روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وده شيء ما كنتش مستعد أقبله.

لما رجعت البيت، لقيت سعاد قاعدة في الصالة.

أول ما شافتني، سألتني:

«كنت فين طول اليوم؟»

قلت لها:

«في البنك».

اتغير لون وشها.

«البنك؟ ليه؟»

حطيت الملف قدامي على الترابيزة.

«عشان أراجع الحسابات والتحويلات اللي حصلت خلال الشهور اللي فاتت».

قامت من مكانها وقالت بعصبية:

«إنت وصلت لدرجة إنك تشك فيَّ وتروح تشتكي للبنك؟»

رديت بهدوء:

«أنا ما اشتكيتش على حد. أنا طلبت مراجعة حسابات فيها فلوس تخص بنتي، ولقيت مستندات محتاج أفهمها».

بصت للملف، وبعدها قالت:

«كل الفلوس اللي اتصرفت كانت على العيلة. إنت عارف إن البيت له مصاريف كتير».

قلت لها:

«أنا عارف، وعشان كده كنت بحول مصاريف البيت بانتظام. لكن فلوس ليلى اللي أنا خصصتها لعيد ميلادها حاجة تانية، وأي مبلغ مخصص لها لازم أعرف اتصرف فين».

صرخت:

«يعني ابن جوزي مش من العيلة؟ يوسف مش من حقه يفرح؟»

قلت لها:

«يوسف من العيلة، وأنا بحبه. ومش هقبل إنه يتحرم من الفرحة أو يعيش حزين. لكن ده ما يديكيش الحق تحرمي ليلى عشان تفرحيه».

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

«إنت عمرك ما فهمت أنا بمر بإيه بعد وفاة أبوك».

بصيت لها بحزن.

«يمكن فعلًا ما فهمتش كل اللي إنتِ مريتي بيه. لكن أنا كنت موجود، وساعدتك، ووقفت جنبك وجنب يوسف. ما كنتش يومًا عايز أسيبكم لوحدكم».

وبعدين أشرت للملف.

«لكن أنا كمان عندي بنت فقدت أمها. ليلى ما ينفعش تدفع تمن حزن يوسف، ولا ينفع أمانها يبقى أقل من أمانه».

في اللحظة دي، دخل يوسف الصالة.

كان سامع جزءًا من كلامنا، ووشه مليان خوف.

قال:

«ماما، هو عمو عمر هيمشينا من البيت؟»

سعاد قربت منه بسرعة، وحضنته.

«لأ يا حبيبي، محدش هيمشيك».

بصيت للولد وقلت له:

«يا يوسف، إنت مالكش ذنب في أي حاجة حصلت. ومهما حصل بين الكبار، إنت هتفضل ابن أخويا، وأنا مش هبطل أحبك».

الولد هز راسه، لكنه فضل متعلق بأمه.

أما سعاد، فبصت لي وقالت:

«طيب، إنت عايز إيه دلوقتي؟»

رديت:

«عايز حسابات واضحة، ومستندات صحيحة، وكل واحد يعرف حدود مسؤوليته. ومن النهارده، فلوس ليلى مش هتتحط في حساب مشترك من غير ما أتابعها بنفسي».

وبعدها قلت لها:

«وكمان عايز أعرف مين الشخص اللي كنتِ بتكلميه في التليفون، وقلتي له إن الموضوع قرب يخلص».

وشها اتجمد.

لأول مرة، ما لقيتش رد جاهز عندها.

قالت بعد لحظات:

«كنت بكلم أختي».

سألتها:

«وليه بتقولي لها ما تقوليش أي حاجة عن الحساب؟»

ردت بعصبية:

«إنت بتتجسس عليَّ دلوقتي؟»

قلت لها:

«أنا سمعتك بالصدفة. ومش هتهمك بحاجة من غير دليل. لكن كل حاجة تخص فلوسي وحقوق بنتي لازم تتوضح».

وبعدها قمت من مكاني، وأخدت الملف.

كنت عارف إن المواجهة دي مش نهاية الحكاية، لكنها كانت بداية تغيير كبير في حياتنا.

في الأيام اللي بعدها، بدأت أرتب أموري من جديد.

راجعت حساباتي الشخصية، وفصلت مدخراتي عن المصاريف المشتركة بالطريقة اللي نصحني بيها المحامي، واحتفظت بكل المستندات المتعلقة بالتحويلات.

وطلبت مراجعة رسمية للتوقيع الموجود على الورقة، عشان أعرف إذا كان توقيعي فعلًا أو إذا كان فيه استخدام غير مصرح به لبياناتي.

أما سعاد، فبقت تتجنب الكلام عن الفلوس.

ولما سألتها عن تفاصيل حفلة يوسف، قالت إنها كانت عايزة تفرحه، وإنها ما فكرتش في الموضوع بالطريقة اللي أنا فهمتها بيها.

لكنها ما قدرتش تفسر لي ليه كذبت عليَّ بخصوص إلغاء الحجز، ولا ليه ما قالتش الحقيقة عن فلوس عيد ميلاد ليلى.

بعد فترة، قررت إنها هتنتقل مع يوسف للإقامة عند أختها مؤقتًا، لحد ما نحدد إزاي هننظم حياتنا داخل البيت، وإيه الترتيبات المناسبة للأطفال.

ما كانش هدفي أطردها أو أعاقب يوسف.

كان هدفي إن بنتي تعيش في بيت تحس فيه إنها محبوبة، وإن حقوقها مش معرضة للضياع بسبب خلافات الكبار.

