قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير

### الجزء الثاني: الاعتراف اللي دفنه ست سنين

حسام فتح بقه كأنه هيقول حاجة، لكنه رجع سكت تاني.

أمه نادية قامت من مكانها بسرعة، وبصت للواء فؤاد الشناوي بغضب.

— هو إيه اللي حضرتك بتعمله ده؟! ابني مش متهم في قضية عشان تحاسبه قدام الناس! إحنا جايين نحضر حفل تكريم، مش محاكمة!

القائد العام ما رفعش صوته، لكنه رد عليها بنبرة حاسمة:

— محدش اتهم ابن حضرتك بحاجة يا مدام نادية. أنا بس بسأله عن إقرار رسمي وقّعه بإيده، وده من حقه إنه يوضحه بنفسه.

وبعدين أشار ناحية حسام.

— اتفضل يا أستاذ حسام. إحنا سامعينك.

حسام مسح عرقه بمنديل طلع من جيبه، رغم إن التكييف كان شغال والقاعة باردة.

بص لأمه وقال بصوت ضعيف:

— ماما، أنا…

نادية قاطعته فورًا:

— متقولش أي حاجة! إنت مش مطالب تبرر نفسك لحد. كل اللي موجودين دول ميعرفوش حاجة عن اللي حصل، وأنا عارفة إنك كنت بطل في الليلة دي.

الكلمة الأخيرة وجعته أكتر من أي اتهام.

لأنه كان عارف إنها مش حقيقة.

وأنا كمان كنت عارفة.

أما اللواء فؤاد، فمد إيده لمساعده الواقف جنب المنصة، واستلم منه ملفًا بني اللون.

فتحه، وطلع منه ورقة قديمة عليها توقيع حسام.

— أنا مش هقرأ الورقة من غير ما أديك فرصة تتكلم بنفسك. دي شهادتك، وإنت اللي كتبتها.

حسام غمض عينيه للحظة.

ولما فتحهم، كانت عينيه مليانة دموع— لأ يا ماما. أنا كنت خايف من الحقيقة.

حسيت إن كل الأصوات في القاعة اختفت.

حتى صوت أجهزة التكييف ما بقيتش واخدة بالي منه.

حسام بص ناحيتي لأول مرة من بداية الحفل، وقال:

— ليلى هي اللي أنقذتني. مش أنا اللي أنقذتها.

نادية رجعت خطوة لورا، كأن حد دفعها.

— إنت بتقول إيه؟!

حسام حط إيده على وشه، وأخد نفسًا عميقًا.

— بقول الحقيقة اللي كان المفروض أقولها من ست سنين.

وبدأ يحكي.

قبل ست سنين، كنا في مهمة عسكرية تدريبية قرب أحد المجاري المائية في منطقة ريفية شمال الدلتا.

الأمطار كانت غزيرة من الليلة السابقة، ومستوى المياه ارتفع بشكل مفاجئ.

التعليمات كانت واضحة: محدش يقرب من المنطقة المنخفضة إلا بإذن المسؤولين، وأي تحرك يحصل لازم يكون بعد التأكد من سلامة الطريق.

لكن في اللحظة اللي بدأ فيها الفيضان، كان فيه تلاتة من زملائنا في موقع قريب من المجرى المائي.

الرقيب أول درويش عبد الرحمن، والجندي شريف، والجندي سامح.

المياه حاصرتهم بسرعة أكبر من المتوقع.

واحد منهم انزلق، والتاني حاول يمسك فيه، والتالت اتسحب معاهم ناحية الجزء الأعمق.

لما سمعنا استغاثتهم، كلنا جرينا ناحية الصوت.

كنت أنا وليلى وسط المجموعة اللي وصلت للضفة.

المياه كانت بتتحرك بعنف، والطين مخلي الوقوف صعب، وكل ما حد يحاول يقرب، رجله كانت بتتزحلق.

ليلى كانت أول واحدة فهمت إننا مش هنقدر ننقذهم من الضفة لوحدنا.

طلبت حبال إنقاذ، وخلت اتنين من الجنود يثبتوا الحبال في نقطة آمنة، وبدأت تنظم عملية الإنقاذ.

أنا وقتها كنت متوتر.

مش بس بسبب المياه، لكن لأن واحدًا من اللي كانوا بيغرقوا كان صديقي المقرب.

شريف كان واقف وسط المياه، بيحاول يرفع راسه عشان يقدر يتنفس.

صرخت له:

— امسك في أي حاجة يا شريف! إحنا جايين لك!

لكن قبل ما نقدر نوصل له، موجة قوية ضربت المكان، وسمعت صوت صراخ من ناحية تانية.

سامح اختفى تحت سطح المياه.

درويش حاول يمسك فيه، لكنه اتسحب هو كمان.

ليلى ما استنتش.

ربطت حبل الإنقاذ حوالين جسمها، وطلبت من الجنود يمسكوا الطرف التاني بإحكام، وبعدها نزلت المياه.

أنا كنت واقف على الضفة، شايفها وهي بتقاوم التيار.

وصلت لشريف الأول، وساعدته يمسك في الحبل، وبدأت تسحبه ناحية المكان الآمن.

وبعدها رجعت تاني.

المرة التانية كانت عشان درويش.

ولما قدرت توصله، لقت سامح بيظهر ويختفي وسط المياه على مسافة أبعد.

رجعت للمرة التالتة.

كانت بتتنفس بصعوبة، ودراعها بدأ يتجرح من الاحتكاك بالحجارة، لكن ما وقفتش.

وصلت لسامح وساعدته يمسك في الحبل، وفضلت تسحبه لحد ما الجنود قدروا يرفعوه للضفة.

تلات مرات دخلت فيها المياه.

تلات مرات رجعت منها وهي بالكاد قادرة تقف على رجليها.

لكن الحكاية ما انتهتش عند كده.

لأن في اللحظة اللي كنا فاكرين فيها إن الكل اتنقذ، سمعنا صوت  جديد.

كان صوتي أنا.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى