
بصت لي، وكأنها بتحاول تصدق كلامي.
وبعدين قالت:
«طب ممكن السنة الجاية نعمل عيد ميلادي لوحدنا؟ حتى لو كيكة صغيرة؟»
ابتسمت، وقبلت جبينها.
«مش لازم تستني للسنة الجاية. هنعمل لك عيد ميلاد يفرح قلبك، وهتختاري بنفسك كل حاجة».
لأول مرة من بداية الليلة، شفت ابتسامة حقيقية على وشها.
لكنني كنت لسه ما أعرفش إن الحكاية أكبر بكتير من حفلة عيد ميلاد.
في الصبح، نزلت للمطبخ ولقيت سعاد بتحضر الفطار.
أول ما شافتني، وقفت مكانها، والمعلقة وقعت من إيدها.
«عمر؟ إنت رجعت إمتى؟»
قلت بهدوء:
«بالليل».
حاولت تضحك.
«ما قلتليش ليه؟ كنت حضرت لك حاجة تاكلها».
قعدت على الكرسي، وحطيت الموبايل قدامي.
«مش مهم الأكل يا سعاد. أنا عايز أفهم اللي حصل امبارح».
ملامحها اتغيرت.
«حصل إيه؟»
فتحت الفيديو الأول، وحطيته قدامها.
«دي حفلة يوسف؟»
ردت بتوتر:
«أيوه، بس زي ما قلت لك، كانت حاجة بسيطة».
فتحت الفيديو التاني، وبعدين صورة الكيكة، وبعدها صورة الحجز اللي ظهرت في أحد المنشورات.
قلت لها:
«2000 جنيه اتبعتوا للحساب مخصوص عشان عيد ميلاد ليلى. إزاي الفلوس دي اتصرفت على حفلة يوسف؟»
رفعت صوتها فجأة.
«إنت هتحاسبني على كل جنيه بصرفه في البيت؟!»
قلت:
«أنا مش بحاسبك على مصاريف البيت. أنا بسألك عن فلوس بنتي».
ردت بعصبية:
«يوسف ابني، وأبوه مات! كان لازم أعمل له حاجة تفرحه. إنت عايزني أعمل إيه؟ أسيبه من غير عيد ميلاد؟»
قلت لها:
«أنا عمري ما قلت لك ما تعمليش له عيد ميلاد. أنا قلت لك من البداية إن كل واحد فيهم له حفلة منفصلة، وأنا مستعد أدفع مصاريف الاتنين».
سكتت لحظة.
فكملت:
«إنتِ اللي قلتي لي إن المكان اتلغى بسبب مشكلة في السباكة. وإنتِ اللي قلتي إنك هتعملي لليلى حاجة في البيت. ليه كذبتي عليَّ؟»
ردت بسرعة:
«أنا ما كذبتش. الظروف اتغيرت، واضطريت أتصرف».
«طيب فين فلوس مقدم الحجز؟»
ما ردتش.
كررت السؤال:
«فين الـ300 جنيه اللي دفعتهم للمكان؟»
بدأت تتحرك في المطبخ، وتلم الأطباق بعصبية.
«مش فاكرة يا عمر. إنت جاي من السفر وداخل تتخانق معايا من أول الصبح؟»
وقفت، وبصيت لها مباشرة.
«أنا مش جاي أتخانق. أنا جاي أفهم إزاي بنتي قضت عيد ميلادها لوحدها، وإنتِ كنتِ بتحتفلي بابنك بالفلوس اللي أنا محوشها ليها».
فجأة، سمعت صوت يوسف من عند باب المطبخ.
كان واقف، ولابس بيجامته، وباصص لنا بخوف.
قال بصوت واطي:
«ماما… هو عمو عمر زعلان مني؟»
اتغيرت ملامحي فورًا.
قربت منه وقلت:
«لأ يا يوسف يا حبيبي. إنت ما عملتش أي حاجة غلط».
لكن سعاد دخلت بيننا بسرعة، وقالت:
«ادخل أوضتك يا يوسف. الكبار بيتكلموا».
الولد بص لي مرة تانية، وبعدها مشي بهدوء.
ولما اختفى من قدامنا، سعاد قربت مني وقالت بصوت منخفض:
«إنت لازم تفهم إن يوسف محتاجني أكتر من ليلى. هو فقد أبوه، وليلى لسه عندها أبوها».
حسيت إن الكلام ده كشف لي حاجة كانت مستخبية جواها من زمان.
قلت لها:
«يعني عشان أنا عايش، بنتي تستحق أقل؟»
ردت:
«ما تلفش الكلام. إنت بتسافر طول الوقت، وأنا اللي بشيل مسؤولية الأطفال هنا».
قلت لها:
«وأنا عمري ما أنكرت تعبك، ولا قصرت في مصاريف البيت. لكن ده ما يديكيش الحق تكسري قلب بنتي».
سكتت لحظة، وبعدها قالت الجملة اللي خلتني أحسم قراري:
«ليلى لازم تتعود إن مش كل حاجة هتاخدها في الحياة. يوسف هو اللي لازم نضمن مستقبله».
بصيت لها باستغراب.
«مستقبله؟ وإيه علاقة عيد ميلاد بنتي بمستقبل يوسف؟»
ما ردتش.
لكن نظراتها راحت ناحية الدرج، حيث كانت بتحتفظ بأوراق البيت والحسابات.
وفي اللحظة دي، افتكرت إن من شهور، سعاد كانت بتطلب مني أوقّع على أوراق تخص مصاريف البيت، وكانت بتقول إنها مجرد إجراءات عادية.
أنا كنت بوقّع من غير ما أدقق، لأني كنت واثق فيها.
وفجأة، بدأت أربط بين حاجات كتير.
الفلوس اللي كنت بحولها كل شهر.
الأسئلة اللي كانت بتسألني فيها عن مدخراتي.
وإصرارها الدائم إني أسيب لها إدارة كل المصاريف.
قلت لها بهدوء:
«سعاد، أنا عايز أشوف كشف حساب الفلوس اللي كنت بحولها للبيت من أول السنة».
وشها اتغير في ثانية.
«ليه؟»
رديت:
«عشان من النهارده، كل جنيه هيتصرف لازم أعرف راح فين».
صرخت:
«إنت مش واثق فيَّ؟ بعد كل السنين دي؟»
بصيت لها وقلت:
«كنت واثق فيكي. لكن اللي حصل خلاني لازم أتأكد».
طلعت من المطبخ، ورجعت لأوضتي، وفتحت اللابتوب.
بدأت أراجع التحويلات القديمة واحدة واحدة.
وفي البداية، كل حاجة كانت تبدو عادية.
مصاريف أكل، وفواتير، واحتياجات المدرسة.
لكن بعد شوية، لقيت تحويلات بمبالغ مختلفة، اتسحبت من الحساب من غير أي وصف واضح.
وبعضها كان في أيام ما كانش فيها أي مصاريف كبيرة في البيت.
فتحت تفاصيل أول تحويل، وبدأت أدور على المستندات المرتبطة بيه.
وبعدين لقيت ملفًا باسم غريب، ما افتكرتش إني شفته قبل كده.
فتحته.
كان فيه مستندات تخص حساب توفير، وأوراق مرتبطة باسم يوسف.
لكن المفاجأة ما كانتش في اسم يوسف وحده.
المفاجأة كانت في وجود ورقة مرفقة عليها توقيع باسمي.
توقيع كنت متأكد إني ما مضيتش على الورقة دي بالشكل ده.
قربت الشاشة من عيني، وبدأت أقرأ التفاصيل.
كل ما كنت بقرأ سطر، كنت بحس إن الموضوع أكبر وأخطر من مجرد فلوس عيد ميلاد.
وبعدين وقعت عيني على جملة مكتوبة في آخر الصفحة.
جملة خلتني أقفل اللابتوب، وأقوم من مكاني فورًا.
لأنني فهمت إن سعاد ما كانتش بس بتفضل ابنها على بنتي.
كان فيه قرار اتاخد يخص مستقبل ليلى، من غير علمي، والقرار ده ممكن يغيّر حياتنا كلنا.
يتبع…
### الجزء الثالث والأخير: الورقة اللي كشفت الحقيقة… والقرار اللي خلّى سعاد تخسر كل حاجة!
فضلت باصص للورقة اللي على شاشة اللابتوب، وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه.
كان فيه مستند متعلق بحساب مالي باسم يوسف، ومرفق بيه توقيع باسمي، وفيه إقرار بالموافقة على تحويل جزء من مدخراتي لحساب تاني.
لكن اللي صدمني أكتر إن المستند كان بيشير لموافقة على استخدام فلوس مخصصة لمستقبل ليلى.
أنا ما كنتش فاكر إني وافقت على أي حاجة بالشكل ده.
قعدت أراجع المستندات واحدة واحدة، وأقارن التواريخ بالتحويلات اللي عملتها خلال الشهور اللي فاتت.
لقيت تحويلات صغيرة متكررة، وتحويلات أكبر من المعتاد، وكلها تقريبًا كانت بتخرج من الحساب المشترك.
ما قدرتش أحدد من الملفات وحدها إذا كانت كل التحويلات دي غير قانونية، ولا إذا كان فيه تفسير لبعضها، لكن كان واضح إن فيه حاجات محتاجة مراجعة دقيقة.
أخدت نسخ من المستندات وكشوف الحسابات، وقررت أروح البنك بنفسي.
قبل ما أخرج، سمعت صوت سعاد من الصالة.
كانت بتتكلم في التليفون، وصوتها واطي، لكن باب الأوضة كان مفتوح شوية.
سمعتها بتقول:
«ما تقلقش يا حبيبي، الموضوع قرب يخلص. عمر مش هيفضل موجود كتير، ولما يرجع شغله كل حاجة هترجع زي ما كانت».
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
«المهم ما تقولش له أي حاجة عن الحساب. أنا هتصرف».
وقفت مكاني.
مين اللي كانت بتكلمه؟
وإيه اللي كانت تقصده بإن الموضوع قرب يخلص؟
ما دخلتش عليها، وما واجهتهاش وقتها.
كنت محتاج أفهم الحقيقة كاملة قبل ما أتهم حد بحاجة ما عنديش دليل كافي عليها.
خرجت من البيت، وأخدت معايا كل الأوراق اللي لقيتها.
لكن قبل ما أوصل للباب، بنتي ليلى ظهرت قدامي وهي حضنة دبدوبها الصغير.
قالت لي:
«بابا، إنت رايح الشغل تاني؟»
نزلت لمستواها، وابتسمت.
«لأ يا حبيبتي، عندي مشوار مهم وراجع».
سألتني بخوف:
«هترجع قبل ما أنام؟»
مسكت إيديها وقلت:
«أوعدك».
هزت راسها، وبعدها قالت بصوت واطي:
«طيب، ممكن لما ترجع نقعد نرسم سوا؟»
حضنتها وقلت:
«هنرسم أحلى كيكة عيد ميلاد في الدنيا».
ضحكت للمرة الأولى من ساعة ما رجعت.
والضحكة دي خلتني أتأكد إن أهم حاجة لازم أعملها هي إني أحمي بنتي، وأرجع لها إحساسها بالأمان.
في البنك، طلبت مراجعة التحويلات المتعلقة بالحساب المشترك، وسألت عن المستند اللي لقيته.
الموظف وضح لي إن بعض العمليات محتاجة مراجعة إضافية، وإن صورة المستند وحدها ما تكفيش للحكم على صحة التوقيع أو سبب التحويلات.
قدمت طلبًا رسميًا للحصول على تفاصيل العمليات، وطلبت معرفة المستندات اللي اتستخدمت في تنفيذها.
وبعدها تواصلت مع محامٍ، وشرحت له كل اللي حصل.
نصحني ما أتهمش سعاد قدام العيلة قبل ما أجمع الأدلة، وإننا لازم نراجع ملكية الأموال، وطبيعة الحساب المشترك، وأي تفويضات أو موافقات سابقة.
كنت عايز أتصرف بعقل، مش بغضب.
لأنني لو اندفعت واتهمتها من غير إثبات، ممكن أظلم حد، وممكن كمان أضر بحقوق بنتي بدل ما أحميها.
بعد يومين، وصلتني تفاصيل إضافية من البنك.
بعض التحويلات كانت فعلًا مرتبطة بمصاريف يوسف، وبعضها اتوجه لحساب آخر، لكن تفسير كل عملية كان محتاج مستندات أكتر.
أما الورقة اللي عليها توقيعي، فكان لازم تتراجع بشكل منفصل للتأكد من صحتها.
في الوقت ده، بدأت أفهم إن المشكلة مش مجرد فلوس ضاعت.