وقبل ما سعاد تمشي، وقفت قدامي وقالت:

«إنت كده بتفرق بين يوسف وليلى».

بصيت لها وقلت:

«لأ يا سعاد. أنا بحاول أمنع إن حد يفرق بينهم. الطفلين ما لهمش ذنب في قراراتنا».

ما ردتش.

شالت شنطتها، ومشيت مع يوسف.

ولما الباب اتقفل، حسيت بمزيج غريب من الحزن والراحة.

كنت حزين إن عيلتنا وصلت للمرحلة دي، لكنني كنت مرتاح لأنني أخيرًا بدأت أتصرف بدل ما أغمض عيني وأتمنى إن كل حاجة تتحسن لوحدها.

في المساء، ناديت على ليلى.

كانت قاعدة في أوضتها، بترسم في كراسة جديدة.

قعدت جنبها، وبصيت للرسمة.

كانت رسمة لكيكة كبيرة، عليها شموع بنفسجية، وحواليها أطفال كتير.

فوق الرسمة كتبت:

«عيد ميلادي الجميل».

سألتها:

«إيه رأيك نعمل عيد ميلادك اللي كنتِ بتحلمي بيه؟»

رفعت راسها بسرعة.

«بجد يا بابا؟»

ابتسمت.

«بجد. وإنتِ اللي هتختاري المكان والكيكة، وهتعزمي أصحابك بنفسك».

فضلت باصة لي لحظات، وبعدها سألتني:

«طب وتيتا؟»

السؤال فاجأني.

كنت متوقع إنها تكون زعلانة من سعاد، لكنها كانت لسه طفلة، ولسه بتحب الست اللي عاشت معاها سنين.

قلت لها:

«اللي حصل ما كانش صح، يا حبيبتي. لكن مش لازم تقرري دلوقتي إنتِ حاسة بإيه ناحيتها. خدي وقتك، ومش مطلوب منك تسامحي حد قبل ما تكوني مستعدة».

هزت راسها، وبعدها حضنتني.

وقالت:

«أنا مش عايزة حد يزعل. أنا بس كنت عايزة أحس إن عيد ميلادي مهم».

حضنتها بقوة.

«عيد ميلادك مهم، وإنتِ مهمة، وكل يوم في حياتك مهم عندي».

وفي الأسبوع التالي، عملنا احتفالًا صغيرًا في البيت.

عزمنا أصحابها، واشترينا كيكة بالفراولة والكريمة البنفسجية، وكتبنا عليها اسمها بخط كبير.

ما كانتش حفلة فخمة، ولا صرفنا عليها مبلغ ضخم.

لكن ليلى كانت بتضحك من قلبها، وبتجري بين أصحابها، وكل شوية ترجع تحضني وتقول:

«شكرًا يا بابا».

وفي اللحظة اللي أصحابها بدأوا يغنوا لها، شفت عينيها بتلمع بالفرحة.

افتكرت الفيديو اللي شفته في المطعم، وهي قاعدة لوحدها قدام الكب كيك الصغيرة.

وقتها فهمت إن الفرق بين اليومين ما كانش في حجم الكيكة، ولا عدد البالونات، ولا تكلفة الحفلة.

الفرق كان في إحساس طفلة إن فيه حد شايفها، ومهتم بيها، ومعتبر فرحتها حاجة تستحق الاهتمام.

أما موضوع الحسابات، ففضل تحت المراجعة، وما اتهمتش سعاد بجريمة من غير ما تكون فيه نتيجة واضحة تثبت ده.

اتعلمت إن الثقة مهمة، لكن الثقة مش معناها إني أتجاهل المستندات، أو أسيب حقوق بنتي من غير متابعة.

واتعلمت كمان إن مساعدة العيلة شيء جميل، لكن المساعدة ما ينفعش تتحول لحق مفتوح في أموال الآخرين.

وفي آخر اليوم، وأنا بوصل ليلى لسريرها، سألتني:

«بابا، هو أنا هفضل أعمل عيد ميلادي معاك كل سنة؟»

قبلت جبينها وقلت:

«طول ما أنا موجود، هفضل أحاول أخلي أيامك حلوة، وأخليكي عارفة إنك مش لوحدك أبدًا».

ابتسمت، وقفلت عينيها وهي حضنة دبدوبها.

أما أنا، ففضلت واقف عند باب أوضتها شوية، وبعدين رجعت للصالة.

كان فيه طبق صغير عليه آخر قطعة من كيكة عيد الميلاد.

أخدتها، وحطيتها في التلاجة عشان ليلى تاكلها الصبح.

ابتسمت وأنا بقفل الباب.

لأنني أخيرًا فهمت إن الأبوة مش مجرد فلوس بتحولها آخر الشهر، ولا هدايا بتشتريها، ولا وعود بتقولها.

الأبوة إنك تكون حاضر لما طفلك يحتاجك، وإنك تسمعه لما صوته يبقى واطي، وإنك ما تسمحش لحد يقنعه إنه أقل أهمية من غيره.

ومن يومها، قررت إن أي قرار يخص مستقبل ليلى هيتاخد بعناية، وإن مش هسمح أبدًا إن غيابي بسبب الشغل يتحول لسبب يخليها تحس إنها متروكة أو أقل من أي طفل تاني.

لأن بنتي ما كانتش محتاجة أب غني.

كانت محتاجة أب يفهم إن قلبها أغلى من أي مبلغ في الدنيا.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى