منوعات

الجزء الثاني قبل الاخير والاخير بقلم محمد عبده

### الجزء التاني: المنظر اللي عمري ما هنساه

مشيت بسرعة ناحية أوضة النوم، وفتحت الباب بهدوء.

الأوضة كانت فاضية.

بصيت ناحية السرير، ولقيت الغطا متكوم على جنب، وعلى الكومود كان فيه إزازة مياه فاضية، وعلبة دواء مفتوحة، وكوباية شاي باردة بقالها وقت طويل.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

«نور؟ إنتِ فين يا حبيبتي؟»

سمعت صوت ضعيف جاي من ناحية الصالة.

جريت على الصوت، ولما وصلت، وقفت مكاني كأن رجلي اتثبتت في الأرض.

كانت نور قاعدة على الكنبة القديمة، لابسة بيجامة تقيلة، وفوقها بطانية خفيفة، وشايلة يوسف بين إيديها.

وشها كان شاحب، وعينيها حمرا من العياط، وشعرها مربوط بسرعة، وباين عليها إنها ما نمتش كويس من أيام.

أما ابني الصغير، فكان ملفوف في بطانية رقيقة، ووشه الصغير قريب من صدر أمه، وهي بتحاول تدفيه بجسمها.

أول ما شافتني، عينيها اتسعت من المفاجأة.

همست بصوت ضعيف:

«أحمد؟! إنت رجعت إمتى؟»

ما رديتش عليها في الأول.

حطيت الورد على الترابيزة، ونزلت على ركبتي قدامها.

«إيه اللي حصل يا نور؟ إنتِ كويسة؟ والولد ماله؟ ليه الشقة ساقعة كده؟»

حاولت تبتسم، لكن شفايفها كانت بترتعش.

قالتلي:

«أنا كويسة… متقلقش عليَّ.»

لكن أنا كنت شايف بعيني إنها مش كويسة خالص.

مديت إيدي ولمست إيدها، فلقيتها ساقعة بشكل خلاني أقلق أكتر.

بصيت ليوسف، وكان بيتحرك حركة بسيطة وهو نايم، فحطيته برفق في حضني، وبدأت ألمس إيديه ورجليه بحذر.

سألتها وأنا بحاول أسيطر على أعصابي:

«نور، إنتوا أكلتوا إيه النهارده؟»

سكتت.

بصت للأرض، وبدأت دموعها تنزل من غير صوت.

التصرف ده كان كفاية يخليني أفهم إن الموضوع أكبر من اللي كنت متخيله.

قمت بسرعة وفتحت التلاجة.

ولما بصيت جواها، حسيت بغضب شديد.

التلاجة كانت شبه فاضية.

شوية مياه، وعلبة زبادي، وقطعتين جبنة، وعلبة صغيرة فيها بواقي أكل قديم.

فتحت دولاب المطبخ، ملقتش غير شوية عيش ناشف وكيس مكرونة مفتوح.

رجعت للصالة وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه.

«نور، فين الأكل؟ فين الفلوس اللي بعتها؟»

حاولت تتكلم، لكن صوتها خرج متقطع.

«أنا كنت بحاول أستحمل لحد ما ترجع… مكنتش عايزة أقلقك وإنت بعيد.»

قعدت جنبها، وحطيت إيدي على كتفها.

«بصيلي يا نور. أنا جوزك، وإنتِ مش مطالبة تستحملي كل ده لوحدك. احكيلي حصل إيه.»

مسحت دموعها بطرف البطانية، وبصت ناحية باب الشقة كأنها خايفة حد يسمعها.

وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يغلي في عروقي.

«أمك سافرت يا أحمد.»

فضلت باصلها من غير ما أتكلم.

«سافرت فين؟»

ردت بصوت مكسور:

«هي وأختك سارة وخطيبها كريم… سافروا الغردقة من يومين.»

في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت.

أمي وأختي؟

سافروا؟

وسابوا مراتي اللي لسه عاملة عملية قيصرية من 11 يوم، ومعاها طفل رضيع، لوحدها في الشقة دي؟

لكن اللي عرفته بعد كده كان أسوأ بكتير.

### الجزء التالت: الأربعتاشر ألف دولار اللي اختفوا

قعدت قدام نور، وطلبت منها تحكيلي كل حاجة من البداية.

بدأت كلامها وهي بتحاول تفتكر التفاصيل من غير ما تنهار.

قالتلي إن قبل ما أسافر للإسكندرية، كنت حريص إني أسيب كل حاجة متوفرة ليها.

وبما إن الولادة حصلت بشكل مفاجئ، واتضح إنها محتاجة فترة نقاهة أطول، قررت أرتب معاها مساعدة من العيلة.

أمي، الحاجة فاطمة، قالتلي بنفسها إنها هتقعد مع نور، وتساعدها في الأكل والبيت، وتراعي يوسف لحد ما نور تستعيد صحتها.

كنت مبسوط وقتها، وقلت لنفسي إن وجود أمي هيطمنني وأنا بعيد.

وبعت مبلغ كبير، قيمته حوالي 14 ألف دولار، علشان يغطي مصاريف الرعاية، والأكل، والأدوية، وأي احتياجات ممكن تظهر خلال الفترة دي.

وطلبت من أمي بشكل واضح إنها ما تبخلش على نور بأي حاجة تحتاجها.

لكن أمي طمنتني وقالت:

«متشيلش هم يا ابني، مراتك زي بنتي، وحفيدك ده حتة مني.»

كنت مصدقها.

