قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير

عرفت وقتها إن الراجل ده مش غريب عن العيلة.

كان اسمه «حسن»، وكان المحاسب القديم لشركة والدي، واشتغل معانا سنين طويلة قبل ما يتقاعد.

طلبت منه يقعد، لكنه رفض وقال:

«أنا مش جاي أقعد يا أستاذ أدهم. أنا جاي أقولك الحقيقة اللي كان المفروض تعرفها من زمان».

فتح شنطته وطلع مجموعة مستندات قديمة.

وقال:

«قبل غياب مدام سلمى بشهور، اكتشفت إن فيه محاولات للتلاعب في بعض المستندات المالية الخاصة بميراث الأطفال. سلمى بدأت تحقق بنفسها، ولما وصلت لبعض الأسماء، اكتشفت إن محمود متورط في الموضوع».

بصيت لأخويا.

محمود نزل عينيه للأرض.

حسن كمل:

«سلمى واجهته، وطلبت منه يرجع كل الأوراق لمكانها. في البداية وافق، لكنه بعد كده حاول يقنعها إنها تسكت علشان ما يحصلش خلاف بين الإخوات».

سألته:

«وطب نادية؟»

رد:

«نادية كانت تعرف محمود من قبل ما تتعرف عليك. هو اللي قدمها لبعض الناس، وبعدها بدأت تظهر في المناسبات اللي بتحضرها، لحد ما قدرت تقرب منك».

حسيت إن صدري ضاق.

قلت:

«يعني خطوبتي منها كانت جزء من خطة؟»

هز حسن رأسه.

«للأسف، أيوه. كانوا فاكرين إن وجودها في البيت هيساعدهم يوصلوا للمعلومات اللي محتاجينها عن حسابات الأطفال».

محمود فجأة انفجر في الكلام:

«كفاية بقى! أنا مش شخص مؤذٍ، ولا عمري كنت عايز أأذي سلمى! أنا غلطت، آه، لكن الموضوع ماكانش بالشكل اللي بتتصوره».

بصيت له وقلت:

«إنت كنت مستعد تستغل غياب مراتي وتستغل ولادي علشان الفلوس؟»

رد وهو بيعيط:

«أنا كنت مديون يا أدهم. دخلت في استثمارات خسرانة، والديون كبرت عليّا. نادية قالت لي إن فيه طريقة نقدر نحل بيها كل حاجة من غير ما الأطفال يخسروا حاجة».

قلت له بغضب:

«من غير ما يخسروا حاجة؟ وإنت كنتوا بتعملوا إيه لما بتمنعوهم حتى يحتفظوا بصور أمهم؟»

ما ردش.

السر الأخير

حسن مد إيده وطلع ظرف تاني.

وقال:

«فيه حاجة أخيرة لازم تعرفها. سلمى قبل غيابها بأيام، سجلت إفادة عند محاميها عن كل اللي اكتشفته، وطلبت الاحتفاظ بنسخة منها في مكان آمن».

فتح المحامي الظرف، وبدأ يراجع المستندات.

كان فيه إثباتات لمحاولات التلاعب في أوراق الميراث، ومراسلات مالية، وتسجيلات تثبت إن محمود ونادية اتفقوا على استغلال ثقتي فيهم.

لكن الأهم كان تقريرًا رسميًا عن ظروف غياب سلمى.

سألته:

«يعني إيه؟ هو فيه شك في غيابها؟»

رد المحامي:

«التقرير الأصلي بيأكد إن الغياب كان بسبب مشكلة صحية مفاجئة، ومفيش دليل طبي يثبت وجود تدخل من أي شخص. لكن فيه مستندات بتوضح إن سلمى كانت تحت ضغط شديد بسبب اكتشافها للتلاعب في أموال الأطفال».

حسيت بحزن شديد.

كنت طول الوقت فاكر إن نادية مجرد ست غيورة، وإن محمود مجرد أخ غلط في حساباته.

لكن الحقيقة إنهم استغلوا أصعب فترة في حياتي علشان يحققوا مصالحهم.

قلت لحسن:

«ليه ما قلتليش الكلام ده من زمان؟»

رد بحزن:

«كنت خايف، وكان معايا أسرة محتاج أحافظ عليها. لكن لما عرفت إن الأطفال بيتعرضوا للأذى، ما قدرتش أكمل سكوت».

بصيت للمحامي وقلت:

«عايز كل المستندات دي تتسلم للجهات المختصة، وكل واحد يتحاسب على اللي عمله».

محمود قرب مني وقال:

«أدهم، إحنا إخوات. إوعى تنسى إننا من دم واحد».

بصيت له طويلًا.

وقلت:

«الدم مش مجرد اسم عيلة يا محمود. الأخ الحقيقي هو اللي يحافظ على أخوه وولاده، مش اللي يستغل غيابه».

وبعدها طلبت منه يمشي.

ما حاولتش أنتقم منه بنفسي، ولا استخدمت نفوذي علشان أضغط عليه.

سيبت القانون ياخد مجراه.

بعد مرور ثلاثة شهور

اتغيرت حياتنا تمامًا.

نادية بقت بعيدة عن البيت، وبدأت الإجراءات القانونية لمحاسبتها على الأفعال اللي ارتكبتها، وعلى محاولات التلاعب بالمستندات، وكل ما ثبت عليها من مخالفات.

أما محمود، فواجه تحقيقات بسبب دوره في محاولة الاستيلاء على حقوق الأطفال، وخسر ثقتي للأبد.

غريس، مدبرة المنزل، فضلت معانا.

أنا عرضت عليها مكافأة كبيرة علشان وقفت جنب ولادي، لكنها رفضت في البداية.

وقالت:

«أنا ما عملتش حاجة تستاهل. أي طفل مكان ملك ويوسف كنت هحاول أحميه».

قلت لها:

«يمكن بالنسبة لك ده شيء طبيعي، لكن بالنسبة لولادي، إنتِ كنتِ الأمان الوحيد في وقت كانوا محتاجين فيه حد يحميهم».

وبعد إلحاح، وافقت إنها تقبل مكافأة تساعدها في مستقبلها، وقررت كمان أتكفل بمصاريف تعليم ابنها.

أما ملك ويوسف، فبدأوا يرجعوا لطبيعتهم بالتدريج.

ملك رجعت تضحك وتلعب، ويوسف بقى ينام من غير ما يصحى مفزوع.

وفي يوم، دخلت أوضتهم ولقيت ملك معلقة صورة أمها فوق سريرها.

كانت بتبص للصورة وبتبتسم.

سألتها:

«بتعملي إيه يا حبيبتي؟»

قالت:

«بحكي لماما عنك».

ابتسمت وسألتها:

«وبتقولي لها إيه؟»

ردت:

«بقول لها إنك بقيت تقعد معانا كل يوم، وإنك بقيت بتفطر معانا، وإنك مش بتسافر كتير».

قعدت جنبها، وقلت:

«عارفة يا ملك؟ ماما كانت هتبقى مبسوطة جدًا إنها شايفانا مع بعض».

وبعدين سألتني سؤال خلاني أسكت شوية:

«بابا، هو إنت كنت فاكر إننا مش بنحبك لما كنا بنقلق نتكلم معاك؟»

حضنتها وقلت:

«لا يا حبيبتي، إنتوا ما عملتوش أي حاجة غلط. أنا اللي كان لازم أكون موجود وأسمعكم من الأول».

قالت:

«خلاص، أنا مش زعلانة منك».

وفي اللحظة دي، يوسف دخل الأوضة وهو ماسك الأرنب البني.

وقال:

«بابا، ودن الأرنب وقعت تاني!»

ضحكت وقلت:

«هاتها يا بطل، المرة دي هخيطها كويس».

القرار اللي غير حياتنا

بعد فترة، قررت أبيع جزءًا من الممتلكات اللي كانت بتسبب خلافات ومشاكل، وأخصص جزءًا من الأرباح لمشروع خيري يساعد الأطفال اللي فقدوا أحد والديهم، خصوصًا الأطفال اللي بيتعرضوا للإهمال أو الأذى داخل بيوتهم.

وسميت المشروع باسم سلمى.

«مؤسسة سلمى لرعاية الأطفال».

كنت عايز اسمها يفضل مرتبط بالرحمة والأمان، مش بالحزن والفقد.

وفي يوم افتتاح المؤسسة، وقفت قدام الحضور، وكان ملك ويوسف واقفين جنبي.

قلت في كلمتي:

«زمان كنت فاكر إن حماية عيلتي معناها إني أوفر لهم بيت كبير، ومدارس كويسة، وحياة مادية مستقرة. لكن اكتشفت إن الأطفال مش محتاجين الفلوس قد ما محتاجين يحسوا إن فيه حد بيسمعهم، وبيصدقهم، وبيحميهم».

وبصيت لملك وقلت:

«أصعب حاجة ممكن يعملها الأب إنه يخلي ولاده يقلقوا يحكوا له الحقيقة. وأكبر غلطة ممكن يعملها إنه يفتكر إن توفير الاحتياجات المادية كفاية».

بعد الحفل، ملك مسكت إيدي وقالت:

«بابا، أنا فخورة بيك».

الكلمتين دول كانوا أغلى عندي من كل الممتلكات اللي كنت بملكها.

في المساء، رجعنا البيت.

عملت لولادي العشاء بنفسي، وقعدنا نتفرج على صور سلمى القديمة.

يوسف كان بيضحك كل ما يشوف صورة أمه وهي بتلاعبه.

وملك كانت بتحكي له عن الحاجات اللي كانت أمهم بتحب تعملها معاهم.

وقبل ما يناموا، ملك سألتني:

«بابا، ممكن بكرة نروح نزور ماما؟»

ابتسمت وقلت:

«طبعًا يا حبيبتي».

حضنتني وقالت:

«أنا عايزاك تفضل معانا على طول».

بصيت لها وقلت:

«هفضل جنبكم، وهفضل أسمعكم، ومهما حصل مش هخليكم تحسوا إنكم لوحدكم تاني».

في الليلة دي، فهمت درس عمري ما هنساه.

أنا قدرت أواجه رجال كتير، وأعدّي من مواقف صعبة، وأحمي ممتلكاتي وشغلي.

لكن أكبر معركة في حياتي ما كانتش مع أعدائي.

كانت مع قلقي إني أخسر ثقة ولادي.

لأن البيت مش هو المكان اللي بنملك مفاتيحه، البيت هو المكان اللي الأطفال يقدروا يناموا فيه من غير قلق، ويتكلموا فيه من غير ضغط، ويعرفوا إن فيه قلب مستعد يسمعهم مهما حصل.

ومن يومها، ما بقيتش أدور على الشخص اللي يقدر ياخد مكان سلمى في حياة ولادي.

لأن مكان الأم عمره ما بيتاخد.

أنا بس اتعلمت إني أحافظ على ذكراها، وأكون الأب اللي كانت تتمنى ولادنا يلاقوه جنبهم.

تمت بحمد الله

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى