، سارة تدخلت بسرعة:
— حسام صديق ياسين، وجاي ياخد أوراق تخص هبة.
بصيت لها.
— أوراق إيه؟
قالت:
— مش وقته نتكلم في الموضوع ده.
ضحكت بسخرية.
— بالعكس… أعتقد إن ده أحسن وقت.
حسام بص لسارة.
واضح إنه ما كانش متوقع إني أكون لسه في البيت.
ثم قال:
— إحنا مش عايزين مشاكل.
رديت:
— وأنا كمان مش عايز مشاكل. عشان كده كل واحد يخرج من بيتي دلوقتي.
حسام اتحرك خطوة ناحيتي.
لكن قبل ما يوصل لي، رن موبايلي.
بصيت للشاشة.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل كبير:
— لو عايز تعرف الحقيقة عن هبة، ما تثقش في سارة.
اتجمدت.
— مين حضرتك؟
لكن المكالمة اتقفلت.
رفعت عيني.
حسام كان بيراقبني.
سارة كانت شاحبة.
لأول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيها.
قلت:
— إيه اللي حصل لهبة؟
سارة ردت بسرعة:
— ما تسمعش لأي حد بيحاول يلعب بعقلك.
— وأنا سألتك إنتِ.
سكتت.
قربت منها.
— ليه بتتكلموا عن دفتر هبة؟
قالت:
— مفيش دفتر.
بصيت ناحية ليان.
كانت واقفة عند باب الأوضة.
وسمعت صوتها:
— فيه.
سارة بصت لها بغضب.
أنا وقفت بينهما فورًا.
— ليان، ادخلي الأوضة.
البنت دخلت وقفلت الباب.