كنت فاكر إن الفلوس دي هتخلي نور مرتاحة، وإنها هتلاقي حد جنبها في أصعب أيامها.

لكن نور حكتلي إن كل حاجة اتغيرت بعد ما الفلوس وصلت.

في البداية، أمي كانت بتجيب أكل من وقت للتاني، وبعدها بدأت تخرج ساعات طويلة وتسيب نور لوحدها.

ولما نور كانت بتطلب منها تجيبلها احتياجات للبيت، كانت ترد بعصبية وتقول إنها مش فاضية.

وبعدها بيومين، دخلت أمي عليها وقالتلها إنها مسافرة كام يوم مع سارة وكريم.

نور افتكرت في الأول إنها بتهزر.

لكن أمي بدأت تجمع شنطها فعلًا.

نور سألتها بقلق:

«يا طنط، إنتِ هتسافرِي دلوقتي؟ طب وأنا؟ أنا لسه تعبانة، ويوسف صغير جدًا.»

ردت أمي ببرود:

«إنتِ بقيتي أحسن، وبعدين مش معقول هنفضل قاعدين جنبك طول الوقت. أحمد بعت فلوس، اتصرفي منها لحد ما يرجع.»

نور حاولت تفهمها إن الفلوس مش معاها، وإنها كانت متفقة معايا إن أمي هي اللي هتدير مصاريف البيت وتجيب الاحتياجات.

لكن أمي أنهت الكلام بحدة:

«أنا مش مسؤولة عن كل حاجة. وبعدين دي كام يوم وهارجع.»

وبالفعل، خرجت من الشقة، وسابت نور لوحدها.

أما سارة، أختي، فحتى ما حاولتش تتكلم مع نور أو تطمن عليها.

خرجت ورا أمي، وهي بتضحك مع كريم وبتتكلم عن الفندق والرحلة اللي مستنياهم.

نور قالتلي إنها فضلت بعدها تتصل بأمي، لكنها كانت بتتجاهل مكالماتها.

ولما بعتتلها رسالة تقول فيها إنها محتاجة أكل وحاجات أساسية للطفل، ردت عليها بكلمتين بس:

«دبّري نفسك لحد ما نرجع.»

وقتها، نور ماكانش معاها غير مبلغ بسيط جدًا، وكانت بتحاول توزعه على الأكل والاحتياجات الضرورية.

ولما الفلوس خلصت، بدأت تستغنى عن حاجات كتير، وتكتفي بأقل قدر ممكن من الطعام علشان تقدر تفضل واقفة على رجليها وترعى يوسف.

كنت بسمع كلامها، وإيدي مقفولة من شدة الغضب.

لكن وسط كل الغضب ده، كان فيه سؤال واحد مش قادر أخرجه من دماغي.

أمي أخدت الفلوس كلها فعلًا؟ ولا فيه حاجة تانية أنا لسه ماعرفهاش؟

بصيت لنور وسألتها:

«إنتِ متأكدة إنهم سافروا بالفلوس اللي أنا بعتها؟»

هزت راسها وقالت:

«أنا مش عارفة يا أحمد. بس قبل ما تمشي، سمعتها بتتكلم مع سارة عن حجز الفندق والمصاريف، وكانت بتقول إن كل حاجة بقت جاهزة.»

سكتُّ شوية.

وبعدين قمت، وجبت موبايلِي، وفتحت تطبيق البنك.

كنت محتاج أعرف الحقيقة بنفسي.

ولما دخلت على الحساب، لقيت سلسلة من عمليات السحب والتحويل اللي ماكنتش متوقعها.

في اللحظة دي، قررت إني مش هواجه حد قبل ما أفهم كل حاجة.

مش هرفع صوتي، ومش هبعت رسالة تهديد، ومش هديهم فرصة يجهزوا حكاية يبرروا بيها اللي عملوه.

هسيبهم يكملوا إجازتهم، لكن من اللحظة دي، كل حاجة هتتغير.

يتبع…
### الجزء الرابع: القرار اللي أخدته من غير ما يعرفوا

فضلت باصص لشاشة الموبايل، وبراجع العمليات المالية واحدة واحدة.

كان فيه مبالغ اتسحبت على دفعات، ومصاريف اتدفعت في أماكن مختلفة، وتحويلات ماكنتش أعرف عنها أي حاجة.

المبلغ اللي بعته علشان مراتي وابني يعيشوا في أمان، كان بيتصرف في حاجات تانية خالص.

رفعت عيني ناحية نور، لقيتها قاعدة على الكنبة، بتحاول تهدي يوسف، وفي نفس الوقت بتحاول تخبي دموعها عني.

حطيت الموبايل في جيبي، وقربت منها.

قلت لها بهدوء:

«اسمعيني يا نور، إنتِ مش هتحتاجي تطلبي من حد أي حاجة بعد النهارده. أنا رجعت، وأنا اللي ههتم بيكي وبابني.»

بصتلي، ودموعها نزلت أكتر.

«أنا مكنتش عايزة أعمل مشكلة بينك وبين أمك يا أحمد. دي مهما حصل أمك، وأنا كنت بحاول أستحمل لحد ما ترجع.»

مسكت إيدها وقلت:

«إنتِ معملتيش أي مشكلة. اللي يسيب واحدة لسه خارجة من عملية ومعاها طفل رضيع من غير أكل ولا تدفئة، هو اللي عمل المشكلة. ومش هسمح لحد يقنعك إنك غلطانة علشان طلبتي حقك.»

قمت وقفلت باب الشقة كويس، وبعدها اتصلت بطبيب الأطفال اللي كان متابع حالة يوسف.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى