
فضلت باصة لشاشة الموبايل، وأنا بقرأ رسالة أحمد للمرة التالتة.
«نادين، لو إنتِ لسه في المطار، ما ترجعيش البيت النهارده مهما حصل… أنا محتاج أقولك الحقيقة قبل ما يكون فات الأوان».
وبعدها الرسالة التانية:
«خلي مريم معاكي، وما تثقيش في أي حد يسألك عنها».
إزاي كان عارف إني ممكن أرجع البيت؟ وليه بيحذرني من حاجة هو بنفسه رجع علشان يعملها؟
أسئلة كتير كانت بتدور في دماغي، لكن السؤال اللي كان مخوفني أكتر من أي حاجة هو: هل أحمد فعلًا ناوي يأذينا، ولا فيه شخص تاني بيحاول يورطني في حاجة أنا ما أعرفش عنها أي حاجة؟
بصيت لمريم، لقيتها بتبص لي ودموعها بتنزل على خدودها.
مسحت دموعها بإيدي وقلت لها:
«بصيلي يا حبيبتي، إنتِ عملتي الصح لما حكيتيلي اللي سمعتيه. ومهما حصل، أنا مش هسيبك لوحدك أبدًا».
حضنتني بقوة، وهمست في ودني:
«ماما، هو كان بيقول لواحد في التليفون إن كل حاجة لازم تخلص قبل يوم الخميس».
حسيت ببرودة في أطرافي.
كان النهارده يوم التلات، يعني فاضل يومين بس على الموعد اللي بنتي سمعته.
سألتها بهدوء:
«فاكرة أي حاجة تانية من كلامه؟ أي اسم أو كلمة قالها؟»
فكرت شوية، وبعدها قالت:
«أيوه يا ماما. قال إن الورق اتوقّع خلاص، وإن محدش هيقدر يثبت إنه كان موجود في البيت وقت ما المشكلة حصلت».
في اللحظة دي، بدأت أفهم إن الموضوع ممكن يكون أكبر من مجرد عطل في جهاز التدفئة.
أحمد كان بيتكلم عن أوراق، وعن إثبات وجوده أو غيابه، وعن حاجة المفروض تحصل في وقت محدد.
لكن إيه الحاجة اللي كان عايز يخفيها؟ وليه كان مهم عنده إنه ما يكونش موجود في البيت؟
قبل ما أقدر أفكر أكتر، سمعت صوت عربية بتقف في الشارع.
بصيت من المراية الجانبية، وشفت عربية أحمد واقفة قدام البيت، رغم إني كنت متأكدة إني شفته وهو بيدخل المنزل من شوية.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إزاي العربية رجعت تاني؟
وهل كان فيه شخص تاني بيستخدمها؟
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كان رقم غير مسجل.
رديت من غير ما أتكلم.
جالي صوت راجل بيتكلم بسرعة وبيقول:
«مدام نادين؟ لو سمحتي، ما تدخليش بيتك دلوقتي».
اتعدلت في مكاني وسألته:
«مين معايا؟ وإنت عرفت رقمي منين؟»
رد بصوت متوتر:
«اسمي حسام، وأنا فني صيانة. كنت عندكم من أسبوعين علشان أفحص جهاز التدفئة، وجوز حضرتك طلب مني أرجع النهارده، لكن لما وصلت لقيت حاجة غريبة جدًا».
سألته بسرعة:
«إيه اللي لقيته؟»
سكت ثانيتين، وبعدين قال:
«أنا مش قادر أشرحلك كل حاجة في التليفون، بس لازم تعرفي إن الجهاز اللي عندكم مفيهوش العطل اللي جوزك كان بيحكي عنه. ولما رفضت أكتب التقرير اللي طلبه مني، اتعصب وقال لي ما أرجعش البيت تاني».
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت له:
«يعني إيه؟ هو طلب منك تكتب تقرير إن الجهاز بايظ؟»
رد:
«مش بس كده. هو كان عايزني أكتب إن فيه خطر كبير في نظام التدفئة، وإن العطل ممكن يحصل في أي لحظة. لكن لما فحصت الجهاز، ما لقيتش دليل على الكلام ده».
سألته وأنا بحاول أسيطر على صوتي:
«طيب، إنت بتتصل بيا ليه دلوقتي؟»
قال:
«لأني شفت جوز حضرتك داخل البيت من شوية، وبعدها شفت واحد غريب واقف عند باب الجراج. ولما حاولت أسأله عن سبب وجوده، ركب عربيته ومشي بسرعة. أنا قلقت، خصوصًا إني فاكر إن عندكم بنت صغيرة».
بصيت لمريم، اللي كانت بتسمع جزءًا من المكالمة، وحاولت أخفي عنها خوفي.
قلت لحسام:
«اسمعني كويس، أنا وبنتي بعيد عن البيت. لو عندك أي معلومات أو تقارير تخص فحص الجهاز، احتفظ بيها وما تواجهش أحمد لوحدك. أنا هبلغ الجهات المختصة».
رد بسرعة:
«أنا بالفعل محتفظ بنسخة من التقرير، وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها».
سكت لحظة، وبعدها قال جملة خلتني أمسك الموبايل بقوة.
«جوز حضرتك طلب مني من أسبوعين أكتب تقرير بتاريخ قديم، كأن الفحص حصل قبل ما حضرتك تمضي على أوراق التأمين».
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أوراق التأمين.
تقرير قديم.
وجهاز تدفئة بيقول إنه خطر، رغم إن الفني بيأكد إن مفيش دليل على الكلام ده.
بدأت الخيوط تتجمع قدامي، لكن الصورة الكاملة كانت لسه غامضة.
فجأة، سمعت صوت مريم وهي بتقول:
«ماما، أنا عرفت الراجل اللي كان بيتكلم مع بابا يوم الأحد».
بصيت لها بسرعة.
«عرفتيه منين يا حبيبتي؟»
قالت وهي بتشاور ناحية البيت:
«ده نفس الراجل اللي كان واقف معاه في الجراج من كام يوم. أنا كنت راجعة من المدرسة، وشفتهم بيتكلموا، ولما بابا شافني، طلب مني أطلع أوضتي فورًا».
سألتها:
«فاكرة شكله؟»
هزت راسها وقالت:
«أيوه. طويل، ولابس ساعة كبيرة، وكان عنده علامة صغيرة جنب عينه».
في اللحظة دي، افتكرت الراجل اللي شفته من شوية واقف قريب من الجراج.
لكن قبل ما أقدر أسأل مريم عن أي تفاصيل إضافية، وصلني اتصال تاني من رقم أحمد.
المرة دي رديت فورًا.
كان صوته هادي بشكل غريب.
قال:
«نادين، إنتِ فين؟»
حاولت أتحكم في نبرة صوتي وقلت:
«أنا مع مريم. إنت مش المفروض تكون في الإسكندرية؟»
سكت شوية، وبعدين قال:
«أنا عارف إنك مش في البيت، وعارف إنك سمعتي كلام من مريم. بس اللي حصل مش زي ما إنتِ فاهمة».
سألته مباشرة:
«طيب، إيه اللي حصل يا أحمد؟ وليه رجعت البيت بعد ما وصلتك المطار؟»
تنهد وقال:
«فيه ناس بتضغط عليا، وكنت بحاول أحل مشكلة قبل ما توصل ليكي أو لمريم. أنا ما كنتش عايز أخوفك».
قلت له:
«إنت اللي طلبت مني أمضي على أوراق التأمين، وإنت اللي بتتكلم عن عطل في جهاز التدفئة، وإنت اللي رجعت البيت بعد ما قلت إنك مسافر. عايزني أفهم إيه بالضبط؟»
لأول مرة من سنين، ما سمعتش إجابة جاهزة منه.
سمعت بس صوت أنفاسه.
وبعدين قال:
«أنا هبعتلك عنوان. تعالي لوحدك، من غير مريم، وهفهمك كل حاجة».
رديت من غير تردد:
«مش هسيب بنتي مع أي حد، ومش هقابل حد لوحدي قبل ما أفهم إنت مخبي إيه».
صوته اتغير فجأة.
قال بحدة:
«نادين، الموضوع أخطر مما تتخيلي. لو عايزة تحمي مريم، لازم تسمعيني المرة دي».
وبعدين قفل الخط.
فضلت ماسكة التليفون، وأنا بحاول أفهم هل ده تهديد، ولا تحذير حقيقي من مشكلة أكبر.
لكن في اللحظة دي، وصلتني رسالة جديدة من حسام، فني الصيانة.
كانت صورة لورقة مكتوب فيها اسم شركة تأمين، وتاريخ توقيع الوثيقة، ومبلغ مالي كبير.
وتحت الصورة كتب:
«مدام نادين، أنا لقيت حاجة في التقرير القديم. فيه توقيع باسم حضرتك، لكن التاريخ المكتوب عليه هو نفس اليوم اللي كنتِ فيه في الشغل، والتقرير بيقول إنك كنتِ موجودة أثناء الفحص».
اتجمدت مكاني.




