روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

«ممكن تتكلم من غير مقدمات؟»

المدير حط الأوراق قدامه وقال:

«فيه مراجعة شاملة للعقود، واتضح إن بعض القرارات المالية اللي اتاخدت الفترة اللي فاتت محتاجة تفسير ومراجعة».

أدهم قلب في الأوراق بسرعة، وفجأة وقف عند مستند معين.

كان فيه توقيع قديم خاص باتفاقية تمويل.

سأل المدير:

«مين اللي طلب المراجعة؟»

رد:

«المستثمر الرئيسي».

أدهم ضرب المكتب بإيده وقال:

«أنا مش هسمح لحد يتحكم في شركتي!»

المدير رد بهدوء:

«حضرتك لازم تراجع العقود الأول. الموضوع مش قرار شخصي».

في اللحظة دي، دخلت سالي.

كانت شايلة طفلها، ووشها باين عليه التوتر.

قالت:

«أدهم، أنا مش فاهمة حاجة. إنت قلت لي إن هناء خلاص خرجت من حياتك».

بصلها وقال:

«ما تدخليش في الموضوع».

لكن سالي أصرت:

«أنا عايزة أفهم. إنت وعدتني إننا هنعيش من غير مشاكل، وإن ابننا هيكون الوريث الوحيد».

أدهم رفع عينه لها وقال:

«إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل».

ردت بعصبية:

«لأ، أنا فاهمة كويس. إنت طول الوقت كنت بتقول إن هناء مالهاش حد، وإنها مش هتقدر تعمل لك حاجة. دلوقتي طلع عندها أب يقدر يوقف لك الدنيا كلها!»

أدهم ما ردش.

لأنه بدأ يدرك إن الصورة اللي رسمها لنفسه عن هناء كانت غلط تمامًا.

بعد ثلاثة أيام، خرجت هناء من المستشفى.

أبوها كان مستنيها قدام الباب بعربيته، ومعاه مربية متخصصة تساعدها في رعاية مريم خلال فترة تعافيها.

لما وصلت البيت، اكتشفت إن أبوها جهز لها جناح كامل في فيلته، بعيد عن أي ضغوط.

لكن هناء طلبت منه حاجة واحدة.

قالت:

«بابا، أنا مش عايزة أعيش طول عمري مستخبية من أدهم، ولا عايزة أحس إنك بتحارب معركتي مكاني».

ابتسم أبوها وقال:

«أنا مش هحارب بدل منك. أنا هقف جنبك بس، وإنتِ اللي هتقرري مستقبلك».

وفي نفس اليوم، وصل خطاب رسمي من محامي أدهم.

كان بيطلب عقد جلسة للتفاوض على الطلاق وتنظيم حقوق الطفلة.

هناء قرأت الخطاب، وبعدين سلمته لمحامي أبوها.

وقالت:

«أنا موافقة نقعد، بس بشرط كل حاجة تكون واضحة، وحقوق مريم محفوظة».

بعد أسبوع، انعقد الاجتماع في مكتب محاماة كبير بوسط القاهرة.

دخل أدهم وهو لابس بدلة فخمة، لكن ملامحه كانت مختلفة عن آخر مرة شافته فيها هناء.

ماكانش واثق زي زمان.

ولما شافها قاعدة جنب أبوها، حاول يبتسم.

قال:

«إزيك يا هناء؟»

ردت باختصار:

«الحمد لله».

قعد أدهم وفتح كلامه:

«أنا عارف إن اللي حصل كان صعب، بس إحنا ممكن نصلح الأمور. أنا مستعد أرجع البيت، ونربي مريم سوا».

هناء بصت له طويلًا.

وبعدين سألته:

«طب وسالي؟»

اتوتر وقال:

«الموضوع ده انتهى».

ردت:

«وابنك اللي كنت بتقول إنه الوريث الحقيقي؟»

سكت.

فقالت:

«إنت فاكر إن المشكلة كانت في الفلوس أو في اسم العيلة؟ المشكلة إنك في اللحظة اللي كنت محتاجة فيها إيد تمسك إيدي، اخترت تسيبني وتروح تحتفل بحياة جديدة».

أدهم حاول يقاطعها، لكنها كملت:

«أنا مش همنع مريم تعرف أبوها، لو في يوم بقت مستعدة تشوفه وكان ده في مصلحتها. لكن أنا مش هرجع لراجل شايف إن بنته أقل قيمة من ابنه».

أبوها حط ملف على المكتب وقال:

«خلينا نخلص الإجراءات بشكل محترم. وكل الحقوق هتتحدد بالقانون».

أدهم بص للملف، وبعدها رفع عينه لهناء وسألها:

«يعني مفيش أي فرصة؟»

هناء مسكت صورة صغيرة لمريم كانت في شنطتها، وبصت لها قبل ما ترد:

«الفرصة اللي ضيعتها كانت يوم ولادتي… مش النهارده».

لكن أدهم ماكانش يعرف إن سالي كانت مخبية عنه سرًا كبيرًا، وإن السر ده هيظهر قريب جدًا، ويقلب حياته وحياة ابنه رأسًا على عقب…

يتبع في الجزء الأخير…
بعد انتهاء الاجتماع، خرجت هناء من مكتب المحاماة وهي حاسة لأول مرة من سنين إنها قادرة تتنفس من غير خوف.

لكن أدهم خرج وهو شايل جواه غضب كبير.

كان فاكر إن كل مشاكله بدأت بسبب تدخل محمود العاصم، وإنه لو قدر يبعد هناء عن أبوها، ممكن يرجع يسيطر على حياته زي الأول.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

بعد يومين، حصلت المفاجأة اللي محدش كان متوقعها.

اتصل مدير الشركة بأدهم وطلب منه الحضور فورًا.

أول ما دخل مكتبه، لقى سالي قاعدة هناك، ووشها شاحب، وقدامها مجموعة أوراق.

سأل بعصبية:

«إيه اللي بيحصل؟»

مدير الشركة قال:

«فيه معلومات ظهرت أثناء مراجعة الحسابات، ولازم تسمعها بنفسك».

أدهم بص لسالي.

«إنتِ ليكي علاقة بالموضوع ده؟»

سالي حاولت تتكلم، لكن مدير الشركة سبَقها وقال:

«فيه تحويلات مالية اتعملت من حسابات الشركة لحسابات خارجية، والمستندات بتشير إن فيه توقيعات تمت من غير موافقات صحيحة».

أدهم اتصدم.

بص لسالي وقال:

«إنتِ عملتي إيه؟»

سالي بدأت تعيط وقالت:

«أنا كنت بحاول أأمن مستقبل ابني».

رد أدهم بغضب:

«تأمني مستقبله إزاي؟»

قالت:

«إنت وعدتني إنك هتخليني أنا وابني في أمان، وإن هناء مش هتقدر تاخد منك حاجة. ولما حسيت إن كل حاجة بتضيع، حاولت أتصرف».

أدهم اكتشف إن سالي كانت بتستغل صلاحياتها في الشركة، وإن فيه تحويلات مالية محتاجة تحقيق قانوني.

ماكانش الموضوع مجرد خلاف عائلي زي ما كان فاكر.

بقى فيه تحقيق رسمي ومراجعة دقيقة لكل المعاملات.

وفي الأيام اللي بعدها، بدأت العلاقة بينه وبين سالي تنهار.

كل واحد فيهم بقى بيلوم التاني.

سالي كانت بتقول إنه وعدها بحياة مستقرة، وأدهم كان شايف إنها السبب في ضياع جزء كبير من مستقبله.

أما هناء، فكانت بعيدة عن كل ده.

ما طلبتش من أبوها ينتقم، ولا حاولت تتدخل في التحقيقات.

كل اللي كان يهمها إنها تربي بنتها في هدوء.

مرت ستة شهور.

مريم كبرت شوية، وبقت تبتسم كل ما تسمع صوت أمها.

وهناء بدأت ترجع لحياتها من جديد.

اشتغلت في مؤسسة خيرية تابعة لمجموعة العاصم، وكانت مسؤولة عن مشروع لدعم الأمهات اللي اتعرضوا لظروف صعبة بعد الطلاق.

كانت بتقول دايمًا:

«أنا مش عايزة أي ست تحس إنها مضطرة تقبل الإهانة عشان خايفة من بكرة».

وفي يوم، كانت قاعدة في مكتبها لما السكرتيرة دخلت وقالت:

«مدام هناء، فيه شخص بره طالب يقابل حضرتك».

سألتها:

«مين؟»

ردت:

«الأستاذ أدهم السويفي».

هناء سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

«دخليه».

دخل أدهم.

كان شكله اتغير جدًا. ملامحه مرهقة، وملابسه أبسط من المعتاد.

وقف قدامها وقال:

«إزيك يا هناء؟»

ردت بهدوء:

«أهلًا يا أدهم».

قعد بعد ما أشارت له، وفضل ساكت شوية.

وبعدين قال:

«أنا خسرت حاجات كتير».

هناء ما ردتش.

كمل:

«الشركة اتأثرت، وسالي بقت بعيدة عني، وحياتي كلها اتغيرت».

بص لها وقال:

«أنا عارف إني غلطت في حقك».

هناء سألته:

«إنت جاي تعتذر، ولا جاي عشان خسرت اللي كنت فاكره مضمون؟»

السؤال خلاه ينزل عينه للأرض.

قال بعد لحظة:

«يمكن الاتنين».

هناء ردت:

«أنا مش هقدر أرجع أحبك لمجرد إنك بقيت ندمان. أنا قضيت سنين بحاول أفهمك وأرضيك، وفي الآخر اكتشفت إنك ماكنتش شايفني أصلًا».

أدهم قال بصوت منخفض:

«ممكن أشوف مريم؟»

هناء فكرت شوية، وبعدين قالت:

«مريم من حقها تعرف أبوها، لكن أي مقابلة لازم تكون بشكل منظم، وبما يضمن راحتها وأمانها، ومن خلال الاتفاق القانوني».

أدهم هز رأسه.

وقبل ما يقوم، قال:

«كنت فاكر إن الابن هو اللي هيحافظ على اسم العيلة».

هناء بصت له وقالت:

«اسم العيلة مش بيتحافظ عليه بالولد أو البنت يا أدهم. بيتحافظ عليه بالأخلاق، وبالعدل، وبطريقة معاملتك للناس اللي بيحبوك».

خرج أدهم من المكتب من غير ما يرد.

في المساء، رجعت هناء البيت.

كان أبوها قاعد في الحديقة، ومريم بتلعب قدامه.

أول ما شافها، ابتسم وقال:

«إيه الأخبار يا بنتي؟»

قربت منه وقعدت جنبه.

قالت:

«أدهم جه النهارده».

أبوها سألها:

«وعمل إيه؟»

قالت:

«اعتذر، وطلب يشوف مريم».

هز رأسه وقال:

«وإنتِ قررتي إيه؟»

ابتسمت هناء وقالت:

«قررت إني مش هحرم بنتي من حقها، وفي نفس الوقت مش هسمح لحد يرجع يوجعنا تاني».

أبوها ابتسم بفخر.

وبعدين شال مريم وحطها على رجله.

قال لها:

«عارفة يا مريم؟ جدك كان مستنيكي من قبل ما تيجي الدنيا».

ضحكت الصغيرة ومدت إيديها ناحية وشه.

هناء بصت لهم وافتكرت الليلة اللي كانت فيها على سرير المستشفى، والشيك اللي اترمى قدامها، والكلام اللي وجعها أكتر من آلام الولادة.

افتكرت إنها في اللحظة دي كانت فاكرة إنها خسرت كل حاجة.

لكنها اكتشفت بعد كده إنها كانت بتبدأ حياة جديدة.

حياة مش محتاجة فيها تثبت لأي حد إنها تستحق الحب والاحترام.

وبعد سنة، احتفلت هناء بعيد ميلاد مريم الأول وسط عيلتها.

كانت الضحكات مالية البيت، وأبوها واقف بيصور حفيدته بفخر.

أما أدهم، فبدأ يتعامل مع بنته وفق الترتيبات القانونية، واتعلم إن الأبوة مسؤولية مش مجرد اسم بيتكتب في شهادة الميلاد.

وفي نهاية اليوم، هناء وقفت قدام صورة قديمة ليها مع أبوها، وافتكرت نصيحته اللي نسيَتها سنين:

«ماتسمحيش لحد يحدد قيمتك».

ابتسمت، وبصت لبنتها وقالت:

«أنا مش هعلمك إن قيمتك في اسم عيلة أو فلوس أو منصب. هعلمك إنك تستحقي الاحترام لمجرد إنك إنسانة».

والدرس اللي خرجت بيه هناء كان واضحًا:

مش كل خسارة نهاية، ومش كل شخص بيسيبك بيكون أخد منك حاجة.

أحيانًا ربنا بيبعد عنك شخص كنت فاكره سندك، عشان تكتشف إن قوتك كانت موجودة جواك من البداية.

تمت بحمد الله ❤️

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى